عبد علي حسن - نقد النقد: بين (الميتاتجنيس) و(اللاتجنيس) مقاربة في نقد المصطلح

في دراسة سابقة لي نشرت في مجلة ( الاديب العراقي ) العدد 1 /2026 بعنوان ( النقد المصطلحي بوصفه مفهوما مركزيا في نقد النقد ) أشرت فيه إلى أنه ومنذ دخول النقد النصي/ البنيوية ومابعدهاإلى ساحة النقد العربي المعاصر منذ ثمانينيات القرن الماضي ولحد الٱن ، فإن جمهرة كبيرة من المناهج والأجهزة المفاهيمية والإصطلاحية المرفقة معها قد وفدت إلى المشهد النقدي العربي عن طريق الترجمة التي خضعت لمرجعيات المترجم اللغوية والفكرية ، الأمر الذي أسهم في تخليق أزمة اصطلاحية على المستويين النظري والاجرائي ، وقد تجسدت هذه الأزمة في ظهور اشكاليات نبهت إليها دراسات وبحوث عديدة أكاديمية وغيرها دون الوصول إلى ما يوصل العاملين في الحقل النقدي إلى برّ المواضعة والاتفاق ، فنجم من هذه الإشكاليات تعدد المصطلح وابدال المفاهيم والتباس الفهم ، وقد تكشّف تأثير هذه الإشكاليات في ضعف رصانة وصحة المقاربات النقدية للنصوص ووقوف المبدعين في منطقة افتراق طرق في مرجعية تجنيس هذا النص أو ذاك خاصة في معرفة الشروط الإجناسية للنصوص ، واذا ما علمنا بأن هذه المناهج وأجهزتها المفاهيمية والإصطلاحية تخص الأجناس التي لم تتضمنها البنية الثقافية العربية قبل هذا التوقيت ، كالرواية والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والشعر الحر وقصيدة النثر ، فجميع هذه الأجناس والأنواع الأدبية قد وفدت من بيئة الٱخر انكلوسكسونية أو فرانكوفونية مع مناهج نقدها ، فإن ضرورة ضبط مصطلحاتها والتواضع عليها نجدها من القضايا المهمة التي تواجه الثقافة العربية الإبداعية والنقدية ، هذا الاتفاق الذي سيضع حدّا لعشوائية الاصطلاح والمفاهيم التي خضعت في احايين كثيرة إلى امزجة ومرجعية شخصية كان لها بالغ الأثر في الفوضىٰ الاصطلاحية التي تملأ ساحة النقد العربي ، لذا فقد صار من اللازم اعتماد نقد المصطلح كمفهوم مركزي في نقد النصوص النقدية ومسائلة النص النقدي في صحة وسلامة المصطلحات المستخدمة لأن في سلامتها يعد دخولاً صحيحا لمقاربة النصوص الأدبية والضد من ذلك هو عدم تمكن النص النقدي من تقديم مقارباته التقديم والتحليل الصحيح ، وسنقوم وفق ذلك بمناقشة المصطلحات الواردة في كتاب ( الميتاتجنيس/ النصوص غير المجنسة تنظيرات وإجراءات) الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة / 2026 لمؤلفه الدكتور سمير الخليل .
ويبدو أن المصطلحين المركزين اللذين تسيّدا جهد المؤلف الذي تبدى منذ عنوان الكتاب هما (الميتاتجنيس) و( النصوص غير المجنسة) حتى أنه يضعهما في موضع الترادف والدلالة الواحدة ،. ففي مقدمة الكتاب التي تضمنت تكريس المؤلف لمصطلح ( الميتاتجنيس) بعده مصطلحا يطلق على النصوص غير المجنسة فهو يشير إلى ( غير أن مصطلح ( الميتاتجنيس) أو ( ماوراء التجنيس) كان الأكثر دقة وقبولا لدينا لكونه ينسجم مع نسق تلك الكتابات ( يعني بها غير المجنسة) وطبيعتها والحفاظ على حيويتها وعدم سجنها في مصطلح تجنيسي خانق) ويمثل هذا القول الأطروحة المركزية للكتاب ٱنف الذكر ، فإذا ما صحّت فإن النتائج الاجرائية ستكون صحيحة وإذا لم تصح فإن جميع نتائجه وقعت في منطقة الخطأ وفق المبدأ المنطقي القائل بأن المقدمات الصحيحة تؤدي إلى نتائج صحيحة والمقدمات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة ، وسينصبّ جهدنا النقدي على إثبات ذلك .
يتضمن القول السالف ثلاثة مصطلحات تحمل دلالة واحدة برأي المؤلف ، ( الميتاتجنيس ، ماوراء التجنيس ، الكتابات غير المجنسة ) حسبما ورد في مقدمة الكتاب ، وفيما يلي سنقوم بتفكيك هذه الثلاثية وتقويضها لنصل إلى اختلاف كل من هذه المصطلحات عن الٱخر في الدلالة وأنها لاتعني مفهوما واحدا أو دلالة واحدة .
ويبدو أن الإشكال الرئيس في الجمع بين مصطلحات الميتاتجنيس وما وراء التجنيس والكتابات غير المجنسة تحت دلالة واحدة هو إغفال الفروق المعرفية والمنهجية التي تفصل بينها، إذ إن كل مصطلح ينتمي إلى مستوى نظري مختلف. فالـميتاتجنيس (Metagenre) يدل، في أصله الاصطلاحي، على خطاب أو ممارسة نصية تتخذ من الأجناس الأدبية نفسها موضوعاً للتفكير أو المراجعة أو مساءلة الحدود الأجناسية، وهو بهذا المعنى مفهوم نقدي انعكاسي يشتغل على وعي النص بجنسه أو بعلاقته بالأجناس الأخرى، ولا يشير بالضرورة إلى نص منفلت من التجنيس. أما ما وراء التجنيس فيحيل إلى محاولة تجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية عبر إنتاج نصوص تقوم على التهجين والتداخل والتعالق بين أنماط تعبير متعددة، لكنه يبقى مفهوماً يصف حركة عبور للحدود الأجناسية لا إلغاءً لها، لأن أي نص يتجاوز جنساً معيناً إنما يفعل ذلك انطلاقاً من وجود جنس أو أكثر يتجاور معها أو يهيمن عليها. في حين أن الكتابات غير المجنسة تفترض، نظرياً، وجود نصوص تقع خارج كل إطار أجناسي أو نوعي، وهو افتراض يثير إشكالاً كبيراً؛ لأن التجنيس ليس خياراً إرادياً للنص بقدر ما هو آلية قرائية وثقافية تفرضها المؤسسة الأدبية والتلقي النقدي، الأمر الذي يجعل الحديث عن نص غير مجنس على نحو مطلق أمراً عسيراً إن لم يكن متعذراً ، ومن ثم فإن المطابقة بين هذه المصطلحات الثلاثة تؤدي إلى خلط بين مستوى نقدي تأملي هو الميتاتجنيس، ومستوى إجرائي يتصل بتجاوز الحدود الأجناسية هو ما وراء التجنيس، ومستوى افتراضي إشكالي هو الكتابات غير المجنسة، لذلك فإن استعمالها بوصفها مترادفات يفضي إلى التباس اصطلاحي يضعف الدقة المفهومية، ويجعل المصطلح الواحد يحمل حمولة دلالية لا تنتمي إلى مجاله النظري الأصلي، في حين أن المنهجية النقدية تقتضي الفصل بينها وإبراز مناطق التقاطع والافتراق بدلاً من دمجها في مفهوم واحد ، إذ أن مصطلح "الميتاتجنيس" يثير إشكالاً دلالياً ومنهجياً إذا أُريد له أن يكون مرادفاً لـ"الكتابات غير المجنسة".
فبادئة "ميتا" (Meta) في الاستعمالات الفلسفية والنقدية لا تعني عادةً غياب الشيء أو نفيه، بل تعني التفكير فيه أو التعالي عليه أو مساءلته من داخله. فعندما نقول "ميتاسرد" لا نعني سرداً بلا سردية، بل سرداً يتأمل آليات السرد ويكشفها. وعندما نقول "ميتاشعر" لا نعني شعراً بلا شعرية، بل شعراً يتحدث عن الشعر أو يعي شروط إنتاجه ، وبالقياس نفسه، فإن "الميتاتجنيس" يوحي بكتابة تنشغل بمفهوم الجنس الأدبي نفسه، أو تراجع حدوده وتناقشها، لا بكتابة لا تنتمي إلى أي جنس.
ومن هنا يظهر الإشكال: فإذا كان المقصود هو الكتابة التي تتجاوز الأجناس أو تتداخل فيها أو ترفض الإعلان عن انتمائها الأجناسي، فإن مصطلح "الميتاتجنيس" لا يؤدي هذا المعنى بدقة ، بل قد يفهم منه أن النص واعٍ بمسألة التجنيس ويجعلها موضوعاً له، لا أنه متحرر منها.
ثم إن وصف نص ما بأنه "غير مجنس" لا يعني بالضرورة أنه يقف خارج كل الأجناس، لأن النقد غالباً ما يكتشف فيه مركز ثقل أو مهيمنة أجناسية معينة ، ولذلك تبدو عبارة "الكتابات غير المجنسة" نفسها إشكالية، لأنها تصف حالة إعلان أو موقف أكثر مما تصف بنية نصية قابلة للتحديد.
لهذا أرى أن المصطلحات الأقرب إلى الدقة هي: الكتابة العابرة للأجناس، أو الكتابة الهجينة، أو التنافذ الإجناسي، أو الكتابة متعددة الأجناس؛ لأنها تصف ظاهرة التداخل والتجاوز دون أن تدّعي خروج النص نهائياً من النظام الأجناسي، مع بقاء النص ضمن حدود هويته الإجناسية رواية كان أم قصة ام شعر ام يوميات وغيرها من الأنواع والأجناس التي تشهد تداخلاً أو هجنة مع الأجناس والأنواع الأخرى فنية كانت أم أدبية .
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إن مصطلح "الميتاتجنيس" إذا أُريد تأصيله نقدياً، فالأجدر أن يدل على النص الذي يجعل مسألة النوع الأدبي موضوعاً لوعيه وبنائه، أي النص الذي يناقش حدود الرواية أو الشعر أو السيرة داخل نسيجه، لا النص الذي يمتنع صاحبه عن وضع كلمة "رواية" أو "شعر" على الغلاف.
لذلك فإن هذه المسافة الدلالية ليست صغيرة، وقد تكون سبباً كافياً للتردد في اعتماد المصطلح بوصفه مرادفاً للكتابات غير المجنسة.
وإذا ماانطلقنا من مبدأ أن كل نص أدبي يمتلك مهيمنة (Dominant) تنظّم بنيته وتوجّه تلقيه، فإن فكرة "النص غير المجنّس" تصبح موضع شك كبير. ذلك أن وجود مهيمنة سردية أو شعرية أو مسرحية أو تأملية يجعل النص قابلاً للانتساب إلى جنس أو نوع ما، حتى لو تداخلت فيه خصائص أجناس أخرى.
فالنص الذي يضم شعراً وسرداً وحواراً ومقاطع تأملية لا يصبح بالضرورة "غير مجنّس"، لأن السؤال النقدي لا يتعلق بعدد الأجناس الحاضرة فيه، بل بالعنصر المهيمن الذي يمنح النص هويته الأساسية. وهذا ما نجده في كثير من الروايات الحديثة التي تستوعب الشعر واليوميات والرسائل والمقالة والفلسفة، ومع ذلك تظل روايات لأن المهيمنة السردية هي التي تنظم بقية العناصر.
ومن هذا المنطلق، فإن مصطلح "الكتابات غير المجنسة" يبدو إشكالياً ، لأنه يفترض إمكانية وجود نص خارج كل نظام أجناسي، بينما الواقع الأدبي والنقدي يدل على أن المتلقي والناقد سرعان ما يبحثان عن المهيمنة التي تحدد طبيعة النص ووظيفته وآليات قراءته.
ولهذا يمكن القول إن ما يُسمى "الكتابات غير المجنسة" ليس في الغالب سوى: نصوص متداخلة الأجناس، أو نصوص هجينة.
أو نصوص يصعب تصنيفها للوهلة الأولى، أو نصوص يرفض مؤلفوها إعلان انتمائها الأجناسي.
أما وجود نص بلا مهيمنة وبلا أي قابلية للتوصيف الأجناسي، فذلك أمر يصعب إثباته نظرياً وتطبيقياً. فحتى كلمة "نصوص" التي توضع على أغلفة بعض الكتب ليست وصفاً أجناسياً دقيقاً، بل هي إحجام من المؤلف عن التسمية، ولا تعني أن البنية الداخلية للنصوص فقدت خصائصها النوعية.
لذلك، إذا سلّمنا بوجود المهيمنة بوصفها مبدأ منظِّماً للنص، فإن النتيجة المنطقية هي أن اللاتجنيس المطلق أقرب إلى فرضية نظرية منه إلى واقع نصي فعلي ، وعندئذ يصبح الحديث عن "الميتاتجنيس" أو "ما وراء التجنيس" بوصفهما توصيفاً لكتابات غير مجنسة قائماً على افتراض أول يحتاج هو نفسه إلى إثبات، وهو وجود نص غير مجنّس أصلاً. فإذا انتفى الأصل، أصبحت المصطلحات المبنية عليه بحاجة إلى إعادة نظر.
وبناءً على ما تقدم، فإن الإشكال لا يكمن في رصد ظاهرة التداخل والتجاوز الأجناسي، فهي ظاهرة حقيقية وفاعلة في الكتابة المعاصرة، وإنما يكمن في اختيار المصطلح القادر على تمثيلها تمثيلاً دقيقاً ، فالدقة الاصطلاحية ليست شأناً لغوياً فحسب، بل هي شرط من شروط سلامة النظرية النقدية وصحة نتائجها الإجرائية.ومع ما تقدم من ملاحظات على البناء الاصطلاحي الذي قامت عليه أطروحة الكتاب، فإن ذلك لا ينتقص من القيمة المعرفية لجهد الدكتور سمير الخليل، ولا من أهمية مغامرته النقدية في الاقتراب من الظواهر الكتابية الجديدة التي أخذت تتشكل في المشهد الثقافي العراقي المعاصر. فالكتاب يمثل محاولة جادة لاستكشاف مناطق لم تحظَ بعد بما يكفي من الدرس والمتابعة، ويكشف عن حس نقدي منفتح على التحولات التي تشهدها الكتابة المعاصرة، الأمر الذي يجعل من مناقشة مصطلحاته ومساءلة مرتكزاته جزءاً من الحوار العلمي الذي يسهم في تطوير المفاهيم وتدقيقها، لا نفياً لقيمة الجهد الذي بذله المؤلف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...