خالد صالح عطية - المشهد الذي يسبق الفيلم في نص يحيى بركات واستعادة النكبة بوصفها أصل المعنى

ثمة نصوص تتجادل مع الأحداث، وثمة نصوص تتجادل مع الطريقة التي نفهم بها الأحداث. والفارق بين النوعين هو الفارق بين من يناقش الوقائع ومن يناقش الشروط التي تجعل هذه الوقائع قابلة للفهم أصلاً.
لهذا لا أقرأ نص العزيز يحيى بركات بوصفه مداخلة في الجدل الدائر حول ناداف لابيد أو مهرجان مارسيليا أو المقاطعة الثقافية، بل بوصفه محاولة للعودة إلى السؤال الذي يسبق هذه السجالات جميعاً: كيف تُبنى الرواية الفلسطينية داخل الوعي العالمي؟ وما الذي يحدث حين يُفصل الفلسطيني عن الحدث المؤسس الذي منح تجربته التاريخية معناها؟
من هذه الزاوية تحديداً تكتسب المقالة أهميتها الفكرية.
فما يطرحه يحيى لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالبنية السردية التي يجري من خلالها تعريف فلسطين نفسها.
فالإسرائيلي يُقدَّم غالباً بوصفه فرداً مستقلاً عن دولته وتاريخه، بما يسمح بالنظر إلى الفنان أو الكاتب الإسرائيلي كذات معقدة ذات مواقف خاصة، بينما يُختزل الفلسطيني إلى نتاج حرب أو أزمة إنسانية، حاضراً كأثر للمأساة لا كصاحب رواية. إنه يظهر بوصفه نتيجة تحتاج إلى تفسير، فيما يغيب الحدث الذي أنتج هذه النتيجة عن مركز المشهد.
ومن هذه المفارقة ينتقل النص إلى فكرة أكثر عمقاً: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس خلافاً على الوقائع وحدها، بل على الإطار الذي تُقرأ من خلاله هذه الوقائع. لذلك لا ينصبّ السؤال على موقف ناداف لابيد بقدر ما ينصبّ على الكيفية التي تُروى بها الحكاية الفلسطينية، وعلى نقطة البداية التي تمنح الأحداث معناها.
وقد يبدو هذا الطرح نظرياً، لكنه ينعكس مباشرة على فهم الصراع نفسه. فاختيار نقطة البداية، سواء كانت السابع من أكتوبر أو عام 1967 أو النكبة، لا يغيّر ترتيب الأحداث فحسب، بل يعيد تشكيل معناها وتحديد المسؤوليات المترتبة عليها. فالتاريخ ليس مجرد تتابع زمني للوقائع، بل بناء تفسيري تحدد بدايته طبيعة النتائج التي ننتهي إليها.
وما يلتقطه يحيى، ربما من دون أن يصرّح به بصورة مباشرة، أن النكبة ليست مجرد حدث داخل الرواية الفلسطينية، بل الشرط الذي يجعل هذه الرواية مفهومة أصلاً. فهي ليست إحدى وقائع الصراع، بل الواقعة المؤسسة التي تمنح الوقائع اللاحقة معناها. ومن دونها يصعب فهم اللجوء والشتات ومركزية الأرض في الوعي الفلسطيني، كما يصعب فهم الكيفية التي تشكلت بها الهوية السياسية الفلسطينية نفسها. ولهذا فإن تغييب النكبة لا يستبعد جزءاً من الحكاية فحسب، بل يعيد ترتيب الحكاية كلها وفق منطق مختلف.
ومن هنا تكتسب النكبة مكانتها المركزية. ليس لأنها حدث وقع عام 1948 وانتهى، بل لأنها اللحظة التي أعادت تشكيل الجغرافيا والذاكرة والوعي والتاريخ الفلسطيني برمته. ومع ذلك كثيراً ما تُدفع إلى هامش السرديات الدولية، بحيث يناقش العالم النتائج فيما يبقى السبب المؤسس خارج إطار النقاش.
عند هذه النقطة تتضح القيمة الفكرية للنص. فهو يعيد النقاش من الجدل حول الأشخاص والرموز إلى الأساس الذي يمنح الوقائع معناها. لذلك لا يبدو المقال نقداً لناداف لابيد بقدر ما هو نقد لمنظور يطالب الفلسطيني بمناقشة النتائج مع استبعاد الجذور، أو بمناقشة الحاضر مع تعليق السؤال المتعلق بأصله.
بهذا المعنى، لا يدافع يحيى عن حق الفلسطيني في التعاطف فحسب، بل عن حقه في أن تُفهم قضيته ضمن سياقها التاريخي الكامل. فالتعاطف قد يُمنح أو يُحجب، أما الاعتراف بالسياق فهو شرط الفهم العادل وشرط تحديد المسؤوليات معاً.
وتتمثل الخلاصة الأعمق التي يقود إليها النص في أن المشكلة الفلسطينية لا تقتصر على غياب العدالة، بل تشمل أيضاً تغييب الأساس الذي يجعل العدالة قابلة للفهم أصلاً. فالمشكلة ليست أن العالم يختلف مع الفلسطيني في تفسير الوقائع، بل أنه كثيراً ما يختلف معه في تحديد الواقعة التي ينبغي أن يبدأ منها التفسير. وهنا تحديداً تكمن مركزية النكبة؛ لا بوصفها ذكرى فلسطينية أو حدثاً تاريخياً من الماضي، بل بوصفها نقطة الخلاف على معنى التاريخ نفسه.
لهذا فإن المقال، في جوهره، لا يتحدث عن مخرج إسرائيلي أو مهرجان أوروبي، بل عن المعيار الذي تُفهم به الأحداث وتُبنى عليه الأحكام الأخلاقية. فإذا كان السياق مبتوراً، فقدت الروايات اللاحقة كثيراً من قدرتها على ادعاء الإنصاف، لأن العدالة لا تقوم على النتائج وحدها، بل على الاعتراف بالشروط التاريخية التي أنتجتها.
وخلاصة القول إن قوة النص تكمن في إعادته النقاش إلى جذره: الاعتراف بالنكبة بوصفها الحدث المؤسس لفهم التجربة الفلسطينية ومعانيها السياسية والأخلاقية. فالقضية ليست خلافاً على تفسير الوقائع اللاحقة بقدر ما هي خلاف على الإطار الذي تُقرأ ضمنه هذه الوقائع. ولذلك فإن أي حديث عن العدالة يتجاوز سؤال النكبة لا يتجاوز الماضي بقدر ما يعيد إنتاجه في الحاضر.
وما دام العالم يصر على البدء من منتصف الحكاية، فإن فلسطين ستظل تذكّر بأن هناك دائماً مشهداً أول جرى استبعاده من السردية. ذلك المشهد الذي لا يسبق الأحداث فحسب، بل يسبق معناها أيضاً. ومن هنا لا تبدو النكبة مجرد بداية للتاريخ الفلسطيني الحديث، بل الشرط الضروري لفهمه. وكل قراءة تتجاوز هذا الشرط لن تكون قراءة ناقصة فقط، بل قراءة عاجزة عن إدراك السبب الذي يجعل القضية الفلسطينية، حتى اليوم، قضية مفتوحة على التاريخ والذاكرة والعدالة معاً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...