عبدالمنعم الهراق - بائع كتب... رجل يبحث عن طمأنينة زوجته..

جاء من أقصى المدينة، وقد أثقل الحر خطاه ، كان العرق يتصبب من جبينه، ويلتصق اللباس الخشن بجسده المتعب، لكنه لم يكن يبدو منشغلا بنفسه بقدر اهتمامه بأمر آخر يحمله في قلبه.
تقدم نحوي وسأل عن كتاب في تفسير الأحلام.
قلت له مبتسما : أتريده لابن سيرين أم لفرويد؟
توقف لوهلة، واتسعت عيناه دهشة، كأنني وضعت أمامه طريقين لم يكن يعلم بوجودهما، راح ينظر إليّ، ثم إلى هاتفه، ثم عاد ينظر إليّ من جديد ، أخرج الهاتف واتصل بزوجته، لكن لا جواب.
قال معتذرا : لا أعرف ، هو كتاب مشهور ، بحثت عنه في عدة مكتبات ولم أظفر به .
سألته : هل يفسر الأحلام بالطريقة الإسلامية؟
فأشرق وجهه بشيء من اليقين وقال : نعم، هو ذاك ، ثم سكت قليلا ، قبل أن يضيف بصوت خافت: زوجتي تأتيها أحلام مفزعة ومرعبة ، تستيقظ أحيانا خائفة، وتظل تفكر فيها طوال اليوم ، قالت لي إنها تريد كتابا يفسر لها ما ترى، فجئت أبحث عنه ، إننى أسعى من أجل تحقيق راحتها .
عندها لم أعد أرى رجلا يبحث عن كتاب ، رأيت زوجا يحمل قلق امرأةٍ يحبها، ويجوب المدينة تحت الشمس من أجل أن يعثر على صفحات يظن أنها ستمنحها بعض السكينة.
كم هي غريبة حكايات الكتب!
فبينما يطلبها بعض الناس للمعرفة، ويقتنيها آخرون للتسلية، هناك من يبحث عنها كما ينقب العطشان عن الماء؛ لا لشيء إلا لأن قلبا عزيزا عليه ينتظر عند آخر النهار شيئا من الطمأنينة.
غادر الرجل المكتبة بعد ذلك، وما بقي في ذهني اسم الكتاب الذي كان يفتش عنه، ومكث معه ذلك المعنى الجميل: أن الحب أحيانا لا يظهر في الهدايا الكبيرة ولا في الكلمات المنمقة، لكن في رجل متعب جاء من أقصى المدينة، يتصبب عرقا، باحثا بين رفوف الكتب عن راحة زوجته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...