أثار الكاتب أمين الزاوي جدلًا واسعًا بتصريحه الذي اعتبر فيه أن العبرية أصبحت لغة للتكنولوجيا والعلم بعد أن أُعطيت لها الفرصة، بينما أخفق التّعريب في الجزائر، مستدلًا بأنّ البلاد لم تستطع إنتاج طبيب يكتب وصفة طبية بالعربية، في حين أصبح أبناء المهاجرين الجزائريين بعد سنوات قليلة يقدمون محاضرات جامعية في الفيزياء النّووية والطب. ورغم ما يبدو في هذا الطرح من رغبة في نقد واقع التّعليم والبحث العلمي، إلا أنّه يقوم على مغالطات منهجية وتاريخية تجعل نتائجه أبعد ما تكون عن الدّقة العلمية.
- اللغة لا تصنع العلم
- أوّل ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب هو الخلط بين اللّغة والعلم. فاللّغة أداة لنقل المعرفة وليست منتجة للمعرفة في ذاتها. لم تصبح الإنجليزية لغة العلوم لأنها أفضل لغويًا من غيرها، ولم تتقدم ألمانيا بالعلوم لأن الألمانية أكثر قدرة من الفرنسية، ولم تصنع اليابان نهضتها لأن اليابانية لغة استثنائية. إنما تقدمت هذه الأمم لأنها امتلكت الجامعات القوية، ومراكز البحث، والاقتصاد المنتج، والاستثمار الضخم في المعرفة.
العلم لا يولد في القواميس، بل في المختبرات. ولا تصنعه الأبجديات، بل تصنعه العقول والمؤسسات والاستراتيجيات الوطنية.
- المغالطة الكبرى في المثال العبري
- حين تُستحضر التجربة العبرية بوصفها دليلًا على نجاح لغة ما، فإنّ الحقيقة التاريخية تُبتَر عمدًا أو سهوًا. فالعبرية الحديثة لم تنهض في فراغ، ولم تتحول إلى لغة علم بمجرد قرار ثقافي. لقد ارتبطت بمشروع سياسي ودولتي ضخم حظي منذ نشأته بدعم غربي وأمريكي غير مسبوق، شمل التمويل والتكنولوجيا والجامعات والبحث العلمي والهجرة النوعية للكفاءات من مختلف أنحاء العالم.
إنّ آلاف العلماء والباحثين الذين تدفقوا إلى إسرائيل من أوروبا وأمريكا وروسيا لم يكونوا نتاج اللغة العبرية، بل كانت اللغة هي التي استفادت من وجودهم. فالقوة العلمية سبقت انتشار اللغة العلمية، ولم تنتج عنها.
ولهذا فإن تقديم العبرية وكأنها حققت معجزة مستقلة عن الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أحاطت بها ليس قراءة علمية للتاريخ، بل تبسيط مخل للوقائع.
- العربية ليست سبب التّخلف
من السّهل تحميل اللغة العربية مسؤولية إخفاقات المنظومة التعليمية، لكن هذا التفسير لا يصمد
أمام أبسط اختبار تاريخي.،فالعربية كانت لقرون طويلة لغة الطب والفلك والكيمياء والرّياضيات والفلسفة. ومن خلالها انتقلت علوم الحضارات القديمة إلى أوروبا. وكانت الجامعات الأوروبية تترجم المؤلفات العربية في الوقت الذي لم تكن فيه العبرية لغة إنتاج علمي عالمي.
- إن المشكلة ليست في العربية، بل في السّياسات التّعليمية، وضعف البحث العلمي، وتراجع التّرجمة، وغياب الإرادة الحقيقية لبناء اقتصاد المعرفة. ولو كانت اللّغة هي سبب التّقدم أو التّخلف لما استطاعت الصين وكوريا الجنوبية واليابان وإيران وتركيا أن تحقق ما حققته بلغاتها الوطنية.
- مقارنة غير متكافئة
- يقارن الزاوي بين تجربة التّعريب في الجزائر وبين تجربة إحياء العبرية، لكنه يتجاهل أن المقارنة بين حالتين مختلفتين جذريًا لا تؤدي إلى نتائج علمية.
فالجزائر خرجت من استعمار استهدف الشخصية الوطنية ولغتها وثقافتها أكثر من قرن وثلاثة عقود. وعندما شرعت في التعريب لم يكن لديها رصيد ضخم من الكتب العلمية المترجمة، ولا شبكة جامعات بحثية متطورة، ولا قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية.
أما المشروع العبري فقد تأسس في ظل دعم دولي هائل وإمكانات اقتصادية وعلمية ضخمة.
ولهذا فإن إخفاق السياسات التعليمية في بعض جوانبها لا يمكن أن يتحول إلى إدانة للغة العربية نفسها.
- الأمازيغية والعربية: علاقة تكامل لا صراع
والأخطر في مثل هذه الطروحات أنها تُستعمل أحيانًا لإشعال صراع وهمي بين مكونات الهوية الوطنية الجزائرية. فالأمازيغية ليست نقيضًا للعربية، وليست منافسًا لها على الوجود. إنها لغة وطنية أصيلة تحمل جزءًا من الذاكرة التاريخية للجزائريين، تمامًا كما تمثل العربية لغة جامعة للثقافة والمعرفة والتواصل الوطني.
إنّ تحويل النقاش اللغوي إلى مواجهة بين العربية والأمازيغية لا يخدم أي مشروع ثقافي أو وطني، بل يفتح الباب أمام الانقسامات التي تجاوزها الجزائريون منذ زمن طويل.
المشكلة الحقيقية
- ليست أزمة الجزائر أزمة لغة، بل أزمة إنتاج علمي ومعرفي. فالجامعات التي لا تنتج البحث العلمي لن يصنع لها التقدم أي لسان، والمدارس التي لا تربي على التفكير النقدي لن تنقذها أي لغة أجنبية أو وطنية.
-إنّ السّؤال الذي ينبغي طرحه ليس هو هل العربية صالحة للعلم؟ بل لماذا لا نستثمر بما يكفي في العلم؟ ولماذا لا نبني منظومة وطنية للترجمة والبحث والابتكار؟
فالأمم لا تنهض بتبديل لغاتها، وإنّما تنهض حين تجعل من المعرفة مشروعًا وطنيًا.
خاتمة
- إنّ اللّغة العربية ليست عبئًا على النهضة، كما أن الأمازيغية ليست عقبة في طريق التقدم. والاحتفاء بتجربة العبرية لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للتقليل من قيمة اللغة العربية أو للتشكيك في قدرتها على استيعاب العلوم والمعارف.
لقد أثبت التاريخ أن اللغة تكتسب قوتها من قوة الأمة التي تتحدث بها، لا العكس. وحين تمتلك الأمة مشروعًا علميًا وحضاريًا حقيقيًا، فإن لغتها تصبح تلقائيًا لغة علم وإبداع. أما حين تغيب الإرادة السياسية والاستراتيجية المعرفية، فإن البحث عن شماعة اسمها "اللّغة" لن يكون سوى هروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للتخلف. وفي الختام . نسأل ماذا قدّم أمين الزاوي للعربية غير مزيد من النقد والتّشكيك في قدرتها على مواكبة العصر وتسويق شخصيات روائية تمجد العهر والدّعارة ؟ وماذا قدّم للفرنسية سوى تمجيدها بوصفها جسرًا حصريًا نحو العالمية؟ وها هو اليوم يستدعي العبرية نموذجًا يُحتذى، متجاهلًا أن قوة اللّغات تنبع من قوة الأمم التي تحملها. إن المثقف الحقيقي لا يقاس بانبهاره بلغات الآخرين، بل بما يضيفه إلى لغته وثقافته من فكر وإبداع ومعرفة.
- اللغة لا تصنع العلم
- أوّل ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب هو الخلط بين اللّغة والعلم. فاللّغة أداة لنقل المعرفة وليست منتجة للمعرفة في ذاتها. لم تصبح الإنجليزية لغة العلوم لأنها أفضل لغويًا من غيرها، ولم تتقدم ألمانيا بالعلوم لأن الألمانية أكثر قدرة من الفرنسية، ولم تصنع اليابان نهضتها لأن اليابانية لغة استثنائية. إنما تقدمت هذه الأمم لأنها امتلكت الجامعات القوية، ومراكز البحث، والاقتصاد المنتج، والاستثمار الضخم في المعرفة.
العلم لا يولد في القواميس، بل في المختبرات. ولا تصنعه الأبجديات، بل تصنعه العقول والمؤسسات والاستراتيجيات الوطنية.
- المغالطة الكبرى في المثال العبري
- حين تُستحضر التجربة العبرية بوصفها دليلًا على نجاح لغة ما، فإنّ الحقيقة التاريخية تُبتَر عمدًا أو سهوًا. فالعبرية الحديثة لم تنهض في فراغ، ولم تتحول إلى لغة علم بمجرد قرار ثقافي. لقد ارتبطت بمشروع سياسي ودولتي ضخم حظي منذ نشأته بدعم غربي وأمريكي غير مسبوق، شمل التمويل والتكنولوجيا والجامعات والبحث العلمي والهجرة النوعية للكفاءات من مختلف أنحاء العالم.
إنّ آلاف العلماء والباحثين الذين تدفقوا إلى إسرائيل من أوروبا وأمريكا وروسيا لم يكونوا نتاج اللغة العبرية، بل كانت اللغة هي التي استفادت من وجودهم. فالقوة العلمية سبقت انتشار اللغة العلمية، ولم تنتج عنها.
ولهذا فإن تقديم العبرية وكأنها حققت معجزة مستقلة عن الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية التي أحاطت بها ليس قراءة علمية للتاريخ، بل تبسيط مخل للوقائع.
- العربية ليست سبب التّخلف
من السّهل تحميل اللغة العربية مسؤولية إخفاقات المنظومة التعليمية، لكن هذا التفسير لا يصمد
أمام أبسط اختبار تاريخي.،فالعربية كانت لقرون طويلة لغة الطب والفلك والكيمياء والرّياضيات والفلسفة. ومن خلالها انتقلت علوم الحضارات القديمة إلى أوروبا. وكانت الجامعات الأوروبية تترجم المؤلفات العربية في الوقت الذي لم تكن فيه العبرية لغة إنتاج علمي عالمي.
- إن المشكلة ليست في العربية، بل في السّياسات التّعليمية، وضعف البحث العلمي، وتراجع التّرجمة، وغياب الإرادة الحقيقية لبناء اقتصاد المعرفة. ولو كانت اللّغة هي سبب التّقدم أو التّخلف لما استطاعت الصين وكوريا الجنوبية واليابان وإيران وتركيا أن تحقق ما حققته بلغاتها الوطنية.
- مقارنة غير متكافئة
- يقارن الزاوي بين تجربة التّعريب في الجزائر وبين تجربة إحياء العبرية، لكنه يتجاهل أن المقارنة بين حالتين مختلفتين جذريًا لا تؤدي إلى نتائج علمية.
فالجزائر خرجت من استعمار استهدف الشخصية الوطنية ولغتها وثقافتها أكثر من قرن وثلاثة عقود. وعندما شرعت في التعريب لم يكن لديها رصيد ضخم من الكتب العلمية المترجمة، ولا شبكة جامعات بحثية متطورة، ولا قاعدة صناعية وتكنولوجية قوية.
أما المشروع العبري فقد تأسس في ظل دعم دولي هائل وإمكانات اقتصادية وعلمية ضخمة.
ولهذا فإن إخفاق السياسات التعليمية في بعض جوانبها لا يمكن أن يتحول إلى إدانة للغة العربية نفسها.
- الأمازيغية والعربية: علاقة تكامل لا صراع
والأخطر في مثل هذه الطروحات أنها تُستعمل أحيانًا لإشعال صراع وهمي بين مكونات الهوية الوطنية الجزائرية. فالأمازيغية ليست نقيضًا للعربية، وليست منافسًا لها على الوجود. إنها لغة وطنية أصيلة تحمل جزءًا من الذاكرة التاريخية للجزائريين، تمامًا كما تمثل العربية لغة جامعة للثقافة والمعرفة والتواصل الوطني.
إنّ تحويل النقاش اللغوي إلى مواجهة بين العربية والأمازيغية لا يخدم أي مشروع ثقافي أو وطني، بل يفتح الباب أمام الانقسامات التي تجاوزها الجزائريون منذ زمن طويل.
المشكلة الحقيقية
- ليست أزمة الجزائر أزمة لغة، بل أزمة إنتاج علمي ومعرفي. فالجامعات التي لا تنتج البحث العلمي لن يصنع لها التقدم أي لسان، والمدارس التي لا تربي على التفكير النقدي لن تنقذها أي لغة أجنبية أو وطنية.
-إنّ السّؤال الذي ينبغي طرحه ليس هو هل العربية صالحة للعلم؟ بل لماذا لا نستثمر بما يكفي في العلم؟ ولماذا لا نبني منظومة وطنية للترجمة والبحث والابتكار؟
فالأمم لا تنهض بتبديل لغاتها، وإنّما تنهض حين تجعل من المعرفة مشروعًا وطنيًا.
خاتمة
- إنّ اللّغة العربية ليست عبئًا على النهضة، كما أن الأمازيغية ليست عقبة في طريق التقدم. والاحتفاء بتجربة العبرية لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للتقليل من قيمة اللغة العربية أو للتشكيك في قدرتها على استيعاب العلوم والمعارف.
لقد أثبت التاريخ أن اللغة تكتسب قوتها من قوة الأمة التي تتحدث بها، لا العكس. وحين تمتلك الأمة مشروعًا علميًا وحضاريًا حقيقيًا، فإن لغتها تصبح تلقائيًا لغة علم وإبداع. أما حين تغيب الإرادة السياسية والاستراتيجية المعرفية، فإن البحث عن شماعة اسمها "اللّغة" لن يكون سوى هروب من مواجهة الأسباب الحقيقية للتخلف. وفي الختام . نسأل ماذا قدّم أمين الزاوي للعربية غير مزيد من النقد والتّشكيك في قدرتها على مواكبة العصر وتسويق شخصيات روائية تمجد العهر والدّعارة ؟ وماذا قدّم للفرنسية سوى تمجيدها بوصفها جسرًا حصريًا نحو العالمية؟ وها هو اليوم يستدعي العبرية نموذجًا يُحتذى، متجاهلًا أن قوة اللّغات تنبع من قوة الأمم التي تحملها. إن المثقف الحقيقي لا يقاس بانبهاره بلغات الآخرين، بل بما يضيفه إلى لغته وثقافته من فكر وإبداع ومعرفة.