علي الشدوي - مجلة الدومري

لم تكن مجلة الدومري التي أسسها ورأس تحريرها فنان الكاريكاتير علي فرزات عام 2001 مجرد تجربة صحفية عابرة في المشهد السوري، بل كانت تشريحا بصريا واستشرافا مبكرا للمستقبل. حملت المجلة اسم الدومري، وهو الشخص الذي يضيء مصابيح الشوارع عتيقة العهد، لتتحول الريشة إلى مبضع يفكك بنية الاستبداد، ويضيء المساحات المعتمة في واقع سياسي واقتصادي مثقل بالقمع والفساد.



تميزت رسوم المجلة الكاريكاتورية بجرأة غير مسبوقة تجاوزت الخطوط الحمراء، معتمدة على الرمزية الذكية لتفكيك مظاهر السلطوية. صاغت المجلة وعيا جمعيا من خلال شخصيات نمطية بقيت في الوجدان السوري؛ كالمسؤول ذي الكرش الضخم الذي يجلس خلف مكتب عملاق يبتلع المواطن الصغير ويلتهم كعكة الثروات والخيرات، ومقص الرقيب والأفواه المقفلة بأقفال حديدية التي تجسد خنق حريات التعبير. طوابير البيروقراطية الحكومية القاتلة التي تقضم أعمار المواطنين. هذا التراكم البصري شحن الذاكرة الشعبية بصور حية عن مظالمها، وحوّل الخوف الكامن في الصدور إلى لوحات مرئية وملموسة.
ضاقت بها السلطة ذرعا فأغلقتها بعد إصدار نحو 65 عددا. وكان الإغلاق بمثابة إعلان رسمي عن موت ما سمي ربيع دمشق، وإغلاق لآخر النوافذ الشرعية للتغيير السلمي من داخل المنظومة الأسدية. هذا الانغلاق رسخ قناعة عميقة لدى الشارع السوري بأن أفق الإصلاح بات مستحيلا، ليتشكل من رحم هذا الإحباط المخاض الحقيقي لعام 2011. لقد كانت صرخات الدومري الصامتة المرسومة على الورق بمثابة الشرارة الفكرية الأولى، والبروفة الرمزية للاحتجاج؛ فحين انطلقت المظاهرات بعد ثماني سنوات، تحولت تلك الرسوم حبيسة الأدراج إلى هتافات حية في الساحات تطالب بالكرامة والحرية.
ومع تحول الكاريكاتير إلى سلاح شعبي، رفع المتظاهرون لافتات مستوحاة من إرث الدومري لتحطيم جدار الرعب النفسي. وتجلى ذعر النظام من قوة الصورة في آب (أغسطس) 2011، عندما اختطفت أجهزة الأمن الفنان علي فرزات وتعمدت تكسير أصابع يديه وإلقائه في الطريق، في محاولة رمزية لـقتل اليد التي تجرأت على الرسم. لكن هذا الاعتداء الجسدي أثبت فشله؛ إذ تحولت أصابع فرزات المكسورة إلى رمز عالمي للمقاومة بالفن، وأكدت أن وعي الدومري قد تغلغل في الوجدان بأكمله، فإسكات المجلة في البدايات لم يكن سوى تأجيل مؤقت لصرخة حرية تمددت لاحقا لتشمل جغرافيا البلاد كاملة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...