في شتاء عام 1983، وبعد أشهر قليلة من خروجنا من بيروت، كنت في الجزائر للمشاركة في جلسات المجلس الوطني الفلسطيني.
كانت بيروت ما تزال تسكننا.
كانت رائحة البارود عالقة في الذاكرة.
وكانت أسماء الشهداء تمشي معنا في الممرات أكثر مما يمشي الأحياء.
أما الجزائر فبدت لنا يومها كأنها الصفحة التالية في كتاب الثورة العربية.
بلد انتزع حريته من بين أنياب استعمار ظن أنه جاء ليبقى إلى الأبد.
في الفندق الذي أقام فيه عدد من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، كانت الحراسة الجزائرية منتشرة بهدوء ووقار.
وهناك تعرّفت إلى رجل أمن جزائري تجاوز الخمسين بقليل.
كان طويل القامة.
أسمر الوجه.
وفي عينيه تلك النظرة التي لا تخطئها العين؛ نظرة رجل رأى الموت كثيرًا حتى كفّ عن الخوف منه.
كان يناديني كل صباح:
"صباح الخير يا مجاهد يحيى."
وأجيبه ضاحكًا:
"مجاهد مرة واحدة؟"
فيقول بثقة لا تحتمل الشك:
"أنتم الفلسطينيين كلّكم مجاهدون."
ثم يضيف:
"وفلسطين قضية كل جزائري."
مع الأيام صرنا نتبادل الأحاديث.
كنت أسأله عن الأوراس.
عن الجبال.
عن حرب التحرير.
عن رفاقه الذين لم يعودوا من المعارك.
وكان يحدثني كمن يفتح صندوقًا قديمًا مليئًا بالذكريات.
لكنني لاحظت شيئًا آخر.
كان الرجل يراقب كل شيء.
الأشخاص.
الأحاديث.
الوجوه.
تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد.
وكانت الدهشة ترتسم أحيانًا على وجهه.
مرة رأى إحدى المشاركات الفلسطينيات تشعل سيجارة.
أشاح بوجهه مرتبكًا.
ثم عاد فوقف احترامًا لها عندما عرف أنها مناضلة فلسطينية.
ابتسمت يومها.
فقال لي:
"اعذرني يا أخ يحيى.
جيلنا تربّى على صورة مختلفة للمجاهد."
ثم أضاف وهو يضحك:
"لكن يبدو أن لكل ثورة صورتها الخاصة."
وفي مساء أحد الأيام، جلسنا في زاوية هادئة من بهو الفندق.
نظر إلى الداخلين والخارجين.
ثم قال فجأة:
"تعرف يا أخ يحيى...
لو كانت فلسطين على حدود الجزائر لتحررت منذ زمن."
قالها بمحبة.
لا بغرور.
ولا بمزايدة.
بل بحزن رجل يتمنى لو أن المسافة بين الجزائر وفلسطين أقصر من هذا العالم.
ثم صمت قليلًا.
وأضاف:
"لكنني لا أخاف على فلسطين من قوة عدوها."
استغربت.
وقلت:
"وممّن تخاف إذن؟"
نظر إليّ طويلًا.
وقال:
"سأروي لك حكاية."
ثم بدأ.
قال:
"أيام الثورة الجزائرية كان بيننا رجل.
لم يكن يخفي علاقته بالفرنسيين.
وكان كثيرون يعرفون أنه يزوّدهم بالمعلومات.
بعض الناس وصفوه بالخائن.
وبعضهم قال إنه مجرد انتهازي.
لكن الجميع كانوا يعرفون حقيقته."
ثم توقف.
كأنما يستدعي صورة بعيدة من زمن آخر.
وأكمل:
"كنا نظن أن مشكلتنا ستنتهي يوم يرحل الفرنسيون."
ابتسم ابتسامة حزينة.
وأضاف:
"لكننا اكتشفنا أن المشكلة الحقيقية بدأت بعد رحيلهم."
سألته:
"كيف؟"
قال:
"لأن الثورة انتصرت."
ثم صمت.
وأكمل:
"لكن الذين تسلموا بعض مواقع الدولة الجديدة لم يكونوا دائمًا أولئك الذين حملوا البنادق في الجبال."
ثم اقترب مني قليلًا.
وقال:
"في أول يوم دخلت فيه مؤسسة حكومية بعد الاستقلال، رفعت رأسي نحو مكتب المدير العام."
وسكت.
ثم أطلق ضحكة قصيرة.
وأضاف:
"فوجدت الرجل نفسه."
قلت:
"أي رجل؟"
قال:
"الرجل الذي كانت سيارات الفرنسيين تعرف طريق بيته أكثر مما تعرف طريق بيوت المجاهدين."
ثم أردف:
"كان يجلس خلف مكتب الدولة الوطنية."
لم أعلق.
أما هو فأكمل:
"لكن هذه ليست المأساة."
قلت:
"وما المأساة؟"
قال:
"أن الرجل لم يتغير."
استغربت.
فقال:
"كان يقول الكلام نفسه الذي كان يقوله أيام الاحتلال."
قلت:
"أي كلام؟"
قال:
"كان يحدث الناس عن قوة فرنسا.
وعن استحالة هزيمتها.
وعن ضرورة التفاهم معها.
وعن الواقعية والعقلانية."
ثم رفع إصبعه نحو رأسه.
وأضاف:
"عندها فهمت شيئًا مهمًا."
قلت:
"ماذا؟"
قال:
"بعض الناس لا يخدمون المحتل لأنهم يحبونه."
ثم سكت.
وأكمل:
"بل لأنهم يؤمنون في أعماقهم أنه الأقوى."
كانت الجملة ثقيلة.
ثقيلة إلى درجة أنني ما زلت أسمع صداها حتى اليوم.
أما هو فتابع:
"الخائن التقليدي سهل اكتشافه.
أما الأخطر فهو الذي يدخل الثورة وهو مقتنع منذ البداية أنها لن تنتصر."
ثم نظر إلى أعضاء المجلس الوطني الذين كانوا يتحركون في البهو.
وقال:
"هذا النوع يتعلم لغة الثورة.
ويرفع شعاراتها.
ويتقن خطابها.
لكنه لا يؤمن بالنصر."
وأضاف:
"وحين تأتي لحظة القرار، يتحول إلى داعية للواقعية."
ثم سكت قليلًا.
وأردف:
"ثم إلى داعية للتنازل."
وسكت مرة أخرى.
وقال:
"ثم إلى داعية للتسليم."
كان يتحدث عن الجزائر.
لكنني شعرت أنه يتحدث عن شيء أكبر من الجزائر.
وأكبر من فلسطين.
وأكبر من أي ثورة.
كان يتحدث عن الإنسان حين يهزم نفسه قبل أن يهزمه عدوه.
نهض الرجل من مكانه.
وصافحني.
وقبل أن يغادر قال جملة لم تغادر ذاكرتي منذ أكثر من أربعة عقود:
"يا مجاهد يحيى...
الثورات لا يسقطها الأعداء وحدهم.
أحيانًا يسقطها أولئك الذين ينجحون في إقناع أبنائها أن النصر مستحيل."
بعد أكثر من أربعين عامًا، ما زلت أستعيد وجه ذلك الجزائري الحر.
لا أتذكر ملامحه فقط.
ولا صوته.
ولا طريقته وهو يناديني كل صباح:
"صباح الخير يا مجاهد يحيى."
أتذكر شيئًا آخر.
أتذكر أنني يومها ظننت أنه يروي لي حكاية عن الجزائر.
أما اليوم فأكاد أوقن أنه كان يروي لي حكاية عن كل الثورات.
وربما عن فلسطين أيضًا.
فكلما مرّت السنوات، اكتشفت أن الرجل لم يكن يحذرني من خائن.
فالخائن يمكن كشفه.
ولم يكن يحذرني من عميل.
فالعميل يمكن عزله.
ولم يكن يحذرني حتى من عدو.
فالعدو يمكن مقاومته.
كان يحذرني من شيء أكثر خطورة.
من اللحظة التي تبدأ فيها الثورة بفقدان أفقها.
لأن الهزيمة لا تدخل دائمًا من بوابة الدبابات.
أحيانًا تدخل من بوابة الكلمات.
من كلمة تبدو عاقلة.
وأخرى تبدو حكيمة.
وثالثة تبدو واقعية.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الطريق الذي بدأ بتنازل صغير انتهى عند سقف لم يعد أحد يجرؤ على تجاوزه.
هكذا فهمت كلامه.
في البداية تتراجع الأحلام خطوة.
ثم تتراجع خطوة أخرى.
ثم يصبح التراجع حكمة.
ويصبح القبول بالأمر الواقع عقلانية.
ويصبح السقف الذي قيل إنه مؤقت هو السقف النهائي.
ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أن الحلم كان أكبر.
وأن الطريق كان أبعد.
وأن السقف كان أعلى.
عندها لا تصبح المشكلة في الأشخاص.
ولا في الأسماء.
ولا في المناصب.
بل في غياب الفكرة القادرة على جمع التضحيات في مشروع وطني جامع.
فالشعوب تستطيع احتمال الحصار.
وتستطيع احتمال الحرب.
وتستطيع احتمال الجوع والمنافي.
لكنها لا تستطيع أن تعيش طويلًا بلا أفق.
ولهذا أفهم اليوم ذلك الجزائري أكثر من أي وقت مضى.
لم يكن يخاف على فلسطين من قوة عدوها.
فالاستعمار الفرنسي كان أقوى من ثوار الجزائر يومًا.
ومع ذلك رحل.
ولم يكن يخاف من طول الطريق.
فكل طرق الحرية طويلة.
بل كان يخاف من اليوم الذي يصبح فيه أبناء القضية منشغلين بإدارة الواقع أكثر من انشغالهم بتغييره.
ومن اليوم الذي تتحول فيه الحركة الوطنية من مشروع تحرر إلى مشروع إدارة أزمة.
ومن اليوم الذي يصبح فيه السؤال:
كيف ندير ما هو قائم؟
بدلًا من السؤال:
كيف نبني ما يجب أن يكون؟
هناك تبدأ المأساة الحقيقية.
ليس لأن الثورة هُزمت.
بل لأنها فقدت البوصلة.
ولأن البوصلة حين تضيع لا يعود الناس مختلفين على الطريق فقط.
بل يصبحون مختلفين على الوجهة نفسها.
واليوم، وأنا أراقب النقاشات الدائرة حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، وحول المجلس الوطني القادم، وحول شكل التمثيل السياسي، وحول السقوف التي يُسمح بالتحرك تحتها، أتذكر ذلك الجزائري أكثر من أي وقت مضى.
ليس لأنني أبحث عن تشابه بين الجزائر وفلسطين.
فلكل شعب تاريخه وظروفه.
بل لأنني أبحث عن الإجابة على السؤال نفسه الذي كان يقلقه قبل أربعين عامًا:
كيف نحافظ على البوصلة؟
كيف تبقى التضحيات متصلة بهدفها؟
وكيف يبقى المشروع الوطني أكبر من المؤسسات التي تديره، وأكبر من الأشخاص الذين يتصدرونه، وأكبر من الوقائع المؤقتة التي تفرضها موازين القوى؟
ولهذا، كلما تذكرت ذلك الجزائري العجوز، لا أتذكر الرجل الذي كانت سيارات الفرنسيين تعرف طريق بيته.
ولا الرجل الذي جلس خلف مكتب الدولة بعد الاستقلال.
ولا أولئك الذين كانوا يرددون أن فرنسا لا تُهزم.
أتذكر جملة واحدة فقط.
جملة تبدو اليوم وكأنها كُتبت لفلسطين بعد أكثر من أربعين عامًا:
"احذروا اليوم الذي ينجح فيه اليأس في ارتداء ثياب الحكمة."
فالثورات لا تموت حين تخسر معركة.
ولا حين تتأخر عن النصر.
الثورات تموت يوم تفقد قدرتها على تخيل المستقبل.
ويوم تفقد شعوبها الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
أما فلسطين...
فما زالت تستحق أكثر من إدارة للأزمة.
وما زالت تستحق أكثر من سلطة.
وما زالت تستحق أكثر من ترتيبات مؤقتة تتناسل من ترتيبات مؤقتة.
إنها تستحق مشروعًا وطنيًا جامعًا يليق بكل الذين مرّوا من هنا.
بكل الذين استشهدوا وهم يعتقدون أن الطريق يقود إلى الحرية.
وبكل الذين دخلوا السجون وهم يظنون أن خلف الجدار أفقًا أوسع من الجدار.
وبكل الذين حملوا فلسطين في المنافي والمخيمات والجبال والشوارع والساحات.
فالقضية التي أنجبت هذا القدر من التضحيات لا يجوز أن ينتهي سقفها عند إدارة ما هو قائم.
ولا أن يصبح مستقبلها مجرد تحسين لشروط الواقع المفروض عليها.
ولهذا أشعر اليوم أن ذلك المجاهد الجزائري لم يكن يروي لي حكاية عن الجزائر.
كان يضع أمامي مرآة.
مرآة أرى فيها فلسطين وهي تقف عند مفترق طرق.
لا تبحث فقط عن قائد.
ولا عن مؤسسة.
ولا عن انتخابات.
بل تبحث عن الفكرة الكبرى التي تمنح كل ذلك معناه.
فالسياسة ليست إدارة للحاضر فقط.
بل صناعة للمستقبل.
والشعوب لا تعيش على الخبز وحده.
ولا على الذكريات وحدها.
بل تعيش على الأمل.
وحين يفقد شعبٌ أفقه...
يصبح كل انتصار صغير مجرد تأجيل لهزيمة أكبر.
أما حين يستعيد أفقه...
فإن الطريق، مهما طال، يصبح ممكنًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/6/2026
"بين مقاتل خرج من جنوب لبنان، ومجاهد خرج من جبال الأوراس، وُلدت حكاية لم أفهم معناها الكامل إلا بعد أربعين عامًا."
كانت بيروت ما تزال تسكننا.
كانت رائحة البارود عالقة في الذاكرة.
وكانت أسماء الشهداء تمشي معنا في الممرات أكثر مما يمشي الأحياء.
أما الجزائر فبدت لنا يومها كأنها الصفحة التالية في كتاب الثورة العربية.
بلد انتزع حريته من بين أنياب استعمار ظن أنه جاء ليبقى إلى الأبد.
في الفندق الذي أقام فيه عدد من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، كانت الحراسة الجزائرية منتشرة بهدوء ووقار.
وهناك تعرّفت إلى رجل أمن جزائري تجاوز الخمسين بقليل.
كان طويل القامة.
أسمر الوجه.
وفي عينيه تلك النظرة التي لا تخطئها العين؛ نظرة رجل رأى الموت كثيرًا حتى كفّ عن الخوف منه.
كان يناديني كل صباح:
"صباح الخير يا مجاهد يحيى."
وأجيبه ضاحكًا:
"مجاهد مرة واحدة؟"
فيقول بثقة لا تحتمل الشك:
"أنتم الفلسطينيين كلّكم مجاهدون."
ثم يضيف:
"وفلسطين قضية كل جزائري."
مع الأيام صرنا نتبادل الأحاديث.
كنت أسأله عن الأوراس.
عن الجبال.
عن حرب التحرير.
عن رفاقه الذين لم يعودوا من المعارك.
وكان يحدثني كمن يفتح صندوقًا قديمًا مليئًا بالذكريات.
لكنني لاحظت شيئًا آخر.
كان الرجل يراقب كل شيء.
الأشخاص.
الأحاديث.
الوجوه.
تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد.
وكانت الدهشة ترتسم أحيانًا على وجهه.
مرة رأى إحدى المشاركات الفلسطينيات تشعل سيجارة.
أشاح بوجهه مرتبكًا.
ثم عاد فوقف احترامًا لها عندما عرف أنها مناضلة فلسطينية.
ابتسمت يومها.
فقال لي:
"اعذرني يا أخ يحيى.
جيلنا تربّى على صورة مختلفة للمجاهد."
ثم أضاف وهو يضحك:
"لكن يبدو أن لكل ثورة صورتها الخاصة."
وفي مساء أحد الأيام، جلسنا في زاوية هادئة من بهو الفندق.
نظر إلى الداخلين والخارجين.
ثم قال فجأة:
"تعرف يا أخ يحيى...
لو كانت فلسطين على حدود الجزائر لتحررت منذ زمن."
قالها بمحبة.
لا بغرور.
ولا بمزايدة.
بل بحزن رجل يتمنى لو أن المسافة بين الجزائر وفلسطين أقصر من هذا العالم.
ثم صمت قليلًا.
وأضاف:
"لكنني لا أخاف على فلسطين من قوة عدوها."
استغربت.
وقلت:
"وممّن تخاف إذن؟"
نظر إليّ طويلًا.
وقال:
"سأروي لك حكاية."
ثم بدأ.
قال:
"أيام الثورة الجزائرية كان بيننا رجل.
لم يكن يخفي علاقته بالفرنسيين.
وكان كثيرون يعرفون أنه يزوّدهم بالمعلومات.
بعض الناس وصفوه بالخائن.
وبعضهم قال إنه مجرد انتهازي.
لكن الجميع كانوا يعرفون حقيقته."
ثم توقف.
كأنما يستدعي صورة بعيدة من زمن آخر.
وأكمل:
"كنا نظن أن مشكلتنا ستنتهي يوم يرحل الفرنسيون."
ابتسم ابتسامة حزينة.
وأضاف:
"لكننا اكتشفنا أن المشكلة الحقيقية بدأت بعد رحيلهم."
سألته:
"كيف؟"
قال:
"لأن الثورة انتصرت."
ثم صمت.
وأكمل:
"لكن الذين تسلموا بعض مواقع الدولة الجديدة لم يكونوا دائمًا أولئك الذين حملوا البنادق في الجبال."
ثم اقترب مني قليلًا.
وقال:
"في أول يوم دخلت فيه مؤسسة حكومية بعد الاستقلال، رفعت رأسي نحو مكتب المدير العام."
وسكت.
ثم أطلق ضحكة قصيرة.
وأضاف:
"فوجدت الرجل نفسه."
قلت:
"أي رجل؟"
قال:
"الرجل الذي كانت سيارات الفرنسيين تعرف طريق بيته أكثر مما تعرف طريق بيوت المجاهدين."
ثم أردف:
"كان يجلس خلف مكتب الدولة الوطنية."
لم أعلق.
أما هو فأكمل:
"لكن هذه ليست المأساة."
قلت:
"وما المأساة؟"
قال:
"أن الرجل لم يتغير."
استغربت.
فقال:
"كان يقول الكلام نفسه الذي كان يقوله أيام الاحتلال."
قلت:
"أي كلام؟"
قال:
"كان يحدث الناس عن قوة فرنسا.
وعن استحالة هزيمتها.
وعن ضرورة التفاهم معها.
وعن الواقعية والعقلانية."
ثم رفع إصبعه نحو رأسه.
وأضاف:
"عندها فهمت شيئًا مهمًا."
قلت:
"ماذا؟"
قال:
"بعض الناس لا يخدمون المحتل لأنهم يحبونه."
ثم سكت.
وأكمل:
"بل لأنهم يؤمنون في أعماقهم أنه الأقوى."
كانت الجملة ثقيلة.
ثقيلة إلى درجة أنني ما زلت أسمع صداها حتى اليوم.
أما هو فتابع:
"الخائن التقليدي سهل اكتشافه.
أما الأخطر فهو الذي يدخل الثورة وهو مقتنع منذ البداية أنها لن تنتصر."
ثم نظر إلى أعضاء المجلس الوطني الذين كانوا يتحركون في البهو.
وقال:
"هذا النوع يتعلم لغة الثورة.
ويرفع شعاراتها.
ويتقن خطابها.
لكنه لا يؤمن بالنصر."
وأضاف:
"وحين تأتي لحظة القرار، يتحول إلى داعية للواقعية."
ثم سكت قليلًا.
وأردف:
"ثم إلى داعية للتنازل."
وسكت مرة أخرى.
وقال:
"ثم إلى داعية للتسليم."
كان يتحدث عن الجزائر.
لكنني شعرت أنه يتحدث عن شيء أكبر من الجزائر.
وأكبر من فلسطين.
وأكبر من أي ثورة.
كان يتحدث عن الإنسان حين يهزم نفسه قبل أن يهزمه عدوه.
نهض الرجل من مكانه.
وصافحني.
وقبل أن يغادر قال جملة لم تغادر ذاكرتي منذ أكثر من أربعة عقود:
"يا مجاهد يحيى...
الثورات لا يسقطها الأعداء وحدهم.
أحيانًا يسقطها أولئك الذين ينجحون في إقناع أبنائها أن النصر مستحيل."
بعد أكثر من أربعين عامًا، ما زلت أستعيد وجه ذلك الجزائري الحر.
لا أتذكر ملامحه فقط.
ولا صوته.
ولا طريقته وهو يناديني كل صباح:
"صباح الخير يا مجاهد يحيى."
أتذكر شيئًا آخر.
أتذكر أنني يومها ظننت أنه يروي لي حكاية عن الجزائر.
أما اليوم فأكاد أوقن أنه كان يروي لي حكاية عن كل الثورات.
وربما عن فلسطين أيضًا.
فكلما مرّت السنوات، اكتشفت أن الرجل لم يكن يحذرني من خائن.
فالخائن يمكن كشفه.
ولم يكن يحذرني من عميل.
فالعميل يمكن عزله.
ولم يكن يحذرني حتى من عدو.
فالعدو يمكن مقاومته.
كان يحذرني من شيء أكثر خطورة.
من اللحظة التي تبدأ فيها الثورة بفقدان أفقها.
لأن الهزيمة لا تدخل دائمًا من بوابة الدبابات.
أحيانًا تدخل من بوابة الكلمات.
من كلمة تبدو عاقلة.
وأخرى تبدو حكيمة.
وثالثة تبدو واقعية.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الطريق الذي بدأ بتنازل صغير انتهى عند سقف لم يعد أحد يجرؤ على تجاوزه.
هكذا فهمت كلامه.
في البداية تتراجع الأحلام خطوة.
ثم تتراجع خطوة أخرى.
ثم يصبح التراجع حكمة.
ويصبح القبول بالأمر الواقع عقلانية.
ويصبح السقف الذي قيل إنه مؤقت هو السقف النهائي.
ثم يأتي جيل جديد لا يعرف أن الحلم كان أكبر.
وأن الطريق كان أبعد.
وأن السقف كان أعلى.
عندها لا تصبح المشكلة في الأشخاص.
ولا في الأسماء.
ولا في المناصب.
بل في غياب الفكرة القادرة على جمع التضحيات في مشروع وطني جامع.
فالشعوب تستطيع احتمال الحصار.
وتستطيع احتمال الحرب.
وتستطيع احتمال الجوع والمنافي.
لكنها لا تستطيع أن تعيش طويلًا بلا أفق.
ولهذا أفهم اليوم ذلك الجزائري أكثر من أي وقت مضى.
لم يكن يخاف على فلسطين من قوة عدوها.
فالاستعمار الفرنسي كان أقوى من ثوار الجزائر يومًا.
ومع ذلك رحل.
ولم يكن يخاف من طول الطريق.
فكل طرق الحرية طويلة.
بل كان يخاف من اليوم الذي يصبح فيه أبناء القضية منشغلين بإدارة الواقع أكثر من انشغالهم بتغييره.
ومن اليوم الذي تتحول فيه الحركة الوطنية من مشروع تحرر إلى مشروع إدارة أزمة.
ومن اليوم الذي يصبح فيه السؤال:
كيف ندير ما هو قائم؟
بدلًا من السؤال:
كيف نبني ما يجب أن يكون؟
هناك تبدأ المأساة الحقيقية.
ليس لأن الثورة هُزمت.
بل لأنها فقدت البوصلة.
ولأن البوصلة حين تضيع لا يعود الناس مختلفين على الطريق فقط.
بل يصبحون مختلفين على الوجهة نفسها.
واليوم، وأنا أراقب النقاشات الدائرة حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، وحول المجلس الوطني القادم، وحول شكل التمثيل السياسي، وحول السقوف التي يُسمح بالتحرك تحتها، أتذكر ذلك الجزائري أكثر من أي وقت مضى.
ليس لأنني أبحث عن تشابه بين الجزائر وفلسطين.
فلكل شعب تاريخه وظروفه.
بل لأنني أبحث عن الإجابة على السؤال نفسه الذي كان يقلقه قبل أربعين عامًا:
كيف نحافظ على البوصلة؟
كيف تبقى التضحيات متصلة بهدفها؟
وكيف يبقى المشروع الوطني أكبر من المؤسسات التي تديره، وأكبر من الأشخاص الذين يتصدرونه، وأكبر من الوقائع المؤقتة التي تفرضها موازين القوى؟
ولهذا، كلما تذكرت ذلك الجزائري العجوز، لا أتذكر الرجل الذي كانت سيارات الفرنسيين تعرف طريق بيته.
ولا الرجل الذي جلس خلف مكتب الدولة بعد الاستقلال.
ولا أولئك الذين كانوا يرددون أن فرنسا لا تُهزم.
أتذكر جملة واحدة فقط.
جملة تبدو اليوم وكأنها كُتبت لفلسطين بعد أكثر من أربعين عامًا:
"احذروا اليوم الذي ينجح فيه اليأس في ارتداء ثياب الحكمة."
فالثورات لا تموت حين تخسر معركة.
ولا حين تتأخر عن النصر.
الثورات تموت يوم تفقد قدرتها على تخيل المستقبل.
ويوم تفقد شعوبها الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.
أما فلسطين...
فما زالت تستحق أكثر من إدارة للأزمة.
وما زالت تستحق أكثر من سلطة.
وما زالت تستحق أكثر من ترتيبات مؤقتة تتناسل من ترتيبات مؤقتة.
إنها تستحق مشروعًا وطنيًا جامعًا يليق بكل الذين مرّوا من هنا.
بكل الذين استشهدوا وهم يعتقدون أن الطريق يقود إلى الحرية.
وبكل الذين دخلوا السجون وهم يظنون أن خلف الجدار أفقًا أوسع من الجدار.
وبكل الذين حملوا فلسطين في المنافي والمخيمات والجبال والشوارع والساحات.
فالقضية التي أنجبت هذا القدر من التضحيات لا يجوز أن ينتهي سقفها عند إدارة ما هو قائم.
ولا أن يصبح مستقبلها مجرد تحسين لشروط الواقع المفروض عليها.
ولهذا أشعر اليوم أن ذلك المجاهد الجزائري لم يكن يروي لي حكاية عن الجزائر.
كان يضع أمامي مرآة.
مرآة أرى فيها فلسطين وهي تقف عند مفترق طرق.
لا تبحث فقط عن قائد.
ولا عن مؤسسة.
ولا عن انتخابات.
بل تبحث عن الفكرة الكبرى التي تمنح كل ذلك معناه.
فالسياسة ليست إدارة للحاضر فقط.
بل صناعة للمستقبل.
والشعوب لا تعيش على الخبز وحده.
ولا على الذكريات وحدها.
بل تعيش على الأمل.
وحين يفقد شعبٌ أفقه...
يصبح كل انتصار صغير مجرد تأجيل لهزيمة أكبر.
أما حين يستعيد أفقه...
فإن الطريق، مهما طال، يصبح ممكنًا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/6/2026
"بين مقاتل خرج من جنوب لبنان، ومجاهد خرج من جبال الأوراس، وُلدت حكاية لم أفهم معناها الكامل إلا بعد أربعين عامًا."