حسام الحداد - استراتيجيات المقاومة الصامتة في شعر هبة عصام.. مقاربة تحليلية لخطاب الذات والآخر (2- 2)

تأتي هذه القراءة في جزئها الثاني لتستكمل ما تم التأسيس له في الجزء الأول من دراستنا النقدية لديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» للشاعرة هبة عصام؛ حيث ركّزنا هناك على البنية الفنية والمعمارية للنصوص، وتتبعنا الجذور الجمالية والأسلوبية للقصيدة وسياقاتها الإبداعية. وقد كشف الجزء الأول عن خصوصية التجربة اللغوية والبنائية للشاعرة، وكيف استطاعت عبر التقطيع السطري والانزياح الدلالي أن تؤسس لـ«شعرية العبء» كأداة لمواجهة وطأة الفقد والتشظي الوجودي.
وفي هذا الجزء الثاني، ننطلق من تلك المكتسبات البنيوية لنعبر صوب "الفضاء الخطابي" والمقاربة التحليلية التي تبحث في جدلية الذات والآخر، ومستويات التأويل الوجودي للمسكوت عنه داخل النص. إننا ننتقل هنا من رصد تشكّل الجملة الفنية إلى تفكيك الأيديولوجيا، واستنطاق أبعاد الصمت والغياب، وفهم كيف تحولت القصيدة لدى هبة عصام من مجرد بوح ذاتي أو مرثية عاطفية، إلى استراتيجية واعية للمقاومة الصامتة وشهادة حية على تفاصيل الألم الإنساني المشترك.

أفق التلقي وإستراتيجيات الخطاب: جدل الذات والموضوع

لا يتوقف اشتغال ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» عند حدود البناء اللغوي أو الصور الفنية، بل يمتد ليشكل "فضاءً خطابياً" متوتراً يتقاطع فيه الإنساني بالسياسي، والذاتي بالموضوعي. إن تحليل الخطاب في هذا العمل يكشف عن وعيٍ عميق بموقع الشاعرة ضمن خارطة الشعر العربي المعاصر، حيث تُعيد صياغة الموروث الوجداني لتجعله أداةً لتفكيك الأيديولوجيات السائدة، سواء كانت اجتماعية أو وطنية. في هذا المحور، نستقصي الكيفية التي استثمرت بها الشاعرة تنوع أنماط "الذات الشاعرة" لخلق حوارية مع "المتلقي الضمني"، مُحولةً فعل الكتابة إلى عملية تواصلية مُعقدة لا تكتمل إلا بمشاركة القارئ في إعادة بناء المعنى من شظايا الفقد والذاكرة.

سلطة النص وموقعه الخطابي
يتموضع خطاب ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» لهبة عصام في منطقة تقاطع توترية حساسة، حيث ينهل من التقاليد الوجدانية الأنثوية التي أرست دعائمها قامات مثل نازك الملائكة وفدوى طوقان وفروغ فرّخزاد، لكنه لا يكتفي بمحاكاتها. وبدلاً من استنساخ صور "الأنوثة المتألمة" المعهودة، تعمل الشاعرة على تفكيك هذا الموروث عبر تبني أسلوب يقترب من "الفينومينولوجيا الشخصية"؛ إذ يتحول النص من مجرد توصيف خارجي للحزن إلى عملية تحليل وجودي للذات من الداخل. هذا التموضع يمنح الديوان صوته المستقل، حيث لا تُقدّم الشاعرة شكواها كحالة عاطفية معزولة، بل كاستكشاف واعٍ لهشاشة الوجود في مواجهة الفقد.
أيديولوجياً، ينخرط الديوان في "خطاب المقاومة الصامتة"، وهي استراتيجية تعتمد على إمرار الهم العام عبر ثقوب التجربة الفردية دون السقوط في فخ المباشرة الخطابية. فعلى الرغم من أن بعض النصوص تستحضر بوضوح السياق السياسي المصري المحتقن عقب انتخابات يونيو 2012، كما يظهر في خاتمة نص «حدث» (الذي يحمل عنوان "حدس" في فهرس الديوان)، إلا أن الشاعرة تختار تحويل هذا الوقع السياسي إلى صورٍ شعورية للضياع والبحث عن أرضٍ صلبة. إن هذا الاختيار يُجرد السياسي من طابعه الزمني العابر ليمنحه بُعداً وجودياً أعمق، حيث يغدو البحث عن "المعنى" في خضم الانهيارات الجماعية هو المحرك الأيديولوجي الخفي للنص.
بهذه الطريقة، تكتسب سلطة النص في هذا الديوان مشروعيتها من رفضها الانتماء الأحادي لأي من الخطابات السائدة، سواء كان خطاباً قومياً غنائياً أو خطاباً ذاتياً محضاً. إن الشاعرة تُمارس سلطتها عبر "مراوغة" التوقعات الأيديولوجية للقارئ، إذ تظل دائماً على مسافة من الحدث السياسي، تحرسه بالاستعارة والترميز، وتجعل من التجربة الإنسانية الفردية — بكل انكساراتها وتفاصيلها المتقطعة — هي المعيار الوحيد للحقيقة. هذا التموضع الخطابي هو ما يُجنب الديوان الوقوع في التقريرية، ويجعله — في جوهره — نصاً سياسياً بامتياز، لا بلسان الشعارات، بل بلسان الألم والوعي الجارح.

إعادة إنتاج الأيديولوجيا وتفكيكها
على صعيد إعادة الإنتاج الأيديولوجي، يُحافظ الديوان على استمرارية "مركزية الأنثى الجريحة" بوصفها صوتاً شعرياً ذا مشروعية تاريخية وجمالية؛ فهو يستثمر الإرث الثقافي الذي يربط بين الذات الأنثوية والقدرة على التعبير عن الألم. ومع ذلك، لا يكتفي النص بإعادة إنتاج ثنائية "الضعف والقوة" الجنسية التقليدية، بل يشتغل على تعقيدها وتفكيك قوالبها الجامدة. فالشاعرة لا تقف عند حدود "البكاء" الأنثوي المكرور، بل تُحول هذا الجرح إلى نقطة انطلاق للمساءلة والاحتجاج، مما ينقل الذات من خانة "المفعول به" الذي يتلقى الألم، إلى خانة "الذات الفاعلة" التي تُشخص خلل العلاقة مع الآخر والسلطة.
في المقابل، يمارس الديوان عملية تفكيك جريئة لأفق التوقعات، خاصة تجاه "رومانسية الفقدان" التي طالما غلّفت القصيدة الأنثوية. ففي قصيدة «قوية كالموت ؟!»، تُسقط الشاعرة هيبة الحب المجرّد حين تضعه في مواجهة صريحة مع السؤال المادي والقسوة اليومية، متسائلةً: «من يدفع الفاتورة عند الله..». هذا التساؤل يمثل تفكيكاً للخطاب الرومانسي من الداخل، إذ يكشف عن التناقض بين عظمة العاطفة وبين تفاهة التفاصيل المادية التي تلتهم هذا الحب، مما يجعل الديوان نصاً واقعياً بامتياز يرفض المثالية الفارغة.
أما على مستوى الخطاب الوطني، فإن الشاعرة تُفكك «خطاب الوطن الكبير» عبر استراتيجية التجزئة، حيث ترفض الغنائية الوطنية المباشرة التي تغفل عن وجع الفرد. ففي قصيدة «حدس»، يجري تقطيع صورة الوطن وإعادة تركيبها من زاوية الخسارة الفردية والضياع، معتبرةً أن الكوابيس اليومية والأنفاق الملتوية هي الحقيقة الأصدق عن الوطن من الشعارات الكبرى. من خلال هذا التوجه، لا تُعد الشاعرة الوطن كياناً هلامياً مقدساً، بل مساحة تعيش فيها الذات أزماتها الخاصة، وبذلك تُقدم رؤية وطنية مغايرة، تقوم على ركام الخسارات الفردية بدلاً من أنقاض الانتصارات المتخيلة.

المتلقي الضمني والذات الشاعرة
تتجاوز الذات الشاعرة في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» الأحادية، لتتشكل في ثلاثة أنماط تعبيرية تتبادل الأدوار لترسم خريطة الأزمة. النمط الأول هو «الذات الراصدة»، التي تتبدى بوضوح في قسم «بورتريهات»، حيث تخرج الشاعرة من دور المتحدث المنفعل إلى دور المراقب الذي يضع نفسه موضوعاً للرصد، تماماً كما في قصيدة «لا شيء معه» أو «فيروز». أما النمط الثاني فهو «الذات المخاطِبة»، التي تتجه بخطابها نحو غائبٍ مأزوم بضمير المخاطب، مما يخلق حواريةً مع طيفٍ يمتلك حضوراً وجدانياً رغم غيابه الفعلي. والنمط الثالث — وهو الأكثر توغلاً في العمق — هو «الذات المُناجِية»، حيث تخاطب الشاعرة نفسها في مرايا النص، محولةً القصيدة إلى مساحةٍ للمساءلة الذاتية الجوهرية.

على الطرف الآخر، يبرز المتلقي الضمني بوصفه عنصراً فاعلاً في بنية الديوان، وليس مجرد قارئ سلبي يتلقى المعنى جاهزاً. فالنص يستحضر «متلقياً مُشاركاً» في تجربة الفقد، وهو نوعٌ من القارئ الذي يتوجه إليه الخطاب بإشاراتٍ مضمرة، وكأن هناك "تواطؤاً وجدانياً" بين الشاعرة وهذا الغائب الذي يعرف طبيعة الجرح دون الحاجة إلى تسميته. هذا التواطؤ يضفي على النصوص طابعاً حميمياً، يجعل من الفقد تجربةً مشتركة تتجاوز حدود النص المكتوب إلى ذاكرة المتلقي الشخصية.

أما «القارئ العام»، فهو النمط الثاني من المتلقين الذي تُدعوه الشاعرة إلى مهمةٍ شاقة تتمثل في «إعادة تجميع المعنى». فالديوان لا يقدم خلاصاتٍ نهائية أو إجاباتٍ جاهزة، بل يوزع شظايا المعنى على امتداد القصائد، ويترك للقارئ مسؤولية لمّ هذه الشظايا وإعادة بناء الصورة الكلية للتجربة. ومن هنا، تتحول القراءة في هذا الديوان إلى عملية "بناءٍ مشترك"، حيث ترفض الشاعرة تسليم المعنى دفعة واحدة، وتُصر على إبقائه موزعاً ومشرذماً، لتجعل من فعل القراءة ذاته موازياً لفعل المقاومة؛ إذ يتطلب كل منهما صبراً وتأملاً في تفاصيل الفقد

ما وراء النص: التأويلات الوجودية وتضاريس الذات
لا تكتمل القراءة النقدية لديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» بالوقوف عند مستويات البناء اللغوي والخطابي فحسب، بل تستوجب الغوص في طبقاته الخفية لاستنطاق "المسكوت عنه" الذي يمنح القصيدة أبعادها الوجودية والعميقة. إن هذا المحور يسعى إلى تجاوز ظاهر النص لاستجلاء المرجعيات الفلسفية والنفسية التي تُدير حركة الذات الشاعرة في مواجهة ثقل الذاكرة، وقسوة الزمن، وضغوط السياق الثقافي. فبينما يغلف الصمتُ تجاربَ الجسد والغضب والسياسة، تبرز الرؤية الفلسفية للشاعرة كأداةٍ لفهم "حالة الاستمرار" في ظل تمزق الهوية وانقسام الذات، مما يجعل من الديوان لا مجرد عملٍ أدبي، بل وثيقةً وجوديةً حية تترجم "الوزن الزائد" من المعاني إلى تجربة إنسانية كونية تتجاوز خصوصية اللحظة ومحدودية المكان.

استنطاق المسكوت عنه
يُشكل "المسكوت عنه" في ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» بنية موازية للمنطوق، حيث يعمل النص عبر استراتيجية الإضمار التي تمنح القصائد عمقاً إيحائياً يتجاوز حدود الكلمات. يبرز «الجسد الأنثوي» كأحد أبرز هذه المساحات المحجوبة؛ فهو حاضرٌ بقوة كإحساسٍ داخلي عبر مفردات النبض، والمرض، والدم، ولكنه يظل غائباً كموضوع صريح للبوح. إن هذا التحاشي للصراحة التامة لا يعد ضعفاً إبداعياً، بل هو انعكاسٌ دال لسياق ثقافي محافظ يفرض رقابةً ضمنية حتى على فضاء الكتابة الحرّة، مما يحوّل "الكبت النصي" إلى علامةٍ أسلوبية تترجم ضغوط الهوية والجسد في البيئة العربية.
ويتجلى «الغضب المقيد» بوصفه طاقة محبوسة تمنح الديوان توتراً درامياً يتفوق في تأثيره على الصراخ المباشر. ففي نصوص مثل «كُل اكتفيت» و«عصام»، نلحظ اقتراب الذات الشاعرة من لحظة الانفجار، إلا أنها سرعان ما تُعيد توجيه هذا الغضب ليتحول إلى مرارةٍ هادئة في اللحظة الأخيرة. هذا "الكبت الجمالي" ليس تراجعاً عن الموقف، بل هو اختيار فني يرفض السقوط في المباشرة، ويستبدل الصخب الوجداني بتوترٍ خفي يجعل القارئ يستشعر حجم الانهيار الداخلي دون أن يراه بشكلٍ فج.
أما في استحضار «العلاقة بالأب» والسياق السياسي، فإن الديوان يمارس نوعاً من "التعمية الواعية"؛ إذ تبرز قصيدة «عصام» كاستثناءٍ نادر يكشف ملامح العلاقة بالسلطة الأبوية التي تتأرجح بين الحنين الجارف والخسارة الموجعة، بعيداً عن صراعات المواجهة المباشرة. وبالمثل، يختبئ «السياق السياسي» خلف أقنعة الذات، فبعد أن يطل صراحةً في إشارة إلى يونيو 2012، يتوارى خلف صور الضياع الفردي في سائر النصوص. إن الشاعرة، من خلال ترجمة الصدمة الجماعية إلى لغة ذاتية، تؤكد أن السياسة في نصوصها ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي "جرحٌ شخصي" تعيشه الذات وتصيغه في قوالب الحيرة والبحث عن أرضٍ صلبة.

الدلالة الفلسفية والنفسية العميقة
يُعد عنوان الديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» بمثابة عتبة فلسفية تحمل في طياتها معضلة وجودية ذات صبغة كيركيغاردية، حيث يواجه الإنسان ذلك "الفائض" من الألم والذاكرة الذي يفوق طاقة الوجود على احتماله، ومع ذلك لا يجد سبيلاً لمحو هذا العبء أو إزالته. إن الديوان في جوهره تأمّلٌ عميق في ظاهرة "الاستمرار رغم الثقل"، وهو ما يُقارب في علم النفس مفاهيم الصمود النفسي (Resilience)؛ غير أن الشاعرة تبتعد عن تقديم هذا الصمود بوصفه إنجازاً بطولياً أو انتصاراً ناجزاً، بل تطرحه كـ "سؤالٍ معلق" لا يجد إجابةً في واقعٍ يثقل كاهل الذات بتبعاته التي لا تنتهي.
وعلى صعيد تشكّل الوعي بالزمن، يتقاطع الديوان بشكلٍ وثيق مع فلسفة هنري برغسون حول «الديمومة» (Durée)، حيث لا يُنظر إلى الزمن كخطٍّ متتابع من الأحداث المنفصلة، بل كتدفقٍ حي يتداخل فيه الماضي مع الحاضر في نسيجٍ واحد. وفي هذا السياق، لا تُعد الذاكرة في نصوص هبة عصام مجرد مخزنٍ للأرشيف أو استعادةٍ للحظات غابرة، بل هي "جرحٌ مفتوح" يستحضر أوجاعه ليعيد إنتاج نفسه في كل لحظة إبداعية، مما يجعل من الكتابة فعلَ مواجهةٍ مستمرة مع زمنٍ يأبى الانقضاء أو التجاوز.
أما على المستوى السيكولوجي، فإن الذات الشاعرة تعاني من تمزقٍ هوياتي يشي بما وصفه جاك لاكان بـ «انقسام الذات» (Split Subject)؛ إذ تفتقد الذات في الديوان تلك الوحدة الداخلية المتماسكة. فبدلاً من أن تكون الأنا كياناً متصلاً، نجد الشاعرة تعاين نفسها من مواقع متعددة ومتناقضة في آنٍ واحد، وكأنها تراقب انكساراتها من خارج ذاتها ومن داخلها في الوقت نفسه. إن هذا الانقسام هو الذي يمنح النصوص طابعها التعددي، حيث تعكس القصائد حالةً من التشظي الوجودي الذي تحاول فيه الذات — دون جدوى كاملة — أن تجد رابطاً يلم شتات هويتها المبعثرة في فضاءات الفقد.

التركيب النقدي: في شعرية المقاومة الصامتة وشهادة الألم
يمكن القول إن ديوان «ما يبقى من الوزن الزائد» لهبة عصام يمثل تجربةً فريدة في «شعرية المقاومة الصامتة»، حيث يتجاوز النص كونه مجرد مرثية أو بكاءً ذاتياً ليتحول إلى فعل إرادي لمواجهة الفقد. فعلى المستوى البنيوي، تُنجح الشاعرة في تأسيس شبكة معقدة من الثنائيات المتوترة التي ترفض الحلول التوفيقية، إذ تكمن جمالية الديوان في ذلك "التعليق" المستمر للمعنى بين قطبين لا يلتقيان؛ فالحضور والغياب، والأمل والخيبة، والداخل والخارج، يظلون في حالة اشتباك دائم، مما يمنع النص من الانغلاق ويجعل من حالة "البين-بينية" هي الفضاء الوجودي الذي تسكنه القصيدة.
وعلى المستوى الألسني والأسلوبي، تكشف قراءتنا أن الشاعرة قد طورت لغة شعرية لا تهدف إلى "تجميل" الواقع بقدر ما تهدف إلى محاكاته في تشظيه. إن الاعتماد على التقطيع السطري، والجمل الاسمية المعلّقة، والانزياحات الدلالية، ليس مجرد خيار فني، بل هو تجسيد لأزمة الوجود التي لا تقبل الكمال؛ فاللغة هنا تتحول إلى "موضوع للأزمة" بحد ذاتها، حيث تدرك الشاعرة أن الكلمات محاولةٌ هشة للإمساك بالحقيقة، وهي محاولةٌ تعلم مسبقاً أنها لن تكفي، مما يمنح النص نبرةً صادقة ومنكسرة في آنٍ واحد.
وفي سياق تحليل الخطاب، يتجلى تفرد الديوان في قدرته على التموضع في منطقة التوتر بين الخاص والعام، وبين الأنثوي والإنساني، وبين الفردي والسياسي، رافضاً الانتماء الأحادي لأي خطابٍ مهيمن. إن هذا "الرفض للانتماء" هو المحرك الأساسي لبعده النقدي، إذ لا تُمارس الشاعرة دورها كصوتٍ أنثوي نمطي يغرق في ذاتيته، بل كذاتٍ واعية تُخضع الأيديولوجيات السائدة للمساءلة عبر مراوغتها بالترميز والبعد عن المباشرة، مما يجعل نصوصها وثيقةً سياسية وإنسانية لا تعتمد على الشعارات بل على وعيٍ جارح باللحظة.
ختاماً، يمكن وسم هذا العمل بما نسميه «شعرية العبء»؛ وهي رؤية إبداعية تؤمن بأن الثقل الوجودي لا يُكتب بغرض التخلص منه أو تجاوزه، بل ليظل شاهداً على وقوعه. إن هبة عصام في هذا الديوان لا تلعب دور الشاعرة التي تشكو، بل دور "الشاعرة الشاهدة" التي تُشهِد اللغة على لحظةٍ قاومت الاندثار، وتُشهِد القارئ على عبءٍ لم تطلب منه أن يحمله عنها، بل اكتفت بأن تجعله يدرك وجوده. بهذا، يتحول الديوان من مجرد نصوصٍ ورقية إلى فضاءٍ للذاكرة، حيث تصبح الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لمنع الصمت والنسيان من ابتلاع التجربة الإنسانية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...