كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والضبط

عشت دهراً في سوريا دون أن يتشكل لدي تصور واضح عن المشفى بوصفه امتداداً مباشراً للسلطة أو أحد أجهزتها التنفيذية. كان يبدو في معيشي اليومي أقرب إلى مرفق ضروري، يعمل في الهامش، بلا كثافة سياسية ظاهرة، وكأنه خارج البنية الصلبة للدولة. يدخل إليه الناس عند الحاجة، ثم يغادرونه دون أثر يتركه في ذاكرتهم ،ذلك الأثر الذي تطبعه عادة مؤسسة السلطة وإدارتها.
لكن هذا الانطباع لم يكن مستقراً. فقد تأسست العلاقة مع المشفى على حالة وسطى، مثل منزلة بين المنزلتين، تتداخل فيها الحاجة مع الحذر، بعيداً عن الثقة الصافية أو الرفض الصريح. فقد رافق القبول العملي بها تحفظ داخلي مكتوم. كأن الفرد منا يسلّم جسده للمؤسسة دون أن يسلّم لها تفسيره لما يحدث له بالكامل، فيبقى جزء من التجربة خارج الفهم المباشر، محاطاً بشيء من الغموض يتصل ببنية التنشئة الاجتماعية ذاتهاـ ولعل هذا يعودا إلى أن الدولة الحديثة في مجتمعاتنا المشرقية لم تتشكل باعتبارها المصدر الأول للحماية والثقة. إذ بقيت الجماعة القريبة هي الإطار الأكثر رسوخاً في إنتاج الأمان مثل أطر العائلة والعشيرة والقرابة والدوائر الاجتماعية الضيقة الي يمكن فهم الحماية من داخلها بوصفها علاقة شخصية، أكثر منها أثراً لمؤسسة عامة محايدة. لذلك تبقى المؤسسات، مهما كانت ضرورية، محاطة بمسافة نفسية يصعب قياس مدى رفضها أو استبطانها بالكامل. ومن هنا، ينظر إلى المشفى على أنه منظومة تعمل وفق إجراءات ومعايير وقرارات تغاير منطق العلاقات الاجتماعية المباشرة، فلا تكتنفه تلك الفضاءات المألوفة للحياة اليومية للفرد. يما يجعل منه غير محل ثقة.
أضاف انتقالي إلى السويد طبقة جديدة من اقتصاديات القلق لهذا الإدراك دون أن يمحو طبقاته السابقة. فمع تكرار الزيارات، وتحول المشفى إلى جزء من الإيقاع اليومي، حصل تغير في العلاقة الخارجية معه مثل انتظام المواعيد ودقتها وتخصصها واستمراريتها، كل هذا مع وضوح الإجراءات. ولكن [ دائماً هناك ولكن] يدأ يبرز خلف هذا التنظيم، سؤال آخر كبير: كيف تعمل المؤسسة حين تصبح الحياة ذاتها موضوعاً دائماً للمتابعة؟
يتكشف خلف هذا الانتظام اختلاف أعمق في هندسة الفضاء والزمن. ويبدو المشفى في سياقات المؤسسة الهشة، فضاءً مفتوحاً للاختراق، تتجاور فيه الوظائف وتتداخل المسارات في بينة تفتقر إلى الاكتمال التام. أما في النموذج المقابل، فيأخذ الفضاء طابعاً تجزيئياً صارماً، يعيد توزيع الأجساد ضمن مسارات محددة سلفاً، ويحوّل الحركة إلى سلسلة من الإشارات الموجهة التي تنتج انضباطاً ذاتياً هادئاً من دون حاجة إلى إكراه مباشر. ومع الوقت، يتشكل شعور يستند إلى إعادة النظر في فهم وظيفة المشفى داخل بنية أوسع، ليظهر كمكان فسيح ونظيف ومريح للعين، لا روائح خاصة، ولا أشكال مريبة، ولا ضجيج مفاجئ، وفوق هذا يظهر كجزء من منظومة تدير الجسد عبر المعرفة والتصنيف والمتابعة.
وتتبلور صورته، بالأحرى صورة السلطة، في شكلها الناعم عبر الفحص والتشخيص والتوثيق والتقويم وتحديد ما هو طبيعي وما هو خارج المعيار. سلطة تضخ الجسد لقراءة مستمرة وإدماج في شبكة من القياسات والبيانات والاحتمالات. وتتقاطع الرعاية الطبية في العمق مع منطق تنظيم الحياة اليومية، وتتحول الصحة إلى حالة قابلة للإدارة، والمرض إلى احتمال قابل للحساب والتوقع قبل وقوعه. ويرتبط هذا المستوى من الاشتغال بالبنية الأوسع الحاضنة للمشفى كعقدة ضمن سلسلة اقتصادية تعيد تشكيل الجسد كمجال قابل للقياس والإدارة والتخطيط. ومؤسسة تتصل بشبكة تمتد من صناعة الدواء إلى الأجهزة الطبية، إلى نظم التأمين إلى الإدارات الصحية و البروتوكولات المهنية والمعايير الاقتصادية.
وعلى أي حال، يفقد المرض، في هذا الإطار، طابعه الاستثنائي، ليندرج في دورة مستمرة من المتابعة والوقاية والفحص الدوري والتحاليل المتكررة والتقويمات المستمرة، وتصب هذه العمليات في منطق إدارة المخاطر أكثر مما تدخل في منطق العلاج التقليدي. وتمارس السلطة وظيفتها عبر مراقبة الجسد الاستباقية لمنع انهياره، وإعادة ضبطه تفادياً لخروجه عن المعايير، في اندماج صريح للبعد الطبي (منطق الرعاية) بالبعد الاقتصادي (منطق إنتاج وتنظيم يتجاوز الفرد). ويوازي هذا التنظيم المكاني ضبط دقيق للزمن. فالانتظار الذي يبدو في سياق ما فراغاً أو تراخياً، يتحول في سياق آخر إلى زمن مُدار بعناية، تتجزء فيه الحياة إلى مواعيد متتالية، وتعاد صياغة الجسد وفق إيقاع لا يملك الفرد ضبطه بالكامل. ومع تكرار هذا الإيقاع، تصبح الزيارة الطبية جزءً من زمن المعيش . ويتحرك الطبيب داخل هذه البنية و من خلال بروتوكولات ومعايير وتكاليف وإمكانات تحدد مجال الفعل قبل بدايته في منظومة أوسع من المعرفة والتقنين، بعيداً عن التجربة الفردية الخالصة، التي يجري انتزاعها من سرديتها الشخصية لفائدة لغة مؤسسية تجعل من الجسد حالة قابلة للتصنيف والمتابعة.
تتعمق هذه العملية بتحول الجسد إلى سجل دائم التكوّن. ويشكل التاريخ الطبي طبقة موازية تسبق الجسد إلى لحظة الفحص، وتوجّه النظر إليه قبل التواصل المباشر. وعند هذه النقطة، يصبح الكشف الطبي تفاعلاً مع ملف ممتد يختزن الماضي ويستبق الآتي. وتتيح هذه الرؤية فهم نقارب المشفى في بنيته مع مؤسسات الضبط، رغم التباين الشكلي. ويعاد تشكيل علاقة الفرد بجسده وزمنه داخل الإطار المؤسسي، في تشابه اسلوبي مع مؤسسة السجن. غير أن الاختلاف يكمن في الوسيط، ففي الوقت الذي يعمل فيه السجن على الإكراه المباشر، يستند عمل المشفى على الرعاية والمعرفة. ولكن النتيجة البنيوية لكليهما تلتقي في نقطة واحدة: تحويل الحياة إلى موضوع خاضع للتنظيم- أو يمكن تنظيمه. وما هو أعمق من ذلك أن السلطة هنا تظهر كجزء من طريقة تعريف الواقع ذاته، لتتجاوز -في المعنى والشكل- حدود القوة الخارجية. وتنبثق تعريفات ما هو مَرضي وما هو طبيعي وما هو خطير وما هو قابل للعلاج... وما إلى ذلك، كنتائج لبنية معرفية ومؤسسية تحدد أفق الجسد وإمكاناته. فتنسخ معرفتنا السابقة عنها كمعطيات ثابتة أو جاهزة
وإذن، هل المشفى مؤسسة محايدة؟ أم جهاز قمعي مباشر؟
يمثل المشفى نقطة تداخل بين المعرفة والاقتصاد والسلطة يجري فيه صياغة الحياة اليومية داخل نظام من القياس والتصنيف والإدارة، حتى حين يجري تقديم هذه العملية في صورة الرعاية والعلاج لإنتاج معيار دائم للصحة يصعب بلوغه بالكامل. ويبقي هذا المعيار المتحرك الجسد في حالة مقارنة دائمة مع نفسه ومع ما ينبغي أن يكون عليه وفق محددات المؤسسة التي تتخفى فيها آليات دقيقة لإدارة الحياة داخل خطاب الرعاية، وتدخل الجسد في شبكة من القياس والتصنيف والمتابعة، تجعل من العناية امتداداً لبنية أوسع لإدارة الوجود. فتعيد تعريف الإنسان بحسب أنظمة القياس والتصنيف، وتتجاهل تصوراته الذاتية عن نفسه؛ فعلامات مثل ضغط الدم ومستوى السكر وصور الأشعة و تاريخ الأمراض، تتحول، جميعها، إلى عناصر تدخل في تشكيل الهُوية إلى جانب الذاكرة والتجربة واللغة. وتتراجع فكرة "الذات المباشرة" مع تراكم هذه العناصر لمصلحة ذات وسيطة ومفلترة عبر مؤسسات تعرف الجسد أكثر من صاحبه في لحظات معينة. وتتأسس الهوية- أو يعاد تأسيسها- على قابلية التوثيق بموازاة الانتماء والسرد الشخصي و الخبرة الاجتماعية. وتصبح فالذات الحديثة قابلة للتسجيل والأرشفة والتتبع والمقارنة بذاتها السابقة. ويتحول الملف الطبي إلى امتداد غير معلن للهُوية، موازياً في تأثيره للوثيقة المدنية أو السيرة الاجتماعية.
تتغير طبيعة المرض، فلا يعود حدثاً طارئاً يفصل بين حالتين، ويستقر كشكل ممكن للوجود واحتمال دائم يرافق تعريف الجسد. وتحضر قابلية المرض حتى في غيابه كجزء من الهُوية البيولوجية والإحصائية للفرد، فيحقق المشفى عبر ذلك فاعلية في تشكيل الذات تمتد خارج لحظة التلقي المباشر للرعاية. وإذن، تبدو الحرية الفردية في صورتها الحديثة وكأنها نقيض مباشر لمنطق المؤسسة لجهة استقلال الجسد وحق القرار والسيادة على الذات. غير أن هذا التصور يتآكل حين نقترب من البنية اليومية التي نمارس فيها حريتنا فعلياً، وليس كما هو معلن عنها. ويكشف المشفى ومنظومة الصحة الحديثة عن طبقة مختلفة من العلاقة تعمل فيها الحرية ضمن شروطها الخاصة. غير أن المسألة لا تتعلق بإلغاء الحرية بقدر ما تتعلق بإعادة تعريفها. فالفرد الحديث لا يعيش خارج الشبكات التي تنتج معرفته بذاته.، ويمارس الاختيار والقرار داخل أفق رسمت حدوده مسبقاًـ وفي فضاء من المؤشرات والتوصيات والاحتمالات السابقة لوجوده أو لم يشارك في إنتاجها بنفسه. ومن هنا لا تبدو الحرية الحديثة انفصالاً كاملاً عن السلطة، وإنما إحدى مفارقاتها. فالمنظومات التي تراقب الجسد وتوثقه وتتابعه هي ذاتها التي تمنح الفرد قدرة غير مسبوقة على معرفة ذاته وإدارة حياته. وما يظهر قيداً من جهة، يظهر تمكيناً من جهة أخرى. ولذلك يصعب الفصل بين السيطرة والتحرر فصلاً حاسماً.
ربما تكمن خصوصية السلطة الحديثة في أنها لا تطلب من الفرد الطاعة بقدر ما تدعوه إلى المشاركة في مراقبة نفسه. فبدلاً من أن يأتي الانضباط من الخارج، يتحول إلى ممارسة داخلية يتبناها الفرد طوعاً. يراقب غذاءه، ويحسب خطواته اليومية، ويتابع مؤشراته الحيوية، ويعيد تنظيم حياته وفق معايير الصحة المثالية. وهكذا تصبح السلطة أكثر فعالية كلما بدت أقل حضوراً. ويتحول المشفى عند هذه النقطة إلى مرآة مكبرة لآلية عمل المجتمع الحديث. فنرى في أروقته وعياداته التحالف الهادئ بين المعرفة والسلطة والاقتصاد والتنظيم وحتى الخوف ورائحة الموت، ويمكن أيضاً رؤية آليات إعادة إنتاج الإنسان كمشروع دائم للتحسين والمتابعة والتقويم. ويقصد الفرد هذا العالم طلباً للشفاء، ليكتشف تدريجياً خضوع هويته وجسده للرعاية المتزامنة. ويضيف كل فحص وملف ومؤشر سطراً إضافياً إلى السردية المؤسسية التي تكتبها الحداثة عن الإنسان، وينتقل السؤال من حيز المشفى ذاته إلى العالم الذي جعل من إدارة الحياة المهمة السياسية والاقتصادية والمعرفية الأولى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...