كان لقب الأستاذ الجامعي "الدكتور" مرتبطاً في أذهاننا بأسماء ثقافية ملأت الدنيا وشغلت الناس كما يقال في التعبير السائد، أسماء شهيرة في الأدب والنقد وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة وعلم اللغة وسائر تخصصات العلوم الإنسانية الأخرى، أسماء تُعَرّف البلدان والجامعات بهم، وبهم تفتخر وتتباهى.
أسماء أساتذة جامعيين كانوا أكبر من الجغرافيا، من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا تتداول كتبهم وتناقش أفكارهم وتقرأ مقالاتهم، هي أسماء، كل في مجاله وتخصصه، كلما ذكرت أثارت الاحترام وفي الوقت نفسه هزت عقولنا بأسئلة متلاحقة، مثيرة ومقلقة وصادقة.
حين نرغب في رسم "بورتريه" مثالي للأستاذ الجامعي، الدكتور النموذجي، اعتماداً على مصفوفات من القيم العلمية والأكاديمية والثقافية والأخلاقية، نلجأ مباشرة إلى استدعاء سلسلة من أسماء أساتذة جامعيين على مدى قرن من الزمن تقريباً الذين مروا في المدرجات وحضروا في الإعلام الثقافي وشكلوا من خلال كتبهم ومقالاتهم حقلاً للنقاش العام، خرجت منه كتب وسودت عنه صحائف، وبعض هذه الأسماء لا يزال حياً وكثرٌ منهم رحلوا إلى العالم الآخر إلا أنهم لا يزالون يعيشون في مخيلة الأجيال اللاحقة من الطلبة والأساتذة كمنارات يستهدى بها عند بعضهم.
في مصر وبلاد الشام والخليج والعراق واليمن لا تذكر الجامعة هناك إلا وذكرت معها أسماء من الجيل الأول، نقشت حروفها في سجل الخالدين من أمثال طه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك ولويس عوض وعبدالواحد لؤلؤة وعبدالعزيز الدوري وأحمد زكي وعز الدين إسماعيل وشوقي ضيف وسهير القلماوي وحسن حنفي وطيب تيزيني وفؤاد زكريا وزكي نجيب محمود وحسام الخطيب وعبدالعزيز المقالح وصلاح فضل ومهدي عامل وحسين مروة وأدونيس وعبدالمنعم تليمة وعائشة عبدالرحمن ومحمد سعيد رمضان البوطي وصادق جلال العظم وعادل العوة وإحسان عباس وعلي الوردي ومحمد أحمد خلف الله وجواد علي وإبراهيم السامرائي... أكيد هناك أسماء لم نذكرها وهي من دون شك تشكل جزءاً من ذاكرة الجامعة ومن مجدها لأن ذكر الجميع من باب المستحيل، ولكني قصدت هذه الأسماء اعتماداً على علاقة جيلي بهم قراءة وإعجاباً ونقاشاً وتوافقاً واختلافاً، لكن في كل الحالات كانت حاضرة بكتبها في المدرجات التي تكونت فيها سواء في الجزائر أو بدمشق وفرنسا.
وكما في جامعات الشرق الأوسط، شكلت أسماء جامعية في شمال أفريقيا صورة عن جيل بنى العقل الجامعي بكثير من الذكاء والاجتهاد والمعرفة، باللغتين العربية والفرنسية، وكان ظلهم وأخبارهم وكتبهم ومقالاتهم كما تقرأ بانتباه علمي وثقافي مميز وتناقش في بلدانهم، فإنها كانت تحظى بمكانة علمية وإبداعية خاصة في الشرق الأوسط وفي أوروبا في أوساط الجامعيين والقراء العموميين، ومن تلك الأسماء محمد أركون وجمال الدين بن الشيخ وعباس الجراري وأبو القاسم سعد الله وعبدالملك مرتاض ومالك شبيل ونجاة خدة وموسى لقبال وعبدالقادر جغلول وناصر الدين سعيدوني وعبدالله ركيبي وأبو العيد دودو وعبدالله العروي ومحمد عزيز لحبابي وعبدالله شريط ومحمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن وعبدالكبير الخطيبي ومحمد وقيدي ومحمد برادة وعبدالفتاح كيليطو وعبدالسلام بنعبد العالي ومحمد سبيلا ومحمد بنيس ومحمد نور الدين أفاية ومحمد وقيدي وعلي أومليل وعبدالسلام المسدي وعبدالرحمن حاج صالح ومحمود المسعدي وعبدالوهاب بوحديبة وتوفيق بكار وفتحي التريكي وعبدالوهاب مؤدب ويوسف الصديق وفتحي بن سلامة وعبدالمجيد الشرفي ومحمد محجوب... هذه الأسماء وغيرها ربما سقطت من ذاكرتنا، شكلت مفهوم صورة الأستاذ الجامعي الذي يجمع ما بين الدرس الأكاديمي وحضور المعرفة والنقاش الفكري في الفضاء العام.
مع هذا الجيل، وبهذه الأسماء كانت الجامعة بأسوار من زجاج، كل ما يقدم فيها يصل إلى الشارع، كانت الجامعة مفتوحة على المجتمع، وكان حضور هؤلاء ليس فقط في المدرجات التي يتوافد عليها كثير من الطلبة وغير الطلبة ومن تخصصات مختلفة، بل أيضاً بذلك الحضور المستمر في الصحف وفي المجلات الثقافية، فيرحّلون أفكارهم وقناعاتهم ولو بصورة تبسيطية إلى القارئ العام، مما جعلهم يتمكنون من بناء ذاكرة جامعية وجماعية اجتماعية لأسمائهم.
وبهذا الحضور كان الدكتور أو الأستاذ الجامعي يتبوأ مكانة من الاحترام الكبير الذي هو رأسماله قبل الرأسمال المادي بل بديل له.
اليوم، كثرت الجامعات وجرى تفريخها حتى أصبحت المدينة الواحدة لها جامعات كثيرة وبنيت جامعات في مدن صغيرة بل في بعض القرى، وأصبح لنا من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا آلاف الجامعات والمدارس العليا في كل التخصصات، وهذا شيء إيجابي، وأصبح لدينا ملايين من الطلاب والطالبات، وهذا شيء إيجابي أيضاً، لكن وعلى رغم هذا الكم الفائض تناقصت الأسماء الكبيرة المؤثرة، ولم يتمكن الجيل الجديد من صنع أسماء عابرة للحدود الوطنية أو لحدود المدينة أو لحدود الجامعة التي يدرس فيها.
وكثر الدكاترة وأصبحوا بمئات الآلاف ولكن لم تصنع مئات الآلاف هذه أسماء قادرة أن تكون بحجم طه حسين أو أحمد أمين أو طيب تيزيني أو أبو القاسم سعد الله أو حسن حنفي أو لويس عوض أو المسدي...
لقد ابتذلت رتبة بروفيسور فأصبح هذا اللقب النبيل تحمله بعض الأسماء التي لا يعرفها حتى طلبتها في الجامعة، بعد أن كان مرتبطاً في أذهاننا بأسماء كبيرة وصلت من التفكير والكتابة والتجربة الإبداعية مرتبة عليا من أمثال إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وجاك دريدا وبيير بورديو وجمال الدين بن الشيخ...
في هذا الزمن الجامعي، زمن الكمّ، أصبح الأستاذ الجامعي مثقفاً موظفاً، لا يشغله البحث والكتابة والنقاش الفكري والحضور الفعلي بقدر ما يهمه ويشغله التسلق في الرتب الإدارية وربط ذلك برفع راتبه الشهري. لقد انتهى زمن الأستاذ المثقف العضوي الذي يثير الجامعة ويثير السياسة ويثير الرأي العام وهو يكتب نقداً أدبياً وهو يبدي برأي فلسفي وهو يكتب عن مرحلة تاريخية معينة، لقد اختفى هذا الأستاذ ليعوضه آخر يهمه سعر السيارة والترقية الإدارية أكثر من اهتمامه بترقية النقاش الفكري.
بهذا المفهوم، لم يعُد الأساتذة الجامعيون ينتمون إلى طبقة المثقفين، ومن دون شك هناك استثناءات تؤكد القاعدة، بل إلى طبقة الشغيلة التعليمية، فالأستاذ الدكتور أو البروفيسور يؤدي دوراً لا يخرج عن أفق الدرس الذي يعيده على طلبته عاماً بعد آخر، وأمام هذا الوضع الجامعي اختفت الرموز من الجامعة وبدأنا نجدها في الشارع من خلال المؤثرين وصناع الأفكار وغير ذلك من التسميات الغريبة.
في الأخير، هذه حال الأستاذ الجامعي الجديد، وهذه حال الجامعة الحالية، فهل نحن نعيش وضعاً عابراً أم إن التقهقر مستمر؟ وهل هذه الأزمة ناتجة من انهيار قيم العلم والتحصيل والمنافسة في زمن يبدو غامضاً تكنولوجياً؟
أسماء أساتذة جامعيين كانوا أكبر من الجغرافيا، من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا تتداول كتبهم وتناقش أفكارهم وتقرأ مقالاتهم، هي أسماء، كل في مجاله وتخصصه، كلما ذكرت أثارت الاحترام وفي الوقت نفسه هزت عقولنا بأسئلة متلاحقة، مثيرة ومقلقة وصادقة.
حين نرغب في رسم "بورتريه" مثالي للأستاذ الجامعي، الدكتور النموذجي، اعتماداً على مصفوفات من القيم العلمية والأكاديمية والثقافية والأخلاقية، نلجأ مباشرة إلى استدعاء سلسلة من أسماء أساتذة جامعيين على مدى قرن من الزمن تقريباً الذين مروا في المدرجات وحضروا في الإعلام الثقافي وشكلوا من خلال كتبهم ومقالاتهم حقلاً للنقاش العام، خرجت منه كتب وسودت عنه صحائف، وبعض هذه الأسماء لا يزال حياً وكثرٌ منهم رحلوا إلى العالم الآخر إلا أنهم لا يزالون يعيشون في مخيلة الأجيال اللاحقة من الطلبة والأساتذة كمنارات يستهدى بها عند بعضهم.
في مصر وبلاد الشام والخليج والعراق واليمن لا تذكر الجامعة هناك إلا وذكرت معها أسماء من الجيل الأول، نقشت حروفها في سجل الخالدين من أمثال طه حسين وأحمد أمين وزكي مبارك ولويس عوض وعبدالواحد لؤلؤة وعبدالعزيز الدوري وأحمد زكي وعز الدين إسماعيل وشوقي ضيف وسهير القلماوي وحسن حنفي وطيب تيزيني وفؤاد زكريا وزكي نجيب محمود وحسام الخطيب وعبدالعزيز المقالح وصلاح فضل ومهدي عامل وحسين مروة وأدونيس وعبدالمنعم تليمة وعائشة عبدالرحمن ومحمد سعيد رمضان البوطي وصادق جلال العظم وعادل العوة وإحسان عباس وعلي الوردي ومحمد أحمد خلف الله وجواد علي وإبراهيم السامرائي... أكيد هناك أسماء لم نذكرها وهي من دون شك تشكل جزءاً من ذاكرة الجامعة ومن مجدها لأن ذكر الجميع من باب المستحيل، ولكني قصدت هذه الأسماء اعتماداً على علاقة جيلي بهم قراءة وإعجاباً ونقاشاً وتوافقاً واختلافاً، لكن في كل الحالات كانت حاضرة بكتبها في المدرجات التي تكونت فيها سواء في الجزائر أو بدمشق وفرنسا.
وكما في جامعات الشرق الأوسط، شكلت أسماء جامعية في شمال أفريقيا صورة عن جيل بنى العقل الجامعي بكثير من الذكاء والاجتهاد والمعرفة، باللغتين العربية والفرنسية، وكان ظلهم وأخبارهم وكتبهم ومقالاتهم كما تقرأ بانتباه علمي وثقافي مميز وتناقش في بلدانهم، فإنها كانت تحظى بمكانة علمية وإبداعية خاصة في الشرق الأوسط وفي أوروبا في أوساط الجامعيين والقراء العموميين، ومن تلك الأسماء محمد أركون وجمال الدين بن الشيخ وعباس الجراري وأبو القاسم سعد الله وعبدالملك مرتاض ومالك شبيل ونجاة خدة وموسى لقبال وعبدالقادر جغلول وناصر الدين سعيدوني وعبدالله ركيبي وأبو العيد دودو وعبدالله العروي ومحمد عزيز لحبابي وعبدالله شريط ومحمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن وعبدالكبير الخطيبي ومحمد وقيدي ومحمد برادة وعبدالفتاح كيليطو وعبدالسلام بنعبد العالي ومحمد سبيلا ومحمد بنيس ومحمد نور الدين أفاية ومحمد وقيدي وعلي أومليل وعبدالسلام المسدي وعبدالرحمن حاج صالح ومحمود المسعدي وعبدالوهاب بوحديبة وتوفيق بكار وفتحي التريكي وعبدالوهاب مؤدب ويوسف الصديق وفتحي بن سلامة وعبدالمجيد الشرفي ومحمد محجوب... هذه الأسماء وغيرها ربما سقطت من ذاكرتنا، شكلت مفهوم صورة الأستاذ الجامعي الذي يجمع ما بين الدرس الأكاديمي وحضور المعرفة والنقاش الفكري في الفضاء العام.
مع هذا الجيل، وبهذه الأسماء كانت الجامعة بأسوار من زجاج، كل ما يقدم فيها يصل إلى الشارع، كانت الجامعة مفتوحة على المجتمع، وكان حضور هؤلاء ليس فقط في المدرجات التي يتوافد عليها كثير من الطلبة وغير الطلبة ومن تخصصات مختلفة، بل أيضاً بذلك الحضور المستمر في الصحف وفي المجلات الثقافية، فيرحّلون أفكارهم وقناعاتهم ولو بصورة تبسيطية إلى القارئ العام، مما جعلهم يتمكنون من بناء ذاكرة جامعية وجماعية اجتماعية لأسمائهم.
وبهذا الحضور كان الدكتور أو الأستاذ الجامعي يتبوأ مكانة من الاحترام الكبير الذي هو رأسماله قبل الرأسمال المادي بل بديل له.
اليوم، كثرت الجامعات وجرى تفريخها حتى أصبحت المدينة الواحدة لها جامعات كثيرة وبنيت جامعات في مدن صغيرة بل في بعض القرى، وأصبح لنا من الشرق الأوسط إلى شمال أفريقيا آلاف الجامعات والمدارس العليا في كل التخصصات، وهذا شيء إيجابي، وأصبح لدينا ملايين من الطلاب والطالبات، وهذا شيء إيجابي أيضاً، لكن وعلى رغم هذا الكم الفائض تناقصت الأسماء الكبيرة المؤثرة، ولم يتمكن الجيل الجديد من صنع أسماء عابرة للحدود الوطنية أو لحدود المدينة أو لحدود الجامعة التي يدرس فيها.
وكثر الدكاترة وأصبحوا بمئات الآلاف ولكن لم تصنع مئات الآلاف هذه أسماء قادرة أن تكون بحجم طه حسين أو أحمد أمين أو طيب تيزيني أو أبو القاسم سعد الله أو حسن حنفي أو لويس عوض أو المسدي...
لقد ابتذلت رتبة بروفيسور فأصبح هذا اللقب النبيل تحمله بعض الأسماء التي لا يعرفها حتى طلبتها في الجامعة، بعد أن كان مرتبطاً في أذهاننا بأسماء كبيرة وصلت من التفكير والكتابة والتجربة الإبداعية مرتبة عليا من أمثال إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وجاك دريدا وبيير بورديو وجمال الدين بن الشيخ...
في هذا الزمن الجامعي، زمن الكمّ، أصبح الأستاذ الجامعي مثقفاً موظفاً، لا يشغله البحث والكتابة والنقاش الفكري والحضور الفعلي بقدر ما يهمه ويشغله التسلق في الرتب الإدارية وربط ذلك برفع راتبه الشهري. لقد انتهى زمن الأستاذ المثقف العضوي الذي يثير الجامعة ويثير السياسة ويثير الرأي العام وهو يكتب نقداً أدبياً وهو يبدي برأي فلسفي وهو يكتب عن مرحلة تاريخية معينة، لقد اختفى هذا الأستاذ ليعوضه آخر يهمه سعر السيارة والترقية الإدارية أكثر من اهتمامه بترقية النقاش الفكري.
بهذا المفهوم، لم يعُد الأساتذة الجامعيون ينتمون إلى طبقة المثقفين، ومن دون شك هناك استثناءات تؤكد القاعدة، بل إلى طبقة الشغيلة التعليمية، فالأستاذ الدكتور أو البروفيسور يؤدي دوراً لا يخرج عن أفق الدرس الذي يعيده على طلبته عاماً بعد آخر، وأمام هذا الوضع الجامعي اختفت الرموز من الجامعة وبدأنا نجدها في الشارع من خلال المؤثرين وصناع الأفكار وغير ذلك من التسميات الغريبة.
في الأخير، هذه حال الأستاذ الجامعي الجديد، وهذه حال الجامعة الحالية، فهل نحن نعيش وضعاً عابراً أم إن التقهقر مستمر؟ وهل هذه الأزمة ناتجة من انهيار قيم العلم والتحصيل والمنافسة في زمن يبدو غامضاً تكنولوجياً؟