فنون بصرية حافظ البكوري - حكاية "الف ليلة وليلى" للفنانة التشكيلية ليلى القاسمي...سفر اللوحة إلى اقاصي الحلم و الذاكرة

ليس من السهل المرور أمام عنوان معرض «ألف ليلة وليلى» دون استحضار ذلك الأثر العميق الذي تركته حكايات «ألف ليلة وليلة» في الذاكرة الإنسانية. فالعنوان لا يكتفي بالاستعارة أو المحاكاة، بل يؤسس منذ اللحظة الأولى لعلاقة تناصّية مع عالم شهرزاد؛ المرأة التي جعلت من السرد فعل نجاة، ومن الحكاية مقاومة للموت والنسيان.



في الحكاية الأصلية، كانت شهرزاد تدرك أن الخلاص لا يتحقق بالقوة، بل بالخيال. لذلك كانت تؤجل النهاية عمدًا، تقطع الحكاية عند ذروة التشويق، تاركة الملك شهريار معلقًا بين الرغبة في المعرفة والخوف من الفراغ. هذه التقنية السردية لا تبدو بعيدة عن تجربة الفنانة ليلى القاسمي، إذ تتحول اللوحة عندها إلى حكاية غير مكتملة، وإلى مشهد بصري يرفض الاكتمال النهائي، وكأن كل عمل فني ليس سوى بداية لحكاية أخرى مؤجلة.

إن المتأمل في لوحات المعرض يكتشف أن الفنانة لا تقدم موضوعات مغلقة أو سرديات مباشرة، بل تبني عوالم تتجاور فيها الذاكرة بالحلم، والمرأة بالأسطورة، واللون بالصمت. هنا تحديدًا يتجلى التقاطع العميق مع «ألف ليلة وليلة»؛ فالحكايات في النص التراثي لم تكن مجرد قصص للتسلية، بل كانت فضاءً مفتوحًا للعجائبي، ولتداخل الواقع بالمتخيل، ولإعادة تشكيل العالم عبر اللغة. وبالطريقة ذاتها، تعيد ليلى القاسمي تشكيل العالم عبر المادة التشكيلية، فتغدو الألوان كلمات، وتصبح الخطوط جُملاً بصرية تروي ما تعجز اللغة عن قوله.



كما أن حضور المرأة في التجربتين ليس حضورًا هامشيًا، بل هو مركز الفعل الإبداعي. شهرزاد لم تكن راوية فقط، بل كانت صانعة للوعي والتحول؛ استطاعت عبر الحكي أن تُلين قسوة شهريار، وأن تعيد إليه إنسانيته المفقودة. وفي معرض «ألف ليلة وليلى»، تبدو الفنانة وكأنها تستعيد هذا الدور الرمزي للمرأة بوصفها حافظة للذاكرة ومنتجة للمعنى. فاللوحات لا تعرض المرأة كجسد أو صورة، بل ككائن يحمل أسراره الداخلية، ويمتلك قدرة خفية على إعادة اختراع العالم.

ومن اللافت أيضًا أن المعرض، مثل حكايات «ألف ليلة وليلة»، يقوم على مبدأ التعدد والتشعب. فكل لوحة تبدو وكأنها ليلة مستقلة، لكنها في الوقت نفسه جزء من سردية كبرى. هناك خيط خفي يربط الأعمال ببعضها، تمامًا كما كانت الحكايات تتوالد داخل الحكايات في النص التراثي. إننا لا نقف أمام لوحات منفصلة، بل أمام متاهة بصرية تتناسل فيها الدلالات، ويتحول فيها المتلقي إلى مشارك في صناعة الحكاية وتأويلها.



إن اختيار عنوان «ألف ليلة وليلى» لا يبدو إذن اعتباطيًا أو قائمًا فقط على التقارب اللفظي بين «ليلة» و«ليلى»، بل هو اختيار واعٍ يحاور التراث ويعيد إنتاجه بصيغة تشكيلية معاصرة. فالفنانة لا تستعير شهرزاد كشخصية، بل تستعير فلسفة الحكي ذاتها: فكرة أن الفن قادر على مقاومة الفناء، وأن الجمال يمكن أن يكون وسيلة للنجاة.

وفي هذا المعنى، يصبح المعرض امتدادًا بصريًا لروح «ألف ليلة وليلة». فإذا كانت شهرزاد قد استخدمت الكلمات لتؤجل الموت، فإن ليلى القاسمي تستخدم اللون لتؤجل نهاية الحكاية. كل لوحة عندها تبدو كأنها تقول للمتلقي: «ما زالت هناك ليلة أخرى… وما زالت الحكاية لم تنتهِ

حافظ البكوري / تونس
* فنان تشكيلي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...