كلب السيدة النبيلة

منذ انتقالي إلى مدينة (ب) لكي أسكن قريباً من الشركة التي بدأت العمل فيها، اعتدت أن أخرج في الأمسيات أتمشى، أو أجلس على مقعد من المقاعد المنتشرة على كورنيش نهر الراين، أفكر في الحياة وتصاريفها التي أوصلتني إلى هذه البلاد، أراقب الغابات الكثيفة على سفوح الحبال، والقصور الأثرية التي تختبئ بين أشجارها، تثير أبراجها الشاهقة في مخيلتي قصص الأميرات والفرسان والجنيات التي قرأتها في طفولتي.

أكثر ما لفت انتباهي في الأسابيع الأولى هو النساء المسنات اللائي يركضن أو يقدن الدراجات، وعدد الكلاب التي تقودها السيدات بلطفٍ وصبر، حتى بتّ أعرف وجوهاً بعينها تتكرّر في كلّ مساء، وبدأنا نتبادل التحية، كأننا جيران، أو نسكن في شارعٍ واحد.

من تلك الوجوه، السيدة (ف). كانت في السبعين أو قريباً من ذلك، تمشي بخطواتٍ وئيدةٍ منتظمة، بأثواب أنيقة فاخرة، تجرّ، بسلسلةٍ لامعة، كلباً ضخماً بشعرٍ أبيض ناعمٍ يغطي عينيه الذابلتين الناعستين على الدوام.

"أنا مثلك من أصولٍ مهاجرة"، قالت لي ذات يوم بعد أن لفتت ملامحي العربية انتباهها. "والداي من أصولٍ إيطالية"، أضافت وهي تجد حديثاً تثرثر به، كعادة العجائز والنساء المتقاعدات اللواتي يجدن متعة في الحديث مع أي فردٍ يصادفنه، في موقف الباص، أو على مقعدٍ في قطار، أو على كورنيش الراين.

ذات مساء، بينما كنت أجلس على أحد المقاعد، أراقب الغيوم التي تجري في السماء، والجبال التي تكسوها الغابات في الضفة المقابلة، أو أتأمل الوجوه التي تمرّ أمامي، مرّت السيدة (ف) تجرّ كلبها العجوز، وكان الكلب يمشي بتثاقلٍ حذر. كانت ترتدي ثوباً من قماشٍ بلون المشمش، وفي عنقها سلسلةٌ ذهبية بحجر عقيق، آثار الجمال لا تزال واضحةً على وجهها الأبيض، شعرها الكستنائي مصبوغ بعناية لا تخفى.

جلستْ على المقعد المجاور، وكلبها الضخم يتشمّم العشب كأنه لا يثق بالأرض التي يقف عليها. اقترب مني، وراح يشمّ قدمي وساقي. أصابني الخوف، فرفعت قدمي وانكمشت على مقعدي.

"لا يعضّ. لا تخف إنه حبّوب"، قالت المرأة وهي ترى خوفي، وانفرجت على شفتيها ابتسامةٌ مترفّعة، وراحت تمسّد فروه الناعم الطويل، وتداعب عنقه بلطفٍ مثل طفلٍ مدلّل. لاحظتُ أنها لا ترفع بصرها عنه، أو تنقل عينيها بيني وبين كلبها الحبيب، والكلب يغمض عينيه مستسلماً للمساتها التي اعتاد عليها كما يبدو، ويمدّ لسانه الأحمر..

"ريجي" قالت، تعرّفني على الكلب. "اسم إيطالي، يعني الملك!"، أكملت دون أن أسألها، وفي صوتها نبرة من يعلن لقباً نبيلاً.

"اسم جميل" رددتُ بآلية.

"من سلالةٍ أصيلة، أبوه شارك في مسابقات أوروبية، وحصل على جائزة في إحدى المسابقات... زوجي أحضره لي من سويسرا، دفع ثمنه ثروة!"، قالت بزهوٍّ، وابتسمت ابتسامةً عابرة، ثم أردفت، كأنها تبرّر لنفسها: "كان يحبني كثيراً"

"كان؟ رحمه الله!"، قلت في نفسي.

نظرت إليّ بعينيها الرماديتين كأنها قرأت أفكاري، وأكملت: "هكذا كنت أعتقد!"

شعرتُ أنّ في كلماتها شيئاً لا تقصده، أو تقصده لكنها لا تريد أن تقوله، وعادت يدها تداعب فرو كلبها الكثيف، وأنا أراقب سفينةً تعبر أمامنا، والنهر تحتها يجري ببطء.

فجأة، حدث ما لم أتوقعه؛ دون مقدّمات نهض الكلب على قوائمه، وعيناه الزرقاوان لمعتا كأنهما الزجاج، زمجر واندفع نحوي وهو يقفز قفزاتٍ ثقيلةً، يمدّ لسانه الأحمر، يلعق وجهي ولهاثه ملأ منخريّ. تدحرجت قارورة الماء التي كانت بجانبي، وأحسست بخوفٍ ممزوجٍ بالقرف، لا أدري، أأدفعه عن وجهي، أم أحتمي منه، أم أترك مقعدي وأمضي؟

نهضت السيدة مسرعةً، شدّت السلسلة المذهبة، وسحبته إليها وهي تهمس له كلماتٍ لا أفهمها. كانت تمسّد صدره، وتقبّل رأسه كأنها تعتذر منه؛ كأنما هو الضحية، وأنا لست سوى خيالٍ لا يستحقّ التفاتة.

" آسفة… آسفة جداً… لا تخف أنا هنا". كانت تحدّث كلبها بتوترٍ وشفقةٍ عميقة، ولم تعرني أدنى اهتمام إلا بعد أن هدأ الكلب تماماً، نظرت بعينين معتذرتين، ويدها تشدّ على السلسلة بحذر وإحكام.

"آسفة"، قالت لي، ثم وجّهت عينيها نحوي وأردفت: "ريجي لا يؤذي، لكنه يخاف من الغرباء"

- لا بأس. لم يؤذني.

- أنت محظوظ… زوجي لم يكن محظوظاً مثلك.

تنهّدتْ ونظرتْ إلى النهر نظرة عميقة وطويلة، كأنها تستعيد ذكرياتٍ قديمةً مضى عليها سنين، أو لعلها تفكر هل تقول ما ستقوله، أم تمرّر الكلمة وتتركها معلقة… "زوجي، هانز، كان ألمانيا أصيلاً، من عائلة فون بيرغمان[1]النبيلة. حين هاجر والدي من إيطاليا، كان عمري اثنتي عشرة سنة، اشتغل في مزرعة عائلة فون بيرغمان، أمي عملت في المطبخ، وأنا أساعدها. كان منزل العائلة كبيراً، وكانت العائلة كبيرة. هانز عمل كثيراً، مثل كلّ الألمان؛ أضاف ثروة إلى ثروة العائلة. كان يحبّ أرضه أكثر من أي شيء، يعرف كلّ شجرة فيها، يمضي إليها كلّ صباح، قبل أن يستيقظ أحد".

نظرتُ إلى يدها، كانت تتحرّك آلياً على ظهر ريجي. أكملت حديثها، بهدوء، كأنها تقرأ رسالة قديمة لا تخصّها: " كان عمري خمس عشرة سنة حين رآني في الفناء. كنت أحمل سلة الغسيل."

نهضت عن مقعدها، اقتربت من درابزين الكورنيش، والراين يجري في مسيره الأبدي. قالت: "بعد ثلاث سنوات تزوجنا، أمه لم تبارك زواجنا إلا بعد سنةٍ كاملة، لكنّ هانز لم يكترث. أحبني... نعم. هذا حقيقي. أسكنني في البيت الكبير، وعلمني كيف أختار الثياب، وكيف أتكلم مع ضيوفه، وكيف... في بيت فون بيرغمان تعلمت أصول السلوك الأرستقراطي، وتفوّقت بها.". توقّفت، وأخذت نفساً عميقاً بتمهّل... "كنت تلميذته المجتهدة"

كانت كلماتها تخرج باردة، بلا أي شعور، كأنها تحكي قصة إنسانٍ لا يمتّ إليها بصلة، وكان الكلب يراقب بعينيه الناعستين الكسولتين، يلهث بصمت، ولسانه يتدلى من بين أسنانه: "ترك عمل المزرعة لأبي. أراد أن يعوّضني عن سنوات البدايات الصعبة، عرف حبّي للكلاب، فاشترى لي (ريجي)، سافر خصيصاً إلى سويسرا، ليفاجئني به في علبةٍ حمراء في عيد ميلادي"

هبّت نسمة باردة، وتمايلت أغصان شجرة قريبة، ونهض الكلب بتثاقل، وهي تسرد، ولا تكترث لشيء: "كنت سعيدة جداً بكلبي، لكنّ السعادة… السعادة، أحياناً، دودةٌ ناعمةٌ تنخر الشجرة من داخلها"، استأنفت حديثها دون أن تلتفت نحوي، كانت كأنها تحدّث نفسها، أو تستعيد ذكرياتها بصوتٍ مسموع: "صرت لا أخرج إلا مع ريجي، لا أنام إلا بقربه، لا أهتمّ بأحدٍ سواه. أحببته، وتعلّقت به"، قالت بنبرةٍ لا تبدي أيً شعور خجلٍ أو اعتذار، بل كحقيقةٍ باردة، وأنا كنت أنظر إلى الكلب الذي فتح عيناً واحدة، وأقعى على قائمتيه الأماميتين.

"زوجي كان يغار". قالت فجأة، التفتت إلي وأكّدت وهي تهزّ برأسها هزاتٍ بطيئة: "هل تتعجّب؟ رجلٌ يغار من كلب! قال لي مرة: أنت تحبين ريجي أكثر مما تحبينني. قلت له: ريجي لا يخذلني"

ابتسمت ابتسامة خاطفة، وتابعت كأنها لم تبتسم: "منذ تلك الكلمة، اختلفت حياتنا، صار الصمت بيننا يسود بشكلٍ أطول".

رحت أفكّر: كيف يفعل المرء ما بوسعه، ليقدّم للمرأة التي يحب، كل ما تحبّ. تخيّلت عمق ألمه وهو يسمعها تقول إنّ الكلب، كلبه هو، الذي سافر إلى سويسرا، ودفع ثروةً ليشتريه لها، "لا يخذلني"، ولم يسمعها تقولها له قطُّ؛ لكني لم أعلّق بشيء. الغريب يمكنه أن يراقب، أن يدرك؛ لكن، لا يحكم.

نهضتُ عن مقعدي، اقتربتُ منها، واستندتُ على الدرابزين بجانبها، وريجي وقف خلفنا، يلهث ولسانه متدلٍ، لم تتوقّف عن الكلام، كأنها لا تشعر بوجودي: "ذات يوم، انقضّ ريجي عليه، كما انقضّ عليك قبل قليل، عضّه في رجله، صرخ الزوج ودفعه بركلةٍ عنيفةٍ كسرت ساقه"، ثمّ صمتت من جديد. كانت عيناها تحدّقان في الأعالي، فوق قمة الجبل، أو السحاب الذي بدأ يتجمّع في السماء الرمادية، أو في الفراغ. "حملتُ ريجي إلى مشفى الكلاب، سجّلتُ محضراً ضدّ زوجي، اتّهمته بالعنف. المحامي قال إنّ القضية سهلة، الكلاب لها حقوق أيضاً. طلبت الطلاق، وحصلت على المنزل، وجزءاً من ثروته"

لأول مرة، منذ بدأت الحديث، التقت عيناها بعينيّ مباشرةً؛ كانتا رماديتين، باردتين، كأنها تنظر من خلف زجاجٍ سميك. باغتتني كأنما تذكّرت فجأة: "أتدري؟ هو أيضاً هاجر". خفضت صوتها، وأزاحت عينيها عني، وقالت بما يشبه البوح: "بعد صدور الحكم، ترك مزرعته وقريته، وغادر البلد كلها إلى أرضٍ بعيدة، إلى كندا. يوم وقّعنا الاتفاق نظر إليّ طويلاً، وقال: استوليت على بيت عائلتي بحكم القانون؛ لكن المفتاح... أنا الذي وضعت المفتاح في يدك، منذ البداية".

صمتت صمتاًطويلاً؛ لم يكن صمتاً عادياً، كان الصمت الذي يُسكِت المشاعرَ وليس الكلمات، لم أدرِ حينها، هل كانت تنظر إلى النهر، أم أنها دخلت في شرودٍ عميق، كلّ ما أعرفه أنّ أصابعها ضغطت على سلسلة الكلب بقوة، ولم تعد تنتبه لوجودي.

الشمس بدأت تغيب خلف الجبل المقابل. سحبتِ الكلب من سلسلته اللامعة، ومشت بخطواتها المتّئدة، والكلب يلهث خلفها، وذيله يهتزّ، لا يدري أنه كان سبباً في مأساة أحد.

لا أدري كم مكثتُ بعدها، رحت أراقب أضواء المدن تنعكس ملوّنةً على صفحة الماء في الضفة المقابلة، أفكّر بالكلب، والمفتاح، وبالرحل النبيل، زوج هذه السيدة الذي لا أعرفه.

على الطريق، زوجان شابان يدفعان عربة طفل، وغير بعيدٍ، قرب عمود النور، رجلٌ عجوزٌ يضع جريدته في جيب جاكيته ويتهيأ للمغادرة. أشجار الغابات مثل أشباح فوق الجبال، والقمر يطلّ من بين الغيوم مثل عين كلبٍ جائع،

منذر فالح الغزالي
بون: 20.05.2026. الساعة 03:50

—————————
[1] أسماء العائلات الألمانية التي تبدأ ب (فون - Von ) هي من بقايا العائلات الأرستقراطية. تماثل حالة الأسماء الفرنسية التي تبدأ ب (دي-de )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...