خير جليس علي حسين - شوية فلسفة

‏يصعب عليَّ شرح سبب اصراري على مطاردة الكتب التي يتوجس زبائن المكتبة من الاقتراب منها ، والاصعب شرح لماذا اقضي ساعات طويلة في محاولة حل لغز هذه الكتب . حين استرجع اليوم ذكرياتي اتخيل ذلك الصبي الذي يجلس وبيده الكتاب كأنه يتصارع مع صفحات تدفعه الى اليأس في بعض الاحيان ، إلى أن يعتريه شعور بالاعياء أو الملل . لم اكن اعرف في ذلك الوقت الفرق بين متعة القراءة ، وحشو الرأس بكلمات ستطير ما ان اخرج من غرفتي . كانت بعض الكتب ثخينة جدا ، صفحات محشوة بسطور مضغوطة ، مقاطع سوداء مكدسة الواحد فوق الآخر ، وكان صاحب المكتبة عندما يشاهدني اتأبطأ كتابا سميكا ، يبتسم وهو يقول لي ان مثل هذه الكتب ستخرب عقلك . ابقنت فيما بعد أن حالتي تشبه بطل رواية سيرفانتس " دون كيخوته " الذي نعرف ما حصل له من جراء كثرة قراءاته عندما كان:" يعذب نفسه في فهم بعض العبارات واستخلاص المعنى من احشائها " – دون كيخوته ترجمة عبد الرحمن بدوي - . لقد تحولت القراءة عندي الى إلى عادة ، إن لم اصفها بالهوس . تجعل فرجينيا وولف من القراءة حاجة شبه فيزيولوجية .
‏كنت آنذاك اضع قائمة بالكتب التي سأقرأها ، وقد اخذت هذه القائمة تتضخم بين الحين والآخر نتيجة لكثرة الكتب الجديدة التي تضاف الى المكتبة .يكتب سارتر ان القراءة :" تتألف من مجموعة فرضيات ، من احلام تليها صحوة " ، وكانت احلامي مرتبطة بالكتب ، لكنها احلام من دون صحوة . احلم دائما أن اقرأ الكتب الصعبة ، كل يوم ما ان ادخل المكتبة حتى اذهب باتجاه بعض الكتب التي امني نفسي بان احل الغازها ذات يوم .
‏في خضم ذلك وانا ممتلأ دهشة لاني امرر اصابعي على رفوف الكتب ،سالني صاحب المكتبة : لماذا تطيل النظر الى بعض عناوين الكتب ؟ . وجدت نفسي اقول له : لا اعرف .
‏كنت حقا لا اعرف لماذا انا مشدود مثلا لكتاب ضخم عنوانه " المنطق " مؤلفه جون ديوي ، اسمه موجود على عدد من الاغلفة منها " الفن خبرة " و " البحث عن اليقين " وكناب آخر بعنوان " المدرسة والمجتمع " . اقلب كتاب " المنطق " وانا ادرك انني اواجه تحديا مخيفا مكونا من اكثر من " 800 " صفحة . انتبه لتحذير صاحب المكتبة : هذه الكتب ليست للقارئ العادي. إنها من النوع الذي يجعل رأسك يؤلمك.
‏في الحادية عشر من عمره عثر جون ديوي على كتاب تشارلز داروين " اصل الانواع " الذي اصابه ايضا بالصداع ، ومن المثير ان عمر الكتاب هو نفسه عمر جون ديوي ، حيث صدر كتاب داروين في نفس السنة التي ولد فيها جون ديوي . كان الفتى الذي يأمل والده أن يدرس التجارة ، قد اثرت الكتب على خياله ، حين قرر ان يصبح رحالة يطوف العالم على ظهر سفينة شبيهة بتلك التي تنقل فيها داروين بين البحار والمحيطات . في المدرسة يقرأ افلاطون وارسطو ، وفي الوقت نفسه يتابع التطور العلمي الذي آمن به وقرر أن يستعين بالمناهج العلمية في تعزيز افكاره الفلسفية .
‏ولد جون ديوي في العشرين من تشرين الاول عام 1859 في مدينة برلينجتون مركز ولاية فيرمونت الامريكية ، وهو نفس العام الذي ولد فيه الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون والفيلسوف الالماني ادموند هوسرل ، كان ديوي الابن الثالث لعائلة من الطبقة الوسطى ، الاب يعمل بقالا ، لكنه كان شغوفا بقراءة شكسبير وملتون، يسمى جون على اسم شقيقه الذي توفي قبل ولادته بنحو اربعين اسبوعا ، كان الصبي جون عاشقا للقراءة يذهب مع والدته الى المكتبة العامة ، عمل في شبابه بمهنة بائع صحف ليتمكن من شراء كتب الفلسفة والعلوم ، اصرت امه ان يكمل ابنائها تعليمهم الجامعي ، دخل الجامعة في سن السابعة عشر حيث اختار دراسة الفلسفة ، يتفرغ لقراءة افلاطون ويعترف ان كتاب " الجمهورية " أثر فيه كثيرا ، وان الفلسفة الحقيقية تعود مصادرها الى افلاطون . بعد التخرج يلتحق للعمل مدرسا في احدى مدارس بنسلفانيا ، بعدها يقرر الاقتراض من عمه مبلغا من المال ليتمكن من اكمال دراساته العليا ،.دخل جامعة " جونز هوبكنز " ، وهناك يتعرف على " تشارلز بيرس " ابرز الفلاسفة البراغماتيين ، بعد التخرج يعمل ديوي مدرسا في جامعة شيكاغو ، وقد تزامنت فترة الدراسات العليا لجون ديوي مع الفترة القصيرة التي قضاها وليام جيمس في جامعة هوبكنز. في تلك الفترة اعاد تشارلز بيرس احياء النادي الميتافيزيقي ، حيث يصبح ديوي عضوا فيه ، في شيكاغو ينشئ جون ديوي مدرسة يحاول ان يطبق فيها منهجه في التربية والتعليم :" اول الامور في تطور تفكيري اهمية التربية نظريا وعمليا في نفسي ، وبخاصة تربية الصغار ، لأنني لم اشعر ابدا بتفاؤل كثير فيما يخص التعليم العالي إذ بني هذا التعليم على اسس ضعيفة " – جون ديوي رسالة في فلسفة التربية المعاصرة ترجمة احسان القوصي – وهو يشدد على الحاجة الى جعل المدرسة مجتمعا حقيقيا ، والعمل على تطوير ان يساهم في حياة المجتمع من خلال تدريبه على البحث العقلي . يصدر اول كتبه بعنوان " علم النفس الجديد " عام 1884، بعدها بثلاثة اعوام يصدر كتابه الثاني " علم النفس " .
‏عام 1905 يتم اختياره رئيسا للجمعية الفلسفية الأمريكية ، يواصل اصدار مؤلفاته وكان ابرزها الخبرة والطبيعة ، البحث عن اليقين ، الفردية القديمة والجديدة ، الفلسفة والحضارة ، الفن كخبرة ، تجديد في الفلسفة ، وكتابه الرئيسي " المنطق .. نظرية البحث " والذي صدر عام 1938 ..
‏اهتم جون ديوي في سنواته الاخيرة بموضوعة " التربية " والتي لخصها في عدد من النقاط ابرزها :
‏1- ان التفلسف يجب ان يدور حول التربية باعتبارها تاج الاهتمامات الانسانية
‏2- اعتبار العلم هو التفكير النقدي ، والاخلاق هي السلوك العملي . وقد اطلق على منهجه اسم " الادائية "
‏3- تخليص علم النفس من النزعات المثالية وتطبيق العلوم على درسة نفسية الانسان
‏4- تطبيق العلوم ومناهجه على العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصاد واللغة والادب.
‏في سنواته الأخيرة تعرض الى ازمات صحية ، وعاني من الالتهاب الرئوي ليتوفي في الاول من حزيران عام 1952.
‏ربما من حسن حظي وأنا اجازف بقراءة كتاب جون ديوي " المنطق " ان المترجم زكي نجيب محمود قدم للكتاب باسلوب شيق اتسم بالسهولة واليسر ، وكنت امني النفس لو ان المؤلف سار على منهج المترجم في الكتابة الفلسفية الميسرة ، لكن يبدو ان الفيلسوف الامريكي أراد ان يحذرني من استسهال الدخول الى عالمه الفلسفي ، حيث يكتب في الصفحات الاولى من كتابه انه :" امعن في الاصطلاح العلمي ، اكثر مما يحتمله القراء " . اما النصيحة التي يقدمها لنا نحن القراء ، هي أن نفسر صفحات الكتاب من خلال منهج عقلي . واذا لم يفهم القارئ فالخطأ كما يقول جون ديوي :" خطئي انا ولا ذنب له فيه "
‏في كتاب " المنطق " حاول ديوي ان يعرض منطقا يساير ويلائم تطور العلم الحديث ، ويختلف مع منطق ارسطو ويؤكد زكي نجيب محمود في المقدمة التي كتبها ان هدف جون ديوي من كتابه هو :" تحليل عملية الفكر نفسها، فالأفكار ما طبيعتها وما أصلها؟ وكيف تطورت في عقل الإنسان من أصولها البيولوجية والاجتماعية الأولية البسيطة حتى أصبحَتْ ما أصبحَتْ؟ وبعبارة أخرى كان المنط هو أهم ما خلفه لنا هذا الفيلسوف، فكما أن أرسطو قد خلَّف من بعده منطقًا أقامه على أساس المنهج الاستنباطي الرياضي الذي يصوّر طريقة اليونان الأقدمين — وطريقة أهل العصور الوسطى المتديّنة — فقد كان ديوي في عصرنا الحاضر من بين من أقاموا منطقًا جديدا يصور طرائق البحث في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية" – المنطق ترجمة زكي نجيب محمود - .وقد اطلق على هذا المنطق اسما فنيا هو نظرية البحث، قاصدا بكلمة البحث هنا أن ينخرط الإنسان في مسلك عملي يعالج به موقفا مشكلا حتى يَنفض إشكاله ، حيث يدعونا ديوي الى ان نؤمن بأن المفاهيم الفلسفية تابعة للظروف الاجتماعية ، فهناك أسبقية للواقع الاجتماعي والنفسي على الفكر :"اهم خاصية فكرية للعصر الحاضر هي يأسه من بلوغ أية فلسفة ، فبعد تقدم القرن الماضي أشواطاً بعيدة أصبحنا الآن نحس باهتزار أركان المعتقدات الفلسفية وانقلابها . ان انهيار الأفكار التقليدية فرصة نرحب بها ، فبالإمكان حصول التعاون بين العلم والفن للتأثير في الصناعة والسياسة والدين والحياة المنزلية وعلى العلاقات الإنسانية بوجه عام "- المنطق ترجمة زكي نجيب محمود -
‏اشتهر جون ديوي بتاكيد مبدأ الخبرة ، مقابل مبدأ التجربة . فالخبرة هي مجموع ما يحصله الانسان ثمرة تفاعله بالبيئة التي يعيش فيها ، وتظل هذه الخبرة تتزايد طبقا للمبدأ الذي يؤكده جون ديوي وهو " خبرة التواصل " ، وقد قدم ديوي معنى الخبرة وصلتها بالانسان والطبيعة في عدة كتب اهمها " الخبرة والطبيعة " وكتاب الخبرة والتربية – ترجمه الى العربية محمد رفعت رمضان – وكتاب " الفن خبرة – ترجمة زكريا ابراهيم – وفي هذا الكتاب يكشف عن طبيعة الفن ومسائل علم الجمال .
‏في فلسفته البرغماتية يرفض جون ديوي الرجوع الى سلطة اعلى من سلطة الانسان نفسه ، ومن خبرته التي يكسبها من خلال العمل والتفكير والبحث ، وهو الأمر الذي اثار عليه رجال الدين ، لانه ينكر السلطة العليا ، والقول بوجود سلطة في عالم السماء .
‏في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة" ، يرى ديوي أن الفلسفة ضلّت الطريق حين فصلت الفكر عن التجربة العملية. وهو يرى ان الفلسفة ومناهجها وموضوعاتها لم تعد لها قيمتها النظرية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحديث، ويستند ديوي في دعوته لإحلال العلم والديمقراطية والتربية بدلا من الفلسفة ، الى التغير الذي حدث في مفاهيم العقل والخبرة والمنطق والمجتمع في القرن التاسع عشر ، حيث كان يرى ان الفلسفة بمناهجها القديمة اصبحت عائقاً أمام تطور الأفكار ، ومالم تؤسس الأفكار الفلسفية على مفهوم الخبرة والتجربة ، فإنها تصبح افكاراً مجردة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...