لست من الذين يكتبون بسهولة ضد فنان بسبب جنسيته.
ولست من الذين يعتقدون أن الإبداع يُقاس بجواز السفر.
ولهذا قرأت باهتمام ما كتبه الزميل أمير العمري دفاعاً عن المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد، كما قرأت البيان الذي وقعه أكثر من 350 سينمائياً فرنسياً وأوروبياً احتجاجاً على استبعاده من مهرجان مارسيليا.
كان هناك خيط واحد يجمع كل هذه النصوص.
ناداف لابيد معارض.
ناداف لابيد ينتقد المؤسسة العسكرية.
ناداف لابيد يهاجم الفاشية الإسرائيلية.
ناداف لابيد غادر إسرائيل احتجاجاً على سياسات حكومتها.
ناداف لابيد ليس مسؤولاً عن جرائم نتنياهو.
ثم تأتي الخلاصة:
"لا ينبغي اختزال أي إنسان في جواز سفره."
جملة جميلة.
إنسانية.
وربما يصعب الاختلاف معها.
لكن بينما كنت أقرأ كل هذه المرافعات الطويلة، شعرت أن هناك شخصاً غائباً عن القاعة.
شخصاً لم يُدعَ إلى الشهادة.
شخصاً يجلس خارج إطار الصورة.
الفلسطيني.
الفلسطيني الذي تحضر مأساته في كل سطر، لكنه يغيب عن كل استنتاج.
الفلسطيني الذي لا يظهر إلا بوصفه خلفية للمشهد، بينما يصبح المشهد كله مكرساً للدفاع عن حق الفنان الإسرائيلي في أن يُنظر إليه بوصفه فرداً مستقلاً عن دولته.
وهنا يبدأ السؤال الذي لم أجد له جواباً في أي بيان أو عريضة أو مقال.
إذا كان لا يجوز اختزال ناداف لابيد في جواز سفره الإسرائيلي...
فلماذا جاز للعالم طوال ثمانية وسبعين عاماً أن يختزل الفلسطيني في بطاقة لاجئ؟
في رقم ملف؟
في خيمة؟
في مخيم؟
في معونة غذائية؟
وفي خبر عاجل يظهر على الشاشات ثم يختفي؟
يقول المدافعون عن لابيد إن دعوة فنان إلى مهرجان لا تجعله سفيراً ثقافياً لدولته.
وربما يكون ذلك صحيحاً.
لكن الفلسطيني لا يسأل إن كان ناداف لابيد سفيراً لنتنياهو.
الفلسطيني يسأل سؤالاً أقدم وأعمق.
أين تبدأ الحكاية؟
وأين يقف صاحبها منها؟
فحين يقال لنا إن لابيد يعارض الحكومة الإسرائيلية، يحق لنا أن نسأل:
وماذا عن فلسطين؟
ماذا عن النكبة؟
ماذا عن اللاجئين؟
ماذا عن القرى التي أزيلت من الخرائط؟
ماذا عن البيوت التي خرج منها أصحابها وما زالوا يحملون مفاتيحها حتى اليوم؟
وماذا عن الأرض التي قامت عليها إسرائيل نفسها؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
هذه هي الأسئلة الأصلية.
وكل ما عداها هو هوامش تدور حول المتن.
لا أحد يطلب من ناداف لابيد أن يتحمل مسؤولية كل ما فعلته حكومات إسرائيل.
لكن من حقنا أن نسأل:
هل يكفي نقد نتنياهو كي يصبح الإنسان خارج التاريخ الذي أنتج نتنياهو؟
هل يكفي رفض بعض نتائج الظلم دون مواجهة أصل الظلم نفسه؟
وهنا تكمن المعضلة التي يحاول كثيرون تجاوزها.
فالقضية بالنسبة للفلسطيني ليست حكومة.
وليست انتخابات.
وليست ائتلافاً سياسياً عابراً.
القضية تتعلق ببنية كاملة قامت على اقتلاع شعب وإحلال شعب آخر مكانه.
ولهذا فإن الفلسطيني لا ينظر إلى المسألة من زاوية من يعارض نتنياهو ومن يؤيده.
بل من زاوية أبسط بكثير:
ما موقفك من حقي؟
ما موقفك من أرضي؟
ما موقفك من تاريخي؟
ما موقفك من حريتي؟
ثم جاءت غزة.
وغزة غيّرت كل شيء.
ليس لأنها أضافت فصلاً جديداً إلى الصراع.
بل لأنها نزعت الأقنعة عن الكلمات.
فبينما كان العالم يناقش حرية التعبير، كانت أحياء كاملة تختفي من الخريطة.
وبينما كان يتجادل حول حدود المقاطعة الثقافية، كانت عائلات كاملة تُمحى من السجل المدني.
وبينما كان بعضهم يكتب بيانات التضامن مع فنان إسرائيلي، كانت أم فلسطينية تبحث عن أطفالها تحت الركام.
لهذا لا أستطيع أن أرى ما حدث في مارسيليا بوصفه المأساة الأساسية.
المأساة ليست أن يُمنع مخرج من الجلوس على منصة مهرجان.
المأساة أن شعباً كاملاً ما زال ممنوعاً من الجلوس في بيته.
المأساة ليست في مقعد شاغر داخل لجنة تحكيم.
المأساة في القرى التي أصبحت مقاعدها شاغرة منذ عام 1948.
المأساة ليست في فيلم مُنع من العرض.
المأساة في شعب ما زالت روايته الحقيقية تُمنع من الظهور كاملة على الشاشة.
وربما لهذا السبب لا يتعلق الأمر بناداف لابيد أصلاً.
ولا بمهرجان مارسيليا.
ولا حتى بالسينما.
بل بالسؤال القديم الذي ما زال يطارد هذه الأرض منذ أكثر من قرن:
هل يكفي أن يعارض الإنسان بعض نتائج الظلم كي يتحرر من مسؤوليته تجاه أصل الظلم؟
في السينما، عندما ينتهي الفيلم، تضاء الأنوار.
تظهر أسماء المشاركين.
يغادر الجمهور القاعة.
ويعود الجميع إلى حياتهم.
أما الفلسطيني فلا يملك هذه الرفاهية.
فالفيلم بالنسبة له لم ينتهِ بعد.
اللقطة الأولى ما زالت مفتوحة منذ النكبة.
والمشهد ما زال مستمراً.
والكاميرا ما زالت تدور فوق المخيمات.
وفوق القرى المهدمة.
وفوق مفاتيح البيوت المعلقة على الجدران.
وفوق أطفال غزة الذين كبر بعضهم تحت الحصار، ورحل بعضهم تحت الأنقاض.
ولهذا لا يبحث الفلسطيني عن بطل إسرائيلي جديد.
ولا عن ضمير إسرائيلي جديد.
إنه يبحث عن شيء أبسط وأكثر إنسانية.
عن العدالة.
عن الاعتراف.
عن الحقيقة الكاملة قبل الجوائز.
وقبل المهرجانات.
وقبل لجان التحكيم.
لأن المأساة الكبرى ليست أن يُقصى مخرج من مهرجان.
المأساة الكبرى أن شعباً كاملاً ما زال منذ ثمانية وسبعين عاماً مُقصى من حقه الطبيعي في الوطن.
وحين تعود العدالة إلى أصحابها...
وحين يصبح الإنسان إنساناً قبل هويته وقوميته وقوة السلاح التي تحميه...
عندها فقط يمكن للكاميرا أن تتوقف.
وعندها فقط يمكن لهذا الفيلم الطويل أن يصل إلى نهايته.
أما الآن...
فما زالت فلسطين داخل المشهد.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11 حزيران 2026
ولست من الذين يعتقدون أن الإبداع يُقاس بجواز السفر.
ولهذا قرأت باهتمام ما كتبه الزميل أمير العمري دفاعاً عن المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد، كما قرأت البيان الذي وقعه أكثر من 350 سينمائياً فرنسياً وأوروبياً احتجاجاً على استبعاده من مهرجان مارسيليا.
كان هناك خيط واحد يجمع كل هذه النصوص.
ناداف لابيد معارض.
ناداف لابيد ينتقد المؤسسة العسكرية.
ناداف لابيد يهاجم الفاشية الإسرائيلية.
ناداف لابيد غادر إسرائيل احتجاجاً على سياسات حكومتها.
ناداف لابيد ليس مسؤولاً عن جرائم نتنياهو.
ثم تأتي الخلاصة:
"لا ينبغي اختزال أي إنسان في جواز سفره."
جملة جميلة.
إنسانية.
وربما يصعب الاختلاف معها.
لكن بينما كنت أقرأ كل هذه المرافعات الطويلة، شعرت أن هناك شخصاً غائباً عن القاعة.
شخصاً لم يُدعَ إلى الشهادة.
شخصاً يجلس خارج إطار الصورة.
الفلسطيني.
الفلسطيني الذي تحضر مأساته في كل سطر، لكنه يغيب عن كل استنتاج.
الفلسطيني الذي لا يظهر إلا بوصفه خلفية للمشهد، بينما يصبح المشهد كله مكرساً للدفاع عن حق الفنان الإسرائيلي في أن يُنظر إليه بوصفه فرداً مستقلاً عن دولته.
وهنا يبدأ السؤال الذي لم أجد له جواباً في أي بيان أو عريضة أو مقال.
إذا كان لا يجوز اختزال ناداف لابيد في جواز سفره الإسرائيلي...
فلماذا جاز للعالم طوال ثمانية وسبعين عاماً أن يختزل الفلسطيني في بطاقة لاجئ؟
في رقم ملف؟
في خيمة؟
في مخيم؟
في معونة غذائية؟
وفي خبر عاجل يظهر على الشاشات ثم يختفي؟
يقول المدافعون عن لابيد إن دعوة فنان إلى مهرجان لا تجعله سفيراً ثقافياً لدولته.
وربما يكون ذلك صحيحاً.
لكن الفلسطيني لا يسأل إن كان ناداف لابيد سفيراً لنتنياهو.
الفلسطيني يسأل سؤالاً أقدم وأعمق.
أين تبدأ الحكاية؟
وأين يقف صاحبها منها؟
فحين يقال لنا إن لابيد يعارض الحكومة الإسرائيلية، يحق لنا أن نسأل:
وماذا عن فلسطين؟
ماذا عن النكبة؟
ماذا عن اللاجئين؟
ماذا عن القرى التي أزيلت من الخرائط؟
ماذا عن البيوت التي خرج منها أصحابها وما زالوا يحملون مفاتيحها حتى اليوم؟
وماذا عن الأرض التي قامت عليها إسرائيل نفسها؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
هذه هي الأسئلة الأصلية.
وكل ما عداها هو هوامش تدور حول المتن.
لا أحد يطلب من ناداف لابيد أن يتحمل مسؤولية كل ما فعلته حكومات إسرائيل.
لكن من حقنا أن نسأل:
هل يكفي نقد نتنياهو كي يصبح الإنسان خارج التاريخ الذي أنتج نتنياهو؟
هل يكفي رفض بعض نتائج الظلم دون مواجهة أصل الظلم نفسه؟
وهنا تكمن المعضلة التي يحاول كثيرون تجاوزها.
فالقضية بالنسبة للفلسطيني ليست حكومة.
وليست انتخابات.
وليست ائتلافاً سياسياً عابراً.
القضية تتعلق ببنية كاملة قامت على اقتلاع شعب وإحلال شعب آخر مكانه.
ولهذا فإن الفلسطيني لا ينظر إلى المسألة من زاوية من يعارض نتنياهو ومن يؤيده.
بل من زاوية أبسط بكثير:
ما موقفك من حقي؟
ما موقفك من أرضي؟
ما موقفك من تاريخي؟
ما موقفك من حريتي؟
ثم جاءت غزة.
وغزة غيّرت كل شيء.
ليس لأنها أضافت فصلاً جديداً إلى الصراع.
بل لأنها نزعت الأقنعة عن الكلمات.
فبينما كان العالم يناقش حرية التعبير، كانت أحياء كاملة تختفي من الخريطة.
وبينما كان يتجادل حول حدود المقاطعة الثقافية، كانت عائلات كاملة تُمحى من السجل المدني.
وبينما كان بعضهم يكتب بيانات التضامن مع فنان إسرائيلي، كانت أم فلسطينية تبحث عن أطفالها تحت الركام.
لهذا لا أستطيع أن أرى ما حدث في مارسيليا بوصفه المأساة الأساسية.
المأساة ليست أن يُمنع مخرج من الجلوس على منصة مهرجان.
المأساة أن شعباً كاملاً ما زال ممنوعاً من الجلوس في بيته.
المأساة ليست في مقعد شاغر داخل لجنة تحكيم.
المأساة في القرى التي أصبحت مقاعدها شاغرة منذ عام 1948.
المأساة ليست في فيلم مُنع من العرض.
المأساة في شعب ما زالت روايته الحقيقية تُمنع من الظهور كاملة على الشاشة.
وربما لهذا السبب لا يتعلق الأمر بناداف لابيد أصلاً.
ولا بمهرجان مارسيليا.
ولا حتى بالسينما.
بل بالسؤال القديم الذي ما زال يطارد هذه الأرض منذ أكثر من قرن:
هل يكفي أن يعارض الإنسان بعض نتائج الظلم كي يتحرر من مسؤوليته تجاه أصل الظلم؟
في السينما، عندما ينتهي الفيلم، تضاء الأنوار.
تظهر أسماء المشاركين.
يغادر الجمهور القاعة.
ويعود الجميع إلى حياتهم.
أما الفلسطيني فلا يملك هذه الرفاهية.
فالفيلم بالنسبة له لم ينتهِ بعد.
اللقطة الأولى ما زالت مفتوحة منذ النكبة.
والمشهد ما زال مستمراً.
والكاميرا ما زالت تدور فوق المخيمات.
وفوق القرى المهدمة.
وفوق مفاتيح البيوت المعلقة على الجدران.
وفوق أطفال غزة الذين كبر بعضهم تحت الحصار، ورحل بعضهم تحت الأنقاض.
ولهذا لا يبحث الفلسطيني عن بطل إسرائيلي جديد.
ولا عن ضمير إسرائيلي جديد.
إنه يبحث عن شيء أبسط وأكثر إنسانية.
عن العدالة.
عن الاعتراف.
عن الحقيقة الكاملة قبل الجوائز.
وقبل المهرجانات.
وقبل لجان التحكيم.
لأن المأساة الكبرى ليست أن يُقصى مخرج من مهرجان.
المأساة الكبرى أن شعباً كاملاً ما زال منذ ثمانية وسبعين عاماً مُقصى من حقه الطبيعي في الوطن.
وحين تعود العدالة إلى أصحابها...
وحين يصبح الإنسان إنساناً قبل هويته وقوميته وقوة السلاح التي تحميه...
عندها فقط يمكن للكاميرا أن تتوقف.
وعندها فقط يمكن لهذا الفيلم الطويل أن يصل إلى نهايته.
أما الآن...
فما زالت فلسطين داخل المشهد.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
11 حزيران 2026