فاتن صبحي - حين يتحول الفقد إلى طاقة حياة في "أنفاس مؤجلة" مجموعة قصصية للاديبة والشاعرة/ منال الجيار

تبدو المجموعة القصصية "أنفاس مؤجلة" للأديبة/ منال الجيار تجربة إنسانية تتجاوز حدود الحكاية إلى فضاء أوسع من التأمل في معنى الفقد وقدرة الروح على ترميم ما تهدم فيها. فنواجه في الصفحات الأولى عالمًا وجدانيًا تتعدد فيه الوجوه والمواقف بينما يبقى النبض الداخلي واحد.. نبض الإنسان الذي يواجه الفقد ثم يبحث عن أسباب جديدة للاستمرار. ولعل هذا ما يجعل عنوان المجموعة أكثر من مجرد عتبة نصية بل مفتاح دلالي للمجموعة كلها فالأنفاس هنا ليست أنفاس ميتة وإنما مؤجلة تتعثر بالألم لكنها لا تتوقف وتثقلها الذكريات لكنها تظل قادرة على استقبال الضوء.
وقد أشار د. أحمد صلاح هاشم في مقدمته إلى حضور الدهشة والمفارقة والبعد الإنساني في هذه النصوص وهي ملاحظات تتأكد أثناء القراءة فالكاتبة لا تبني قصصها على أحداث صاخبة بل على تحولات هادئة تقع داخل النفس البشرية. ومن هنا تنبع قوة المجموعة حيث تجعل القارئ يرى الاستثنائي في التفاصيل اليومية ويكتشف العمق الكامن خلف أبسط المواقف الإنسانية.
ويتجلى البعد النفسي بوصفه المحور الأكثر حضورًا في قصص المجموعة بوضوح في قصة "لا تطلق سراحي" التي تعد من أكثر النصوص نضجًا وعمقًا. فالقصة لا تتناول موت الزوج بقدر ما تتناول ما يتركه الغياب من فراغ في الروح. فتقول:" لم يكن الغياب وحده هو ما أوجعني بل فراغ السلطة وغياب الحكم الشرعي الذي ظل طوال الشهور يربطني به رغم الموت" فتكشف أن الفقد لا يُختزل في رحيل شخص بل يمتد ليشمل انهيار منظومة كاملة من الاعتياد والأمان واليقين. البطلة هنا لا تواجه الموت فقط وإنما تواجه إعادة تعريف ذاتها بعدما فقدت أحد أهم أركان حياتها.
والقصة لا تستسلم لهذا الانكسار بل تمضي في رحلة تعافي تدريجية تتجسد في الاحتكاك بالآخرين والعودة للحياة من جديد حتى تصل إلى لحظة المصالحة الداخلية فتقول: "أنا بخير... بدأت أراك في كل ما حولي لا في غيابك" وهنا تتحول الذكرى من عبء يثقل القلب إلى طاقة تمنحه القدرة على الاستمرار فتصبح هذه القصة نموذج لمسار نفسي ينتقل من الحداد إلى القبول والتصالح مع الفقد.
ومن الفقد الشخصي تنتقل المجموعة إلى الفضاء الإنساني الأوسع في قصة "أنامل النور" التي تمثل أحد أكثر النصوص إشراق في المجموعة. في هذه القصة تقترب الكاتبة من عالم ذوي الإعاقة لكنها لا تقدمهم بوصفهم موضوع للشفقة بل كمصدر لإعادة اكتشاف معنى القوة الحقيقية. ويتجلى ذلك في عبارتها "فاقد البصر يستطيع أن يشعر لكن فاقد الشعور لا يستطيع أن يبصر". فالإعاقة هنا ليست عجز جسدي بل هي فقدان القدرة على الإحساس بالآخرين. ومن خلال هذه المفارقة الدلالية يتحول النص من قصة إنسانية إلى رؤية أخلاقية وفلسفية تعيد النظر في معايير القوة والضعف.
كما تكشف القصة عن أحد الخيوط الرئيسية التي تربط نصوص المجموعة ببعضها وهو أن الإنسان حين يمنح الآخرين شيئًا من قلبه يكتشف أنه يتلقى أكثر مما يعطي. لذلك تأتي عبارة "جئت لأمنحهم الدعم... فوهبوني أنا الحياة" معبرة عن جوهر التجربة كلها فالعطاء هنا ليس اتجاه واحد بل فعل تبادل إنساني يعيد ترميم الأرواح المكسورة.
وعلى الرغم من تنوع موضوعات المجموعة بين الفقد والمرض والأمومة وذوي الإعاقة والحيوان الأليف والعلاقات الإنسانية العابرة فإن القصص تبدو مترابطة بخيط داخلي متين. ففي "لا تطلق سراحي" تبحث البطلة عن نفسها بعد فقد الزوج وفي "لمسة قدر" تبحث عن أمومة بديلة وفي "حضن" نموذج آخر للبحث عن الأمان النفسي حين تجد السيدة المريضة عزاءها في حضن إنسانة غريبة في مشهد يختزل حاجة الإنسان إلى الاحتواء في لحظات الهشاشة.
وفي "أنامل النور" تبحث عن الإرادة الإنسانية في وجوه من تحدوا الإعاقة فتكتشف أن القوة الحقيقية لا تكمن في سلامة الجسد بل في قدرة الروح على تجاوز حدودها أما في "صديقي مشمش" صورة أخرى من صور التعويض الوجداني حيث يتحول الحيوان الأليف إلى مساحة للمحبة والأنس ثم يصبح فقده تجربة إنسانية حقيقية تؤكد أن قيمة العلاقات تُقاس بعمق الأثر الذي تتركه في الروح لا بطبيعتها أو شكلها. تختلف الشخصيات والأحداث لكن السؤال الإنساني يبقى واحدًا: كيف يستطيع الإنسان أن يواصل الحياة بعد أن يفقد شيئًا ظن أنه لا يُعوض؟
ومن هنا تنشأ وحدة المجموعة الحقيقية فهي لا تعتمد على وحدة الأحداث أو الشخصيات بل على وحدة الرؤية والشعور. فكل قصة تمثل وجه مختلف للفقد وكل نهاية تفتح باب لشكل من أشكال التعويض أو الأمل. ولذلك تبدو النصوص وكأنها فصول متعددة لسيرة وجدانية واحدة تتنوع صورها لكنها تصدر من القلب ذاته.
المجموعة تنحاز بوضوح إلى القيم الإنسانية النبيلة كالرحمة والتكافل والتعاطف مع الضعفاء والإيمان بقدرة الحب على تجاوز الحدود التقليدية للقرابة والدم. فالإنسان فيها لا يُقاس بمكانته أو قوته وإنما بقدرته على منح الدفء للآخرين. فالأمومة لا تبقى أسيرة رابطة الدم بل تتجاوز الرحم إلى القلب كما في "لمسة قدر وابنة قلبي" حيث تصبح الرعاية والاحتواء أساس العلاقة الإنسانية. كما تتجاوز الصداقة حدود المنفعة والمصلحة إلى المواساة والدعم النفسي كما في "سيد الكلمات وحضن" حيث يتحول الحضور الإنساني الصادق إلى سند يخفف وطأة الوحدة والألم. أما العلاقات الإنسانية عمومًا فتغدو جسور للنجاة والتعافي كما في "أنامل النور وحضن ولا تطلق سراحي" حيث يكتشف الأبطال أن الخروج من دوائر الحزن لا يتحقق بالعزلة وإنما بالاقتراب من الآخرين ومشاركة التجربة الإنسانية معهم.

كما تتميز المجموعة بلغة شفافة قريبة من القلب تعتمد على الصدق الشعوري أكثر من اعتمادها على الزخرفة اللفظية. كما أن هيمنة ضمير المتكلم تمنح النصوص طابع حميمي يجعل القارئ يشعر أنه يعيش تجربة حقيقية لا يصغي إلى حكاية متخيلة فحسب. وقد أحسن د. أحمد صلاح هاشم حين أشار إلى ظاهرة أنسنة الأشياء وشخصنة الجمادات لتتحول بعض التفاصيل البسيطة داخل النصوص إلى رموز حية تحمل إيحاءات وجدانية تتخطى معناها المباشر
كما نجحت العناوين في أداء وظيفة فنية ودلالية فغالبًا ما تحمل مفارقة أو رمز يختصر جوهر التجربة الإنسانية التي تنطوي عليها القصة.
بعض النصوص تميل أحيانًا إلى البوح الوجداني والتأمل النفسي أكثر من ميلها إلى البناء القصصي التقليدي القائم على الصراع والعقدة والتحول الدرامي الأمر الذي يجعلها تقترب إلى الخاطرة الأدبية دون ان تنتقص من قيمتها بقدر ما تكشف طبيعة البصمة الإبداعية نفسها التي تهتم بصدق التجربة الإنسانية قبل الدقة الفنية.
لكن تنجح "أنفاس مؤجلة" في أن تجعل من الألم أساس للحياة لا سبب للاستسلام وأن تحول التجارب الفردية إلى خبرة إنسانية مشتركة. إنها مجموعة عن الفقد و والغياب لكن لا تمجد الحزن بل تحتفي بما يبقى من أثر. ولذلك يظل عنوانها معبر عن جوهرها كله فكل نفس فيها مؤجل لكنه ما يزال قادر على استقبال النور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...