كاظم حسن سعيد - أركيولوجيا الفناء: تحولات "المكان المهجور" في أدب كاظم حسن سعيد

تشكل "البيوت المهجورة" في الأدب الإنساني بؤرة استقطاب وجودية، حيث لا يعود المكان مجرد جدران خالية، بل يتحول إلى مرآة تعكس فناء الإنسان وصراعه الوجودي مع الزمن. في هذه القراءة، نتتبع ثلاثية نصية للأديب والصحفي العراقي كاظم حسن سعيد، تمتد على مدى سبعة وعشرين عاماً (١٩٩٩ - ٢٠٢٥ - ٢٠٢٦). وعبر هذا البرزخ الزمني الممتد، نكتشف كيف تحول "البيت" في وعي الكاتب من فضاء محلي دافئ ومثقل بالغياب الاضطراري، إلى وثيقة طبقية وتراثية، لينتهي في محطته الأحدث كلوحة سينمائية كونية ومقبرية تعلن انتصار التراب.
١. نص ١٩٩٩ (بيت مهجور): الوجع المحتدم ورائحة التاريخ الطازج
يبدأ النص الأول بجملة مفتاحية باهرة: "هذا الباب العتيق الذي رغم الهرم... يخلد النجارين". هنا نلمس الروح الشرقية والمحلية بامتياز؛ فالأشياء التي تركها السكّان ما زالت تنبض بـ "البركة" والقداسة والدفء اليومي: (الأقداح تنتظر الشاي، السدرة تنتظر السقي، بقايا مصحف، خط كوفي، صرة العجوز، هاون نحاسي تفوح منه رائحة الشب والقهوة والقرنفل).
الزمن المباغت والحضور الإنساني: الزمن في نص ١٩٩٩ زمن قاطع ومفاجئ، كأن أهله غادروه قبل دقائق؛ "أردية لصبي لم تجف"، "فم لرضيع يتحجر على الثدي الموشوم". هذا التحجر الطازج يفسره الكاتب بعبارة خاطفة ومحملة بعبء الحقبة التاريخية التسعينية في العراق: "رائحة بارود".
الذات الشاعرة: يتحرك الكاتب هنا بجسده وحواسه داخل المشهد؛ هو مَن يتدخل ويدخل ويسمع: "أدخله..."، "في السقوف تناديني رسائل الغرام". النص هنا عبارة عن قصيدة حنين حارة تبكي رحيلاً اضطرارياً لعائلة تشبهنا، عائلة نبتت من طين الأرض وصخب الممرات.
٢. نص ٢٠٢٥ (بيت الأثرياء): الوعي الطبقي والمشهد التراثي الممسرح
بعد ربع قرن، يعود الكاتب ليتناول ذات الثيمة، لكنه ينقل عدسته نحو زاوية أخرى تماماً: سقوط الطبقة الأرستقراطية والتحول المعماري للمدينة.
المفارقة الطبقية والسوسيولوجية: يتوزع النص على ضفتين يفصلهما نهر؛ الضفة الأولى فيها بيت الأثرياء الطابوقي التراثي الذي نجا هندسياً، وفي الجهة الثانية كانت أسر بيوت الصفيح والقصب التي أزيلت وزادها على الحصران بـ "شهية افتراسية".
أنسنة الشخوص وتجميد الحكاية: على العكس من النصين الآخرين، يحتفظ نص ٢٠٢٥ بـ "ملامح بشرية واثقة"؛ الفتى الأنيق، عجلته الكحلية، والشقراء فائقة الجمال التي تجتاز الجسر بكبرياء صامت. الحكاية هنا حكاية عاطفية ممسرحة تقع على إسفلت المدينة المتغيرة، حيث بات البيت "شيخاً متهالكاً بين صبية يحثهم الحماس" (البنايات الشاهقة والمحال المضاءة)، ليتحول المكان إلى "طلل تراثي" مكانه أطلس البيوت القديمة وذاكرة المسنين.
٣. نص ٢٠٢٦ (بيت الأثرياء المنسي في مزرعة): ذروة التجريد السينمائي و"الشوسية" الوجودية
في هذا النص الأحدث (يونيو ٢٠٢٦)، يصل الكاتب إلى ذروة نضجه الأسلوبي والفلسفي من خلال ما يُعرف في النقد الحديث بـ "الشوسية" (Chosisme) أو أدب الأشياء، مستخدماً تكنيكاً سينمائياً خالصاً.
تلاشي البشر وحلول البدائل: يختفي الإنسان تماماً من المشهد، وتتنحى "الذات الشاعرة" لتترك القيادة لـ "الكاميرا التي تدخل بحذر" وتستكشف المكان. والمثير جداً هو كيف قام الكاتب بـ "تقطير" شخوص نص ٢٠٢٥ وتحويلهم هنا إلى جمادات منتحبة؛ فالفتى الأنيق ذاب ولم يتبقَ منه سوى "حذاؤه اللامع ورباطه الأنيق ممرغين على التراب المتعفن، وبدلته البنية تنتحب"، والشقراء الجميلة تحولت إلى "أدوات تجميل تستعمرها الأرضة والصمت" أسفل المرايا.
إزاحة الجغرافيا وتعميق العزلة: أخرج الكاتب البيت من ضوضاء المدينة ونهرها وجسرها (في نص ٢٠٢٥) ووضعه في "مزرعة" معزولة؛ ليتفرغ النص بالكامل لرصد طقوس الفناء.
البعد الأركيولوجي والتاريخي الكوني: يدخل النص في عمق الفلسفة التاريخية السياسية المعقدة؛ الأجهزة تقاعدت "منذ قرن" (في إشارة ذكية للتلفاز الميكانيكي التجريبي المرتبط بالمذياع في عشرينيات القرن الماضي)، والمجلات وسمت بـ "صلبان معقوفة" تحيل إلى النازية والفاشية وبائدات الأيديولوجيا، بينما تحول سرداب النبيذ الباذخ والرفيع إلى رفوف للمخللات والضفادع والأفاعي التي تتحرك بفعل ضوء الكاميرا الطارئ.
٤. دراسة مقارنة: حركة الأدوات الفنية عبر الزمن

نستعرض هنا تفكيكاً ومقارنة للمفاصل الفنية الأساسية التي تحركت عبرها النصوص الثلاثة، لرصد كيف تطورت أدواتك الإبداعية من عام 1999 إلى 2026:
أولاً: هوية المكان وتطوره الفلسفي
في محطة 1999 (البيت الشعبي): المكان ذو هوية محلية، شرقية، مفعمة بالروحانيات والبركة اليومية البسيطة، وهو ما تجسد في حضور المصحف، السدرة، والقهوة.
في محطة 2025 (البيت التراثي): ينتقل المكان ليعكس أبعاداً طبقية ومدينية؛ حيث يبرز كمعلم تراثي مبني من الطابوق، يقاوم زحف البنايات الشاهقة.
في محطة 2026 (البيت المقبري): يتحول المكان إلى فضاء كوني، معزول، وفلسفي خالص؛ إذ أزيحت المدينة ليصبح البيت في "مزرعة" نائية، ويتحول إلى مسرح لصراع الأفاعي والصلبان المعقوفة وهندسة الفراغ.
ثانياً: الوسيط الرائي (عين النص)
في محطة 1999: الوسيط هو "الذات الشاعرة المباشرة"؛ فالكاتب حاضر بجسده وحواسه داخل المشهد، وهو مَن يدخل ويسمع النداء (أدخله، تناديني).
في محطة 2025: الوسيط هو "السارد الموثق"؛ عين الكاتب هنا تعمل كمراقب اجتماعي يسجل التحولات المعمارية وقصص العشاق على إسفلت المدينة.
في محطة 2026: الوسيط هو "الكاميرا السينمائية المحايدة"؛ تتنحى الذات الإنسانية تماماً لتترك القيادة لعين آلية باردة تدخل بحذر وتهبط إلى السرداب لتوثيق الفناء.
ثالثاً: تحولات العنصر البشري
في محطة 1999: العنصر البشري غائب للتو؛ فالغياب طازج وساخن تتركه الأردية التي لم تجف، وفم الرضيع المتحجر.
في محطة 2025: العنصر البشري حاضر، حي، ويتحرك بثقة ووضوح؛ متمثلاً في حركة الفتى الأنيق على عجلته الكحلية، والشقراء فائقة الجمال.
في محطة 2026: العنصر البشري متلاشٍ تماماً؛ وتمت استعاضته بـ "الشوسية" أو بدائل الجماد، حيث تحول البشر إلى مخلفات (البدلة البنية المنتحبة، وأدوات التجميل التي تستعمرها الأرضة).
رابعاً: حركة الزمن وسلطته
في محطة 1999: الزمن متوقف فجأة ومباغت بفعل ظرف قاهر وطارئ تشير إليه (رائحة البارود).
في محطة 2025: الزمن تاريخي، تراثي، يصارع التحديث المعماري والحداثة التي تحيط بالبيت من كل جانب.
في محطة 2026: الزمن حاسم وممعن في الأفول والعدم؛ زمن طويل ممتد ومقطوع عن الحاضر (تقاعدا منذ قرن).
خامساً: مصير "السر" في المكان
في محطة 1999: يظل السر مغلقاً ومجهولاً: (الظلام وحده يعرف السر لكنه لا يجيب).
في محطة 2025: السر محفوظ في ذاكرة الراحلين: (أناس احتفظوا بأسرارهم للأبد).
في محطة 2026: ينفتح السر على العدم والأسئلة الوجودية الكبرى: (أتقنت هندسة الفراغ.. أية سعادة نحرت؟!!).

.....

بيت مهجور ‏)
هذا الباب
هذا الباب العتيق الذي رغم الهرم ... يخلد النجارين
ادخله ...
هنا بقايا احلام لمراهقة نزقة
وهناك اردية لصبي لم تجف
الاقداح تنتظر الشاي والملاعق
المكتبة الزاخرة تشكو من السبات
السدرة المتيبسة , تنتظر السقي ..
الممرات تحن للصخب .
بيوض متحجرة لسلحفاة
بقايا مصحف , وخط كوفي على الجدران
صرة العجوز المحكمة ذات الكنوز
وفم لرضيع يتحجر على الثدي الموشوم
في السقوف تناديني رسائل الغرام
حيث تحتشد الارضة
التراب يستقر على كل شيء
ترى لمن هذا البيت لمن ؟!
هاون نحاسي يتوسط طستا تفوح منه رائحة الشب
والقهوة ةالقرنفل ,
اواني من الفخار وادوات حجرية , رسوم لثيران على الجدران ورائحة بارود ..
لمن ؟!
المرآة وحدها تحتفظ بالتوتر وتكتنز الشفاه الظمأى
والجمال الفريد
الظلام وحده يعرف السر لكنه لا يجيب .
1-1999
........
بيت الاثرياء )
في هذا البيت لن تجد رسائل الهوى هاجمتها الارضة والنمل ومخالب الزمن تحولت لغبار مظلم ساكن ربما كتبوها مثل بعضنا باسلوب بدائي واشعار رائجة بلا فن لكنها شديدة الانتقاء اليهم، اليهن،للمترفين.
البيت الثري الذي نجا من الزوال يلتف في سحابة معتمةبين صف من البنايات الشاهقةوالمحال المزخرفة المضاءة
شيخا متهالكا بين صبية يحثهم الحماس كل عصر يغادره فتى انيق واثق عاشق يجتاز الجسر فيتوقف ويتكيء على عجلته الكحليةيفترس ضجره بحركات شبه ممسرحةفي انتظارها.
..الشقراء فائقة الجمال تجتاز الجسر دون ان تنظر اليه او تظهر ردة فعل جسدية فيمضي جوار دارها يصطاد الطيور ببندقية صيد ،
ممدودا على الاسفلت...منتظرا يوما آخر
.كتبوا على قطعة نحاسية اسم صاحب الدار ،على الباب ، قرب سياج مشبك منخفض،قبل ان تستر البيوت خلف جدران ثقيلة ومئات الاقفال
.كانت مائدتهم طقس متعة.
في الجهة الثانية من النهر تجتمع الاسر زادهم على الحصران وشهيتهم افتراسية.
ازيلت بيوتهم الصفيح والقصب ونجا بيت الطابوق العتيق
شاهدا على جمال هندسي
لا تراه الان الا في اطلس البيوت التراثيةوذاكرة المسنين
طللا لاناس احتفظوا باسرارهم للابد
2025
......

‏( بيت الاثرياء المنسي‏ في مزرعة)

تدخل الكامرا بحذر
يهددها السقف واعمدته الخشبية الساجدة على الارض ,وتبطئ الظلمة و الجرذان والافاعي توغلها..
هنالك مذياع غريب يستقر على تلفاز خشبي ,وقد تقاعدا منذ قرن عن بث الاخبار وعرض الافلام الصامتة.
الاواني والكؤوس على المائدة مضمخة بالتراب جوار شوكات بلاستيكية وحديد واوان خزفية تساقطت ازهارها..
اثار لاقدام صغار عابثين ,ودموع صبايا ,سورت احلامهن على المرآة .
ورسائل عشق ترابية مضمخة بالقلوب.
غرفة ملوكية اخرى تحتفظ برعشة الالتصاق
في الليالي المثلجة
وقد تحتفظ بقناع العواطف
والضجر..
مواعيد انتظار لسفن ذهب في البحار..
وخادمات نسين جمال النوافذ
ولذة الامشاط
اسفل المرايا ادوات التجميل تستعمرها الارضة والصمت..
هنا حذاؤه اللامع ورباطه الانيق ممرغين على التراب المتعفن.
وبدلته البنية معلقة على الجدار
مهيبة تنتحب
وكبرياؤه المتلاشي
وتجهمه الابدي ..
الادراج مباحة اسرارها والمفاتيح صدئة ممدودة على البلاط الصديء....
الحقائب الجلدية مغلقة على اسرارها
الاخشاب متقاطعة او متراكبة اتقنت هندسة الفراغ..متهالكة تنتحب..
ثقيلة وقاسية ..
صورهم يحرثون...يزرعون..بملابس سباحة..صغار باردية مدرسية
مجلدات تنتظر عذرا لتنهار
صلبان على الحائط
اسرة متفسخة تعكس الاناقة
مجلات وسمت بصلبان معقوفة...

تهبط الكاميرا
سرداب لصناعة الخمور
الوان زجاحات فاغرة او مغلقة
وعلى الرف
قناني زجاجية ملئت مخللات
تهرع الضفادع وتتحرك الافاعي بتأثير الضوء
الابواب والشبابيك الخشبية مفتوحة على الشجيرات
عصية على الحركة..
المجلدات طويلا انتظرت الايادي
اية سعادة نحرت؟!!
التكلس والمقبرية تغلف الاشياء...

يونيو ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...