"يكتب: فعل لازم" (Ecrire: verbe intransitif) هي واحدة من أشهر المقولات اللغوية والفلسفية للناقد والمفكر الفرنسي "رولان بارت" (Roland Barthes). للوهلة الأولى، قد تبدو العبارة مجرد درس في النحو، لكن بارت قلب بها موازين النقد الأدبي وفلسفة الكتابة في القرن العشرين.
في النحو العربي والفرنسي على حد سواء، ينقسم الفعل إلى قسمين:
فعل متعدٍّ (Transitif): يحتاج إلى مفعول به ليتم معناه (مثل: كتبَ الكاتبُ روايةً).
فعل لازم (Intransitif): يكتفي بفاعله ولا يحتاج لمفعول به ليتضح معناه (مثل: "جلسَ" الرجلُ، أو "نامَ" الطفلُ، "تحرك" الحجر أو الشجر، "طلَعت" الشمس أو "غرَبت" الشمس).
عندما يقول رولان بارت إن "يكتب" أصبح فعلاً لازمًا، فهو لا يخرج عن المألوف أو المعروف أو يضع قاعدة نحوية جديدة، بل يصف "تحولاً جذريًا في مفهوم الكتابة والأدب" في العصر الحديث.
في الأدب الكلاسيكي والتقليدي، كانت الكتابة دائمًا "فعلاً متعديًا". كان الكاتب يكتب شيئًا ما: يكتب قصة، ينقل رسالة، يعبر عن فكرة، أو يصف الواقع. هنا، كانت الكتابة مجرد "أداة" أو "وسيلة" لغاية أبعد منها (المفعول به).
أما في الثورة الأدبية التي أحدثها بارت، فقد تحولت الكتابة إلى "فعل لازم". الكاتب الحديث لا يكتب "شيئًا"، بل هو "يكتب" وكفى. تصبح الكتابة هي الغاية والفاعل والمفعول به في آن واحد. الفعل يرتد على صاحبه وعلى نفسه، تمامًا كما نقول "يغرد الطائر"؛ فالتغريد هو وجود الطائر نفسه، وليس أداة لتحقيق شيء آخر.
ترتبط هذه المقولة ارتباطًا وثيقًا بنظرية بارت الشهيرة "موت المؤلف".
في الكتابة المتعدية يكون المؤلف هو "السيّد" الذي يملك المعنى الخارجي ويسكبه في النص.
أما في الكتابة اللازمة، فبمجرد أن يبدأ الكاتب في الكتابة، يختفي خلف الكلمات. تصبح اللغة هي التي تتكلم وليس الكاتب كشخصية تاريخية أو ذاتية. الكاتب هنا لا "يملك" النص، بل يصبح مجرد ساحة تتفاعل فيها اللغة.
الكتابة هي ذلك الفضاء الذي يغيب فيه كل تحديد، وتضيع فيه كل هوية، بدءًا من هوية الجسد الذي يكتب. وفق رأي رولان بارت.
عندما تكون الكتابة فعلاً لازمًا، فإنها لا تنتهي بانتهاء الكتاب أو الرواية. الفعل اللازم يعبر عن "حالة مستمرة ومتواصلة".
إنها تحرير للغة من وظيفتها النفعية (نقل المعلومات) إلى وظيفتها الجمالية والوجودية. الكلمة لم تعد مجرد "نافذة" نطل منها على الواقع، بل أصبحت "مرآة" تتأمل ذاتها.
وبناءً على ذلك، يتغير دور القارئ أيضًا؛ ففي الفعل اللازم لا توجد رسالة جاهزة ليتلقاها القارئ خاملًا، بل يصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، يكتب النص بدوره أثناء قراءته.
إن مقولة "يكتب: فعل لازم" هي صرخة ثورة ضد جمود الأدب وقولبته بطرق سطحية أو تحويله إلى مجرد أداة لخدمة الأيديولوجيا أو التاريخ. أراد رولان بارت أن يعيد للكتابة كرامتها واستقلاليتها؛ فالكتابة الحديثة عنده ليست وسيلة لقول شيء ما، بل هي "طريقة لإثبات الذات والوجود في العالم من خلال اللغة". الكاتب لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب.
تحية للأستاذ الدكتور محمد عبدالله الخولي الذي أوعز إليّ لقراءة هذا الموضوع المهم للغاية
في النحو العربي والفرنسي على حد سواء، ينقسم الفعل إلى قسمين:
فعل متعدٍّ (Transitif): يحتاج إلى مفعول به ليتم معناه (مثل: كتبَ الكاتبُ روايةً).
فعل لازم (Intransitif): يكتفي بفاعله ولا يحتاج لمفعول به ليتضح معناه (مثل: "جلسَ" الرجلُ، أو "نامَ" الطفلُ، "تحرك" الحجر أو الشجر، "طلَعت" الشمس أو "غرَبت" الشمس).
عندما يقول رولان بارت إن "يكتب" أصبح فعلاً لازمًا، فهو لا يخرج عن المألوف أو المعروف أو يضع قاعدة نحوية جديدة، بل يصف "تحولاً جذريًا في مفهوم الكتابة والأدب" في العصر الحديث.
في الأدب الكلاسيكي والتقليدي، كانت الكتابة دائمًا "فعلاً متعديًا". كان الكاتب يكتب شيئًا ما: يكتب قصة، ينقل رسالة، يعبر عن فكرة، أو يصف الواقع. هنا، كانت الكتابة مجرد "أداة" أو "وسيلة" لغاية أبعد منها (المفعول به).
أما في الثورة الأدبية التي أحدثها بارت، فقد تحولت الكتابة إلى "فعل لازم". الكاتب الحديث لا يكتب "شيئًا"، بل هو "يكتب" وكفى. تصبح الكتابة هي الغاية والفاعل والمفعول به في آن واحد. الفعل يرتد على صاحبه وعلى نفسه، تمامًا كما نقول "يغرد الطائر"؛ فالتغريد هو وجود الطائر نفسه، وليس أداة لتحقيق شيء آخر.
ترتبط هذه المقولة ارتباطًا وثيقًا بنظرية بارت الشهيرة "موت المؤلف".
في الكتابة المتعدية يكون المؤلف هو "السيّد" الذي يملك المعنى الخارجي ويسكبه في النص.
أما في الكتابة اللازمة، فبمجرد أن يبدأ الكاتب في الكتابة، يختفي خلف الكلمات. تصبح اللغة هي التي تتكلم وليس الكاتب كشخصية تاريخية أو ذاتية. الكاتب هنا لا "يملك" النص، بل يصبح مجرد ساحة تتفاعل فيها اللغة.
الكتابة هي ذلك الفضاء الذي يغيب فيه كل تحديد، وتضيع فيه كل هوية، بدءًا من هوية الجسد الذي يكتب. وفق رأي رولان بارت.
عندما تكون الكتابة فعلاً لازمًا، فإنها لا تنتهي بانتهاء الكتاب أو الرواية. الفعل اللازم يعبر عن "حالة مستمرة ومتواصلة".
إنها تحرير للغة من وظيفتها النفعية (نقل المعلومات) إلى وظيفتها الجمالية والوجودية. الكلمة لم تعد مجرد "نافذة" نطل منها على الواقع، بل أصبحت "مرآة" تتأمل ذاتها.
وبناءً على ذلك، يتغير دور القارئ أيضًا؛ ففي الفعل اللازم لا توجد رسالة جاهزة ليتلقاها القارئ خاملًا، بل يصبح القارئ شريكًا في إنتاج المعنى، يكتب النص بدوره أثناء قراءته.
إن مقولة "يكتب: فعل لازم" هي صرخة ثورة ضد جمود الأدب وقولبته بطرق سطحية أو تحويله إلى مجرد أداة لخدمة الأيديولوجيا أو التاريخ. أراد رولان بارت أن يعيد للكتابة كرامتها واستقلاليتها؛ فالكتابة الحديثة عنده ليست وسيلة لقول شيء ما، بل هي "طريقة لإثبات الذات والوجود في العالم من خلال اللغة". الكاتب لا يكتب ليعيش، بل يعيش ليكتب.
تحية للأستاذ الدكتور محمد عبدالله الخولي الذي أوعز إليّ لقراءة هذا الموضوع المهم للغاية