ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال التحولات العميقة التي شهدها الشرق الأوسط منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الحرب المتواصلة على غزة لم تكن مجرد مواجهة فلسطينية - إسرائيلية، بل شكلت نقطة انعطاف كشفت حدود النموذج الأمني والإقليمي الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية. فامتداد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ووصوله إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، أظهر أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا قابلا للعزل أو التهميش، بل ظلت عاملا بنيويا مؤثرا في استقرار الإقليم ومستقبله.
وينطلق المقال من قراءة تاريخية ترى أن النظام الإقليمي الذي تشكل خلال القرن العشرين قام على إدارة الصراع أكثر مما قام على معالجة أسبابه، مستندا إلى موازين قوة غير متكافئة، وإلى دور مركزي لإسرائيل في الاستراتيجية الغربية تجاه المنطقة. وقد أظهرت الحرب أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار مستدام، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية أسهم في إعادة إنتاج دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.
كما يناقش المقال حدود المقاربة الأمنية التقليدية القائمة على القواعد العسكرية والتحالفات الخارجية، والتي لم تنجح في منع تفجر الأزمات أو حماية الإقليم من الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وفي المقابل، يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي انطلاقا من مصالح شعوب المنطقة ومكوناتها التاريخية الأساسية، بما يشمل العرب والترك والفرس والكرد، عبر صيغ تعاون وتوازن تقلل من الاعتماد على التدخلات الخارجية وتحد من الصراعات البينية.
ويرى المقال أن أي نظام إقليمي جديد لن يكون قابلا للاستمرار إذا اقتصر على التفاهمات الأمنية وحدها، بل ينبغي أن يرتبط بمشروع حضاري ونهضوي أوسع يقوم على التنمية المستدامة، وإنتاج المعرفة، والتكامل الاقتصادي، واحترام التنوع والحقوق المتساوية. وفي هذا السياق، تكتسب فلسطين بعدا يتجاوز كونها قضية تحرر وطني، لتغدو مدخلا لإعادة تأسيس الإقليم على أسس جديدة تربط بين العدالة والأمن والتنمية.
ويخلص المقال إلى أن التحدي المركزي لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب أو إدارة الأزمات، بل في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء نظام إقليمي جديد، قادر على تحويل الصمود والتحرر والاستقلال إلى مشروع إنساني ومعرفي وتنموي يفتح أمام شعوب المنطقة أفقا جديدا للتعاون والاستقرار والازدهار.
المقال الكامل: فلسطين وإعادة تأسيس الإقليم: من إدارة الصراع إلى بناء نظام إقليمي جديد
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات العميقة. فحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية والمتواصلة للعام الثالث على التوالي، لم تبقَ محصورة في حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تحولت تدريجيا إلى انفجار إقليمي واسع، كشف هشاشة منظومة الأمن التي حكمت المنطقة خلال العقود الثمانية الماضية.
لقد امتد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ثم وصل إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، واتسعت تداعياته لتشمل دول الخليج والأردن، بما حملته من مخاطر أمنية واقتصادية وسياسية. وهكذا تبدو المنطقة وكأنها انتقلت من مرحلة الصراعات غير المباشرة، إلى مرحلة بات فيها احتمال الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة أكثر حضورا في التقديرات الاستراتيجية.
وفي ظل الحديث عن مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بوقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الهدنة: هل نحن أمام مجرد استراحة جديدة لإدارة الصراع الممتد، أم أمام فرصة لإعادة التفكير في طبيعة النظام الإقليمي نفسه؟
غير أن هذا السؤال لا يتعلق بتفاصيل المرحلة الانتقالية وحدود التهدئة، بل يمسّ بنية النظام الإقليمي نفسه كما تشكّل خلال القرن الماضي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة صراع قائم، بل بمدى قابلية الإقليم للاستمرار وفق قواعده الحالية.
وإذا ثبت أن هذه القواعد لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسة فقط، بل أمام أزمة نموذج تاريخي كامل يحتاج إلى إعادة تأسيس، لا إلى إعادة ترميم.
أولا: انفجار الإقليم وتغير الوعي السياسي
كشفت الحرب أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا منفصلا يمكن عزله عن محيطه العربي والإقليمي والدولي. هذه الفرضية لا يمكن فهمها فقط من خلال الأحداث الراهنة، بل تتطلب العودة إلى مسار تاريخي أطول. فالمحاولات الممتدة على مدى أكثر من قرن لإعادة هندسة المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة، عبر فرض تجزئة قسرية حوّلت الكيانات القومية والقطرية الناشئة إلى جزر معزولة ومجرد أدوات في صراع المحاور، بدلا من أن تكون لبنات في فضاء حضاري متكامل. ورافق ذلك استثناء القومية الكردية وتوزيع أراضيها بين المكونات الأصيلة التركية والفارسية والعربية، واستبدال فلسطين التي تتموضع في مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري، بكيان استيطاني إحلالي يمثل أداة وظيفية للمشروع الاستعماري الغربي. والسعي بعد إقامة هذا الكيان عام 1948 إلى تهميش القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة على أساس التعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل ودول الإقليم، بدا أنه نجح - رغم ما تخللها من انفجارات متتالية أمكن السيطرة عليها- في بناء استقرار هش على مدى العقود الماضية عبر استراتيجية "إدارة الصراع".
غير أن التطورات المتسارعة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعادت وضع فلسطين في مركز المشهد.
ومع هذا الاتساع الجغرافي للصراع، لم يعد بالإمكان التعامل معه كحالات منفصلة، بل كجزء من تحول بنيوي في الإقليم. ومن هنا، يمكن الانتقال إلى مستوى أكثر عمقا يتعلق بتأثير هذا التحول على طبيعة القضية الفلسطينية نفسها.
لقد أظهر حجم إبادة الإنسان والعمران في قطاع غزة، المنقولة وقائعها بالبث الحي وشاهدها الناس على امتداد الكرة الأرضية، أن القضية الفلسطينية لم تفقد قدرتها على التأثير، بل إن مواصلة تجاهلها أدى إلى انفجار تناقضات عميقة داخل النظام الإقليمي والعالمي.
وما جرى في قطاع غزة لم يعد مجرد حرب موضع خلاف سياسي، بل أصبح موضوعا أمام مؤسسات العدالة الدولية، بعد نظر محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة باتفاقية منع الإبادة، واتخاذها تدابير مؤقتة، وبعد تحرك المحكمة الجنائية الدولية في ملف الجرائم المرتبطة بالحرب، رغم محاولات الالتفاف والتأجيل والمماطلة تحت طائلة التهديد والعقاب والتشهير. ما يشير إلى أن القضية الفلسطينية عادت لتفرض نفسها، ليس فقط كقضية شعب واقع تحت الاحتلال، بل كعامل مؤثر في مستقبل النظام الإقليمي والعلاقات الدولية.
ثانيا: إسرائيل ومأزق الأمن الإقليمي
أظهرت الحرب المتنقلة المتواصلة للعام الثالث على التوالي مجددا مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية والغربية تجاه المنطقة العربية - الإسلامية، حيث بقي الدعم العسكري والأمني والاستخباراتي والقانوني والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي لإسرائيل وحروبها التوسعية، عنصرا أساسيا في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية وعموم الغرب للصراع.
وفي ضوء هذا الواقع، يبرز سؤال يتجاوز توصيف ميزان القوى الحالي إلى طبيعة إمكانية بناء أمن مستقر في الإقليم. فقد أنتج هذا الواقع سؤالا إقليميا واسعا: هل يمكن بناء أمن مستقر في منطقة تقوم فيها موازين القوة على محو واجتثاث الشعب الفلسطيني، والتوسع الإسرائيلي في المحيط العربي، وتفوق إسرائيل وانفرادها بامتلاك السلاح النووي، بينما تبقى دول وشعوب المنطقة الأخرى أمام نتائج الصراع؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة أعمق، تتجاوز سياسات الحكومات إلى طبيعة البنية التي يقوم عليها الصراع نفسه. وبحسب قراءات سياسية وشعبية واسعة في المنطقة، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بسياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة: اليسارية واليمينية، العلمانية والمسيانية،
بل بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، باعتباره مشروعا استعماريا مغلقا عقديّا ومفتوحا زمنيّا، وما يترتب عليه من صراع طويل مع الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي - الإسلامي.
ومن هنا فإن معظم التصورات حول استقرار وسلام إقليمي تتطلب معالجة جذور الصراع، وليس فقط إدارة تداعياته.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن تجارب العقود الماضية أظهرت أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار طويل الأمد. فالقوة تستطيع فرض الوقائع لفترات متفاوتة، لكنها تعجز عن إنهاء الصراعات التي ترتبط بالحقوق التاريخية والهوية والعدالة. ولذلك فإن أي تصور لأمن إقليمي مستدام لا بد أن يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة سياسية وتاريخية وحقوقية، وليست مجرد ملف أمني أو إنساني قابل للإدارة.
ثالثا: نهاية وهم الأمن عبر القواعد العسكرية
خلال العقود الماضية التي سادت فيها الصراعات البينية، أصبحت المنطقة تضم شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية والأوروبية، على أساس أنها أدوات لحماية الاستقرار وردع التهديدات التي تواجهها الدول القائمة، والتي تم استحداث حدودها بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر تساؤلات حول مدى فعالية هذا النموذج في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
إذ فرضت تجربة السنوات الأخيرة مراجعة عميقة لهذا المفهوم. فوجود هذه القواعد لم يمنع تفجر الصراعات وتوسعها، ولم يوفر الحماية والأمن والاستقرار للدول والأنظمة والشعوب، ولم يحل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إذ تبين أن أولويتها الأولى حماية إسرائيل، وجعل بعض الأقطار العربية نفسها ساحة للصراع الإقليمي والدولي وجزءا من صراع المحاور، خصوصا مع استهداف القواعد العسكرية والمصالح المرتبطة بالقوى الخارجية في الحرب الممتدة على إيران وفلسطين ولبنان واليمن.
كما أن تهديد طرق التجارة والطاقة، بما فيها المخاطر المرتبطة بممرات استراتيجية مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، أظهر أن عسكرة المنطقة لا تعني بالضرورة تحقيق الأمن، بل قد تكون أحيانا أحد أسباب هشاشته، ما يفرض إعادة النظر في الفرضية التي تقوم عليها فكرة الأمن العسكري الخارجي في الإقليم.
رابعا: العالم العربي بين صراعات القوى الكبرى والقوى الإقليمية
منذ مطلع الألفية الثالثة، تحولت أجزاء واسعة من العالم العربي إلى ساحة تنافس بين مشاريع مختلفة:
مشروع تقوده الولايات المتحدة، وإسرائيل، والغرب، وحلفاؤهما.
مشروع تقوده إيران والقوى المرتبطة بها.
مشروع تقوده تركيا.
ومع تزايد هذا التعدد في المشاريع الإقليمية، بدأت تتضح آثار هذا التنافس على البنية العامة للنظام في الإقليم.
وقد كشف هذا التنافس أزمة أعمق: أن الدول العربية فرادى وجماعة تفتقر إلى إطار أمني فاعل، وأن الإقليم العربي - الإسلامي يفتقر إلى مظلّة أمنية نابعة من مكوناته الأصيلة. ويفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في طبيعة الأطراف الفاعلة في عموم الإقليم، ودور المكونات التاريخية في تشكيله.
فالعرب والترك والفرس والكرد ليسوا مجرد أطراف في صراع دولي، بل هم المكونات التاريخية الأساسية للإقليم، وأي نظام إقليمي قابل للاستمرار يحتاج إلى مشاركة هذه المكونات في صياغة قواعده وتوازناته الأساسية.
لقد أظهرت التجارب التاريخية، أن استبعاد أي من المكونات الرئيسية للإقليم من ترتيبات الأمن والاستقرار يؤدي غالبا إلى إنتاج دورات جديدة من التوتر والعنف، ويتيح الفرص للاختراقات الخارجية. فالنظام الإقليمي القابل للاستمرار لا يقوم على الغلبة الدائمة لطرف على آخر، بل على إيجاد صيغ توازن وتعاون تسمح بإدارة المصالح المتباينة ضمن إطار يحول دون تحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات مفتوحة.
خامساً: هل تشكل الهدنة المرتقبة فرصة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي؟
إذا تحولت مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية إلى وقف فعلي للتصعيد، فإن قيمتها الحقيقية لا تكون في تجميد المواجهة فقط، بل في فتح نافذة سياسية لإعادة التفكير. فالمنطقة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم “إدارة الصراع” إلى مفهوم “بناء الأمن”. وهذا يتطلب:
٠ فهم دقيق لطبيعة الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، الذي لا تقتصر أخطاره على فلسطين وجوارها اللبناني والسوري فحسب، بل تطال عموم الإقليم العربي - الإسلامي.
٠ مراجعة نقدية شاملة لسياسات وسلوكيات المكونات الإقليمية الأصيلة، وحوارا صريحا حول تجارب الماضي وما خلفته من ندوب عميقة، زادت من الصدوع البينية، وحرفت الأنظار عن الأخطار الحقيقية، وأثارت الشكوك والمخاوف المتبادلة، وسمحت بالاختراقات الخارجية ما حول الإقليم إلى ساحة للتنافس الدولي على القيادة والنفوذ، وأضعف المناعة الفردية والجماعية، وعطل التنمية لشعوب ودول المنطقة.
٠ مراجعة مقاربات الأمن الصفرية لدى بعض القوى الإقليمية، بما فيها سياسات النفوذ والتمدد (تحديدا إيران وتركيا)، التي أنتجت بدورها ردود فعل مقابلة. فالاستراتيجيات الراهنة القائمة على "التمدد النفوذي" أو "الحروب بالوكالة" -وإن بدت في حقبة التفكك كأدوات دفاعية لحفظ الأمن القومي لتلك الدول- قد وصلت اليوم إلى نقطة الإنهاك الاستراتيجي الذاتي وعطلت نموها الداخلي. وبناء على ذلك، فإن الآلية الحقيقية للكف عن استخدام الأراضي العربية كساحات حرب بالوكالة لا تبدأ بالمواعظ الأخلاقية، بل بصياغة "مقايضة استراتيجية كبرى" تقوم على "الأمن المشترك والتعاوني": حيث تتعهد القوى الإقليمية بإنهاء أدوات التدخل، مقابل بناء شبكة أمان إقليمية جماعية تضمن مصالحها الحيوية، وترفع عنها هواجس الحصار أو الاختراق الخارجي.
ويمكن القول إن الأمن الحقيقي لا يرتبط فقط بتوازن الصواريخ والقواعد، بل أيضاً بالاعتراف المتبادل بالحقوق المتساوية لشعوب المنطقة، وتوازن المصالح.
غير أن بناء الأمن، على أهميته، لا يمثل نهاية المسار، بل بدايته. فالأمن القادر على وقف الحروب لا يتحول تلقائيا إلى نهضة أو استقرار مستدام، ما لم يُترجم إلى مشروع حضاري وتنموي مشترك يعيد توجيه طاقات الإقليم من الصراع إلى البناء، ومن المنافسة الصفرية إلى التعاون المنتج.
سادساً: من الأمن الإقليمي إلى الشراكة الحضارية
غير أن السؤال لا يتوقف عند حدود الأمن الإقليمي، فالأمن ليس غاية في ذاته، بل شرط ضروري لأي مشروع تاريخي أوسع. وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة النظام الإقليمي القائم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع الحروب المقبلة، بل في بناء رؤية مشتركة للمستقبل.
إن التطلع إلى فضاء حضاري مشترك لا يعني الدعوة إلى تفكيك الدول الوطنية القائمة أو القفز فوق سيادتها، بل يعني وعيا استراتيجيا بأن هذه الدول لم تعد قادرة على حماية أمنها الفردي أو تحقيق تنميتها المستقلة بمعزل عن محيطها. فالسيادة الوطنية لا تتحصن اليوم بالانكفاء وراء الحدود، بل بالقدرة على صياغة شبكات اعتماد متبادل (في الطاقة، والمياه، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا) تحول الحدود من نقاط اختناق وتوتر، إلى مساحات لقاء وشراكة.
لقد انشغل الإقليم طوال القرن الماضي بإدارة آثار التفكك الذي أعقب انهيار الإطار الحضاري الجامع، ودخوله في حقبة الاستعمار والتجزئة والصراعات البينية. وخلال هذا المسار الطويل استُنزفت طاقات العرب والفرس والترك والكرد والأمازيغ وغيرهم من المكونات التاريخية الأصيلة في نزاعات الهوية والحدود والنفوذ، بينما تراجعت قضايا التنمية والإنتاج والمعرفة والبحث العلمي والتكامل الاقتصادي إلى مراتب ثانوية.
واليوم، وبعد أن كشفت حرب غزة حدود القوة العسكرية، وحدود مشاريع الهيمنة، وحدود الرهان على الخارج في صناعة الأمن والاستقرار، يبرز سؤال تاريخي يتجاوز وقف إطلاق النار والتهدئة المؤقتة: هل تستطيع المكونات التاريخية للإقليم، بعد قرن من التفكك والصراعات والاستنزاف المتبادل، أن تنتقل من منطق التنافس والصراعات البينية إلى منطق الشراكة الحضارية في بناء المستقبل؟
إن الأمن لا يصنع نهضة، لكنه يوفر شروطها. أما النهضة فتقوم على الحرية وإطلاق طاقات الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد، واحترام التنوع، والاعتراف المتبادل بالحقوق، وبناء شبكات واسعة في مجالات الطاقة والمياه والغذاء والنقل والتكنولوجيا والبحث العلمي. فكلما ازدادت شبكات الاعتماد المتبادل بين شعوب المنطقة، ازدادت قدرتها على حماية الاستقرار وتقليل احتمالات العودة إلى الصراع.
ولذلك فإن أي نظام إقليمي جديد لن يكتب له الاستمرار إذا اقتصر على التفاهمات السياسية والأمنية أو ترتيبات توازن القوى وحدها. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأمن المستدام ينشأ عادة من تشابك المصالح الاقتصادية والمعرفية والثقافية، ومن وجود تصور مشترك للمستقبل. ولا يعني ذلك العودة إلى صيغ سياسية أو إمبراطوريات تاريخية سابقة، بل البحث عن أشكال معاصرة للتعاون والتكامل بين شعوب المنطقة ودولها، تتيح الانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق البناء، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، عبر مشروع نهضوي حضاري مشترك يربط بين الأمن والتنمية والعدالة والحرية.
سابعاً: فلسطين مدخلاً لبناء نظام إقليمي جديد
تكتسب فلسطين بعداً يتجاوز كونها قضية تحرر وطني. فكما كانت خلال القرن الماضي إحدى أهم بؤر التوتر والصراع في الإقليم، يمكن أن تصبح خلال القرن الحادي والعشرين اختباراً لقدرة شعوب المنطقة على بناء نموذج مختلف للعلاقات الإقليمية يقوم على العدالة لا الهيمنة، وعلى الشراكة لا الإقصاء، وعلى التنمية المشتركة لا الصراع الدائم.
فنجاح المنطقة في إنصاف الشعب الفلسطيني لا يمثل فقط معالجة لواحدة من أطول قضايا الظلم التاريخي المعاصر، بل قد يشكل أيضاً الخطوة الأولى في الانتقال من مرحلة مقاومة التفكك إلى مرحلة بناء أفق حضاري مشترك، يؤسس للاستقرار والازدهار.
وإذا كانت العدالة للفلسطينيين شرطاً ضرورياً للاستقرار، وإذا كان الأمن الإقليمي يمثل مقدمة لمشروع نهضوي أوسع، فإن التحدي التالي يتمثل في ترجمة هذه الرؤية إلى مستويات سياسية وإقليمية ودولية قابلة للتبلور التدريجي. إن البديل يحتاج إلى انتقال من مفهوم “إدارة الصراع” إلى مفهوم “بناء النظام الإقليمي”، عبر أربعة مستويات مترابطة:
1. المستوى الفلسطيني: إذ لا يمكن الحديث عن استقرار طويل الأمد في ظل استمرار الاحتلال والصراع المفتوح، بل عبر نيل الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة.
2. المستوى العربي: حيث يتطلب بناء التوازن الإقليمي وجود فضاء عربي أكثر قدرة على الفعل والتنسيق وحماية مصالحه الاستراتيجية المشتركة، ليكون رافعة أساسية للنظام الجديد.
3. المستوى الإقليمي: من خلال تطوير أطر تفاهم وتعاون بين المكونات التاريخية الأساسية (العرب، الترك، الفرس، الكرد)، لا هيمنة فيه لطرف على حساب الآخرين، بما يحد من الصراعات البينية ويعزز الشراكة.
4. المستوى الدولي: عبر الانتقال من منطق إدارة الأزمات الخارجية واستثمارها، إلى دعم نظام إقليمي أكثر استقلالاً وقدرة على تنظيم شؤونه وفق مصالح شعوبه الأصيلة.
إن صياغة هذه القواعد المشتركة ليست دعوة طوباوية للتآخي، بل هي مسار تفاوضي تفرضه البراغماتية السياسية، حيث يتطلب الانتقال إلى هذا النظام الجديد الانتقال تدريجيا من 'توازن الرعب الصاروخي' إلى 'توازن المصالح الجيواقتصادية.
والآلية العملية هنا تكمن في 'مأسسة حوار إقليمي مستدام، (يجمع الدبلوماسية الرسمية بالمسارات الفكرية والأمنية غير الرسمية) يسعى لتفكيك بؤر النزاع ملفا تلو الآخر، عبر تحويل النفوذ العسكري المكلف لكل طرف إلى نفوذ اقتصادي وتنموي شرعي ومقبول من المحيط، وبما يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة حيوية مباشرة لحفظ الأمن الداخلي في طهران وأنقرة والعواصم العربية على حد سواء.
وربما لا يكون السؤال الأهم بعد هذه الحرب: كيف نوقف الصراع؟ بل كيف نحول الصمود والتحرر والاستقلال إلى مشروع نهضوي إنساني ومعرفي وتنموي، يسمح لشعوب المنطقة بالانتقال من قرن من التنافس والاستنزاف إلى قرن من الشراكة والبناء المشترك.
فالأفكار الكبرى التي أعادت تشكيل الأقاليم والحضارات عبر التاريخ لم تبدأ بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بدأت غالبا بإعادة تعريف الأسئلة التي تطرحها المجتمعات على نفسها، وبقدرتها على تخيل مستقبل مختلف عن ذلك الذي فرضته الصراعات الموروثة.
وهنا تبرز مسؤولية المفكرين والمثقفين والنخب السياسية والاجتماعية في الإسهام ببلورة الأسس الفكرية والمؤسسية لهذا التحول التاريخي، بما يفتح المجال أمام إعادة بناء الإقليم على قاعدة العدالة والمساواة والتعاون والتنمية المستدامة.
وربما لا تكمن أهمية المرحلة الراهنة في أنها تفتح باباً لإنهاء حرب، بل في أنها تكشف أن الإقليم قد وصل إلى لحظة تاريخية لم يعد فيها ممكنا الفصل بين الأمن والعدالة، ولا بين الاستقرار وإعادة تأسيس شروطه. فالمستقبل هنا لا يُنتظر داخل النظام القائم، بل يُعاد تعريفه من خارج منطق هذا النظام نفسه.
غانية ملحيس
13/6/2026
يتناول هذا المقال التحولات العميقة التي شهدها الشرق الأوسط منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الحرب المتواصلة على غزة لم تكن مجرد مواجهة فلسطينية - إسرائيلية، بل شكلت نقطة انعطاف كشفت حدود النموذج الأمني والإقليمي الذي حكم المنطقة طوال العقود الماضية. فامتداد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ووصوله إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، أظهر أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا قابلا للعزل أو التهميش، بل ظلت عاملا بنيويا مؤثرا في استقرار الإقليم ومستقبله.
وينطلق المقال من قراءة تاريخية ترى أن النظام الإقليمي الذي تشكل خلال القرن العشرين قام على إدارة الصراع أكثر مما قام على معالجة أسبابه، مستندا إلى موازين قوة غير متكافئة، وإلى دور مركزي لإسرائيل في الاستراتيجية الغربية تجاه المنطقة. وقد أظهرت الحرب أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار مستدام، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية أسهم في إعادة إنتاج دورات متكررة من العنف وعدم الاستقرار.
كما يناقش المقال حدود المقاربة الأمنية التقليدية القائمة على القواعد العسكرية والتحالفات الخارجية، والتي لم تنجح في منع تفجر الأزمات أو حماية الإقليم من الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وفي المقابل، يدعو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي انطلاقا من مصالح شعوب المنطقة ومكوناتها التاريخية الأساسية، بما يشمل العرب والترك والفرس والكرد، عبر صيغ تعاون وتوازن تقلل من الاعتماد على التدخلات الخارجية وتحد من الصراعات البينية.
ويرى المقال أن أي نظام إقليمي جديد لن يكون قابلا للاستمرار إذا اقتصر على التفاهمات الأمنية وحدها، بل ينبغي أن يرتبط بمشروع حضاري ونهضوي أوسع يقوم على التنمية المستدامة، وإنتاج المعرفة، والتكامل الاقتصادي، واحترام التنوع والحقوق المتساوية. وفي هذا السياق، تكتسب فلسطين بعدا يتجاوز كونها قضية تحرر وطني، لتغدو مدخلا لإعادة تأسيس الإقليم على أسس جديدة تربط بين العدالة والأمن والتنمية.
ويخلص المقال إلى أن التحدي المركزي لا يتمثل فقط في إنهاء الحروب أو إدارة الأزمات، بل في الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق بناء نظام إقليمي جديد، قادر على تحويل الصمود والتحرر والاستقلال إلى مشروع إنساني ومعرفي وتنموي يفتح أمام شعوب المنطقة أفقا جديدا للتعاون والاستقرار والازدهار.
المقال الكامل: فلسطين وإعادة تأسيس الإقليم: من إدارة الصراع إلى بناء نظام إقليمي جديد
منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التحولات العميقة. فحرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية والمتواصلة للعام الثالث على التوالي، لم تبقَ محصورة في حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تحولت تدريجيا إلى انفجار إقليمي واسع، كشف هشاشة منظومة الأمن التي حكمت المنطقة خلال العقود الثمانية الماضية.
لقد امتد الصراع إلى لبنان وسوريا والعراق واليمن، ثم وصل إلى مستوى المواجهة المباشرة مع إيران، واتسعت تداعياته لتشمل دول الخليج والأردن، بما حملته من مخاطر أمنية واقتصادية وسياسية. وهكذا تبدو المنطقة وكأنها انتقلت من مرحلة الصراعات غير المباشرة، إلى مرحلة بات فيها احتمال الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة أكثر حضورا في التقديرات الاستراتيجية.
وفي ظل الحديث عن مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بوقف إطلاق النار لمدة ستين يوما، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الهدنة: هل نحن أمام مجرد استراحة جديدة لإدارة الصراع الممتد، أم أمام فرصة لإعادة التفكير في طبيعة النظام الإقليمي نفسه؟
غير أن هذا السؤال لا يتعلق بتفاصيل المرحلة الانتقالية وحدود التهدئة، بل يمسّ بنية النظام الإقليمي نفسه كما تشكّل خلال القرن الماضي. فالمسألة لم تعد مرتبطة بإدارة صراع قائم، بل بمدى قابلية الإقليم للاستمرار وفق قواعده الحالية.
وإذا ثبت أن هذه القواعد لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسة فقط، بل أمام أزمة نموذج تاريخي كامل يحتاج إلى إعادة تأسيس، لا إلى إعادة ترميم.
أولا: انفجار الإقليم وتغير الوعي السياسي
كشفت الحرب أن القضية الفلسطينية لم تكن ملفا منفصلا يمكن عزله عن محيطه العربي والإقليمي والدولي. هذه الفرضية لا يمكن فهمها فقط من خلال الأحداث الراهنة، بل تتطلب العودة إلى مسار تاريخي أطول. فالمحاولات الممتدة على مدى أكثر من قرن لإعادة هندسة المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة، عبر فرض تجزئة قسرية حوّلت الكيانات القومية والقطرية الناشئة إلى جزر معزولة ومجرد أدوات في صراع المحاور، بدلا من أن تكون لبنات في فضاء حضاري متكامل. ورافق ذلك استثناء القومية الكردية وتوزيع أراضيها بين المكونات الأصيلة التركية والفارسية والعربية، واستبدال فلسطين التي تتموضع في مركز الوصل الجغرافي والديموغرافي والحضاري، بكيان استيطاني إحلالي يمثل أداة وظيفية للمشروع الاستعماري الغربي. والسعي بعد إقامة هذا الكيان عام 1948 إلى تهميش القضية الفلسطينية وإعادة ترتيب المنطقة على أساس التعاون الأمني والاقتصادي بين إسرائيل ودول الإقليم، بدا أنه نجح - رغم ما تخللها من انفجارات متتالية أمكن السيطرة عليها- في بناء استقرار هش على مدى العقود الماضية عبر استراتيجية "إدارة الصراع".
غير أن التطورات المتسارعة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعادت وضع فلسطين في مركز المشهد.
ومع هذا الاتساع الجغرافي للصراع، لم يعد بالإمكان التعامل معه كحالات منفصلة، بل كجزء من تحول بنيوي في الإقليم. ومن هنا، يمكن الانتقال إلى مستوى أكثر عمقا يتعلق بتأثير هذا التحول على طبيعة القضية الفلسطينية نفسها.
لقد أظهر حجم إبادة الإنسان والعمران في قطاع غزة، المنقولة وقائعها بالبث الحي وشاهدها الناس على امتداد الكرة الأرضية، أن القضية الفلسطينية لم تفقد قدرتها على التأثير، بل إن مواصلة تجاهلها أدى إلى انفجار تناقضات عميقة داخل النظام الإقليمي والعالمي.
وما جرى في قطاع غزة لم يعد مجرد حرب موضع خلاف سياسي، بل أصبح موضوعا أمام مؤسسات العدالة الدولية، بعد نظر محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة باتفاقية منع الإبادة، واتخاذها تدابير مؤقتة، وبعد تحرك المحكمة الجنائية الدولية في ملف الجرائم المرتبطة بالحرب، رغم محاولات الالتفاف والتأجيل والمماطلة تحت طائلة التهديد والعقاب والتشهير. ما يشير إلى أن القضية الفلسطينية عادت لتفرض نفسها، ليس فقط كقضية شعب واقع تحت الاحتلال، بل كعامل مؤثر في مستقبل النظام الإقليمي والعلاقات الدولية.
ثانيا: إسرائيل ومأزق الأمن الإقليمي
أظهرت الحرب المتنقلة المتواصلة للعام الثالث على التوالي مجددا مركزية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية والغربية تجاه المنطقة العربية - الإسلامية، حيث بقي الدعم العسكري والأمني والاستخباراتي والقانوني والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي لإسرائيل وحروبها التوسعية، عنصرا أساسيا في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية وعموم الغرب للصراع.
وفي ضوء هذا الواقع، يبرز سؤال يتجاوز توصيف ميزان القوى الحالي إلى طبيعة إمكانية بناء أمن مستقر في الإقليم. فقد أنتج هذا الواقع سؤالا إقليميا واسعا: هل يمكن بناء أمن مستقر في منطقة تقوم فيها موازين القوة على محو واجتثاث الشعب الفلسطيني، والتوسع الإسرائيلي في المحيط العربي، وتفوق إسرائيل وانفرادها بامتلاك السلاح النووي، بينما تبقى دول وشعوب المنطقة الأخرى أمام نتائج الصراع؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام قراءة أعمق، تتجاوز سياسات الحكومات إلى طبيعة البنية التي يقوم عليها الصراع نفسه. وبحسب قراءات سياسية وشعبية واسعة في المنطقة، فإن المشكلة لا ترتبط فقط بسياسات حكومات إسرائيل المتعاقبة: اليسارية واليمينية، العلمانية والمسيانية،
بل بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، باعتباره مشروعا استعماريا مغلقا عقديّا ومفتوحا زمنيّا، وما يترتب عليه من صراع طويل مع الشعب الفلسطيني ومحيطه العربي - الإسلامي.
ومن هنا فإن معظم التصورات حول استقرار وسلام إقليمي تتطلب معالجة جذور الصراع، وليس فقط إدارة تداعياته.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة لأن تجارب العقود الماضية أظهرت أن التفوق العسكري، مهما بلغ حجمه، لا يكفي وحده لإنتاج شرعية سياسية أو استقرار طويل الأمد. فالقوة تستطيع فرض الوقائع لفترات متفاوتة، لكنها تعجز عن إنهاء الصراعات التي ترتبط بالحقوق التاريخية والهوية والعدالة. ولذلك فإن أي تصور لأمن إقليمي مستدام لا بد أن يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة سياسية وتاريخية وحقوقية، وليست مجرد ملف أمني أو إنساني قابل للإدارة.
ثالثا: نهاية وهم الأمن عبر القواعد العسكرية
خلال العقود الماضية التي سادت فيها الصراعات البينية، أصبحت المنطقة تضم شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأمريكية والأوروبية، على أساس أنها أدوات لحماية الاستقرار وردع التهديدات التي تواجهها الدول القائمة، والتي تم استحداث حدودها بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار وتفكيك دولة الخلافة الإسلامية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر تساؤلات حول مدى فعالية هذا النموذج في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
إذ فرضت تجربة السنوات الأخيرة مراجعة عميقة لهذا المفهوم. فوجود هذه القواعد لم يمنع تفجر الصراعات وتوسعها، ولم يوفر الحماية والأمن والاستقرار للدول والأنظمة والشعوب، ولم يحل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إذ تبين أن أولويتها الأولى حماية إسرائيل، وجعل بعض الأقطار العربية نفسها ساحة للصراع الإقليمي والدولي وجزءا من صراع المحاور، خصوصا مع استهداف القواعد العسكرية والمصالح المرتبطة بالقوى الخارجية في الحرب الممتدة على إيران وفلسطين ولبنان واليمن.
كما أن تهديد طرق التجارة والطاقة، بما فيها المخاطر المرتبطة بممرات استراتيجية مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، أظهر أن عسكرة المنطقة لا تعني بالضرورة تحقيق الأمن، بل قد تكون أحيانا أحد أسباب هشاشته، ما يفرض إعادة النظر في الفرضية التي تقوم عليها فكرة الأمن العسكري الخارجي في الإقليم.
رابعا: العالم العربي بين صراعات القوى الكبرى والقوى الإقليمية
منذ مطلع الألفية الثالثة، تحولت أجزاء واسعة من العالم العربي إلى ساحة تنافس بين مشاريع مختلفة:
مشروع تقوده الولايات المتحدة، وإسرائيل، والغرب، وحلفاؤهما.
مشروع تقوده إيران والقوى المرتبطة بها.
مشروع تقوده تركيا.
ومع تزايد هذا التعدد في المشاريع الإقليمية، بدأت تتضح آثار هذا التنافس على البنية العامة للنظام في الإقليم.
وقد كشف هذا التنافس أزمة أعمق: أن الدول العربية فرادى وجماعة تفتقر إلى إطار أمني فاعل، وأن الإقليم العربي - الإسلامي يفتقر إلى مظلّة أمنية نابعة من مكوناته الأصيلة. ويفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في طبيعة الأطراف الفاعلة في عموم الإقليم، ودور المكونات التاريخية في تشكيله.
فالعرب والترك والفرس والكرد ليسوا مجرد أطراف في صراع دولي، بل هم المكونات التاريخية الأساسية للإقليم، وأي نظام إقليمي قابل للاستمرار يحتاج إلى مشاركة هذه المكونات في صياغة قواعده وتوازناته الأساسية.
لقد أظهرت التجارب التاريخية، أن استبعاد أي من المكونات الرئيسية للإقليم من ترتيبات الأمن والاستقرار يؤدي غالبا إلى إنتاج دورات جديدة من التوتر والعنف، ويتيح الفرص للاختراقات الخارجية. فالنظام الإقليمي القابل للاستمرار لا يقوم على الغلبة الدائمة لطرف على آخر، بل على إيجاد صيغ توازن وتعاون تسمح بإدارة المصالح المتباينة ضمن إطار يحول دون تحول الاختلافات الطبيعية إلى صراعات مفتوحة.
خامساً: هل تشكل الهدنة المرتقبة فرصة لإعادة تعريف الأمن الإقليمي؟
إذا تحولت مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية إلى وقف فعلي للتصعيد، فإن قيمتها الحقيقية لا تكون في تجميد المواجهة فقط، بل في فتح نافذة سياسية لإعادة التفكير. فالمنطقة تحتاج إلى الانتقال من مفهوم “إدارة الصراع” إلى مفهوم “بناء الأمن”. وهذا يتطلب:
٠ فهم دقيق لطبيعة الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، الذي لا تقتصر أخطاره على فلسطين وجوارها اللبناني والسوري فحسب، بل تطال عموم الإقليم العربي - الإسلامي.
٠ مراجعة نقدية شاملة لسياسات وسلوكيات المكونات الإقليمية الأصيلة، وحوارا صريحا حول تجارب الماضي وما خلفته من ندوب عميقة، زادت من الصدوع البينية، وحرفت الأنظار عن الأخطار الحقيقية، وأثارت الشكوك والمخاوف المتبادلة، وسمحت بالاختراقات الخارجية ما حول الإقليم إلى ساحة للتنافس الدولي على القيادة والنفوذ، وأضعف المناعة الفردية والجماعية، وعطل التنمية لشعوب ودول المنطقة.
٠ مراجعة مقاربات الأمن الصفرية لدى بعض القوى الإقليمية، بما فيها سياسات النفوذ والتمدد (تحديدا إيران وتركيا)، التي أنتجت بدورها ردود فعل مقابلة. فالاستراتيجيات الراهنة القائمة على "التمدد النفوذي" أو "الحروب بالوكالة" -وإن بدت في حقبة التفكك كأدوات دفاعية لحفظ الأمن القومي لتلك الدول- قد وصلت اليوم إلى نقطة الإنهاك الاستراتيجي الذاتي وعطلت نموها الداخلي. وبناء على ذلك، فإن الآلية الحقيقية للكف عن استخدام الأراضي العربية كساحات حرب بالوكالة لا تبدأ بالمواعظ الأخلاقية، بل بصياغة "مقايضة استراتيجية كبرى" تقوم على "الأمن المشترك والتعاوني": حيث تتعهد القوى الإقليمية بإنهاء أدوات التدخل، مقابل بناء شبكة أمان إقليمية جماعية تضمن مصالحها الحيوية، وترفع عنها هواجس الحصار أو الاختراق الخارجي.
ويمكن القول إن الأمن الحقيقي لا يرتبط فقط بتوازن الصواريخ والقواعد، بل أيضاً بالاعتراف المتبادل بالحقوق المتساوية لشعوب المنطقة، وتوازن المصالح.
غير أن بناء الأمن، على أهميته، لا يمثل نهاية المسار، بل بدايته. فالأمن القادر على وقف الحروب لا يتحول تلقائيا إلى نهضة أو استقرار مستدام، ما لم يُترجم إلى مشروع حضاري وتنموي مشترك يعيد توجيه طاقات الإقليم من الصراع إلى البناء، ومن المنافسة الصفرية إلى التعاون المنتج.
سادساً: من الأمن الإقليمي إلى الشراكة الحضارية
غير أن السؤال لا يتوقف عند حدود الأمن الإقليمي، فالأمن ليس غاية في ذاته، بل شرط ضروري لأي مشروع تاريخي أوسع. وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة النظام الإقليمي القائم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في منع الحروب المقبلة، بل في بناء رؤية مشتركة للمستقبل.
إن التطلع إلى فضاء حضاري مشترك لا يعني الدعوة إلى تفكيك الدول الوطنية القائمة أو القفز فوق سيادتها، بل يعني وعيا استراتيجيا بأن هذه الدول لم تعد قادرة على حماية أمنها الفردي أو تحقيق تنميتها المستقلة بمعزل عن محيطها. فالسيادة الوطنية لا تتحصن اليوم بالانكفاء وراء الحدود، بل بالقدرة على صياغة شبكات اعتماد متبادل (في الطاقة، والمياه، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا) تحول الحدود من نقاط اختناق وتوتر، إلى مساحات لقاء وشراكة.
لقد انشغل الإقليم طوال القرن الماضي بإدارة آثار التفكك الذي أعقب انهيار الإطار الحضاري الجامع، ودخوله في حقبة الاستعمار والتجزئة والصراعات البينية. وخلال هذا المسار الطويل استُنزفت طاقات العرب والفرس والترك والكرد والأمازيغ وغيرهم من المكونات التاريخية الأصيلة في نزاعات الهوية والحدود والنفوذ، بينما تراجعت قضايا التنمية والإنتاج والمعرفة والبحث العلمي والتكامل الاقتصادي إلى مراتب ثانوية.
واليوم، وبعد أن كشفت حرب غزة حدود القوة العسكرية، وحدود مشاريع الهيمنة، وحدود الرهان على الخارج في صناعة الأمن والاستقرار، يبرز سؤال تاريخي يتجاوز وقف إطلاق النار والتهدئة المؤقتة: هل تستطيع المكونات التاريخية للإقليم، بعد قرن من التفكك والصراعات والاستنزاف المتبادل، أن تنتقل من منطق التنافس والصراعات البينية إلى منطق الشراكة الحضارية في بناء المستقبل؟
إن الأمن لا يصنع نهضة، لكنه يوفر شروطها. أما النهضة فتقوم على الحرية وإطلاق طاقات الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد، واحترام التنوع، والاعتراف المتبادل بالحقوق، وبناء شبكات واسعة في مجالات الطاقة والمياه والغذاء والنقل والتكنولوجيا والبحث العلمي. فكلما ازدادت شبكات الاعتماد المتبادل بين شعوب المنطقة، ازدادت قدرتها على حماية الاستقرار وتقليل احتمالات العودة إلى الصراع.
ولذلك فإن أي نظام إقليمي جديد لن يكتب له الاستمرار إذا اقتصر على التفاهمات السياسية والأمنية أو ترتيبات توازن القوى وحدها. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأمن المستدام ينشأ عادة من تشابك المصالح الاقتصادية والمعرفية والثقافية، ومن وجود تصور مشترك للمستقبل. ولا يعني ذلك العودة إلى صيغ سياسية أو إمبراطوريات تاريخية سابقة، بل البحث عن أشكال معاصرة للتعاون والتكامل بين شعوب المنطقة ودولها، تتيح الانتقال من منطق الاستنزاف إلى منطق البناء، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص، عبر مشروع نهضوي حضاري مشترك يربط بين الأمن والتنمية والعدالة والحرية.
سابعاً: فلسطين مدخلاً لبناء نظام إقليمي جديد
تكتسب فلسطين بعداً يتجاوز كونها قضية تحرر وطني. فكما كانت خلال القرن الماضي إحدى أهم بؤر التوتر والصراع في الإقليم، يمكن أن تصبح خلال القرن الحادي والعشرين اختباراً لقدرة شعوب المنطقة على بناء نموذج مختلف للعلاقات الإقليمية يقوم على العدالة لا الهيمنة، وعلى الشراكة لا الإقصاء، وعلى التنمية المشتركة لا الصراع الدائم.
فنجاح المنطقة في إنصاف الشعب الفلسطيني لا يمثل فقط معالجة لواحدة من أطول قضايا الظلم التاريخي المعاصر، بل قد يشكل أيضاً الخطوة الأولى في الانتقال من مرحلة مقاومة التفكك إلى مرحلة بناء أفق حضاري مشترك، يؤسس للاستقرار والازدهار.
وإذا كانت العدالة للفلسطينيين شرطاً ضرورياً للاستقرار، وإذا كان الأمن الإقليمي يمثل مقدمة لمشروع نهضوي أوسع، فإن التحدي التالي يتمثل في ترجمة هذه الرؤية إلى مستويات سياسية وإقليمية ودولية قابلة للتبلور التدريجي. إن البديل يحتاج إلى انتقال من مفهوم “إدارة الصراع” إلى مفهوم “بناء النظام الإقليمي”، عبر أربعة مستويات مترابطة:
1. المستوى الفلسطيني: إذ لا يمكن الحديث عن استقرار طويل الأمد في ظل استمرار الاحتلال والصراع المفتوح، بل عبر نيل الشعب الفلسطيني حقوقه الكاملة.
2. المستوى العربي: حيث يتطلب بناء التوازن الإقليمي وجود فضاء عربي أكثر قدرة على الفعل والتنسيق وحماية مصالحه الاستراتيجية المشتركة، ليكون رافعة أساسية للنظام الجديد.
3. المستوى الإقليمي: من خلال تطوير أطر تفاهم وتعاون بين المكونات التاريخية الأساسية (العرب، الترك، الفرس، الكرد)، لا هيمنة فيه لطرف على حساب الآخرين، بما يحد من الصراعات البينية ويعزز الشراكة.
4. المستوى الدولي: عبر الانتقال من منطق إدارة الأزمات الخارجية واستثمارها، إلى دعم نظام إقليمي أكثر استقلالاً وقدرة على تنظيم شؤونه وفق مصالح شعوبه الأصيلة.
إن صياغة هذه القواعد المشتركة ليست دعوة طوباوية للتآخي، بل هي مسار تفاوضي تفرضه البراغماتية السياسية، حيث يتطلب الانتقال إلى هذا النظام الجديد الانتقال تدريجيا من 'توازن الرعب الصاروخي' إلى 'توازن المصالح الجيواقتصادية.
والآلية العملية هنا تكمن في 'مأسسة حوار إقليمي مستدام، (يجمع الدبلوماسية الرسمية بالمسارات الفكرية والأمنية غير الرسمية) يسعى لتفكيك بؤر النزاع ملفا تلو الآخر، عبر تحويل النفوذ العسكري المكلف لكل طرف إلى نفوذ اقتصادي وتنموي شرعي ومقبول من المحيط، وبما يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة حيوية مباشرة لحفظ الأمن الداخلي في طهران وأنقرة والعواصم العربية على حد سواء.
وربما لا يكون السؤال الأهم بعد هذه الحرب: كيف نوقف الصراع؟ بل كيف نحول الصمود والتحرر والاستقلال إلى مشروع نهضوي إنساني ومعرفي وتنموي، يسمح لشعوب المنطقة بالانتقال من قرن من التنافس والاستنزاف إلى قرن من الشراكة والبناء المشترك.
فالأفكار الكبرى التي أعادت تشكيل الأقاليم والحضارات عبر التاريخ لم تبدأ بالاتفاقات السياسية وحدها، بل بدأت غالبا بإعادة تعريف الأسئلة التي تطرحها المجتمعات على نفسها، وبقدرتها على تخيل مستقبل مختلف عن ذلك الذي فرضته الصراعات الموروثة.
وهنا تبرز مسؤولية المفكرين والمثقفين والنخب السياسية والاجتماعية في الإسهام ببلورة الأسس الفكرية والمؤسسية لهذا التحول التاريخي، بما يفتح المجال أمام إعادة بناء الإقليم على قاعدة العدالة والمساواة والتعاون والتنمية المستدامة.
وربما لا تكمن أهمية المرحلة الراهنة في أنها تفتح باباً لإنهاء حرب، بل في أنها تكشف أن الإقليم قد وصل إلى لحظة تاريخية لم يعد فيها ممكنا الفصل بين الأمن والعدالة، ولا بين الاستقرار وإعادة تأسيس شروطه. فالمستقبل هنا لا يُنتظر داخل النظام القائم، بل يُعاد تعريفه من خارج منطق هذا النظام نفسه.
غانية ملحيس
13/6/2026