عندما نقول إن بلدًا ما بلدٌ ديمقراطي، فالمقصود هو أن هذا البلدِ تتوفر فيه شروط الديمقراطية الآتِية التي يمكن تلخيصُها، أولا، في سيادة الشعب، أي حُكمُ الشعب نفسَه بنفسه عن طريق الانتخابات والتمثيلية البرلمانية la représentativité parlementaire، وثانيًا، في احترامٍ تامٍّ لحقوق الإنسان ولدولة الحق والقانون وثالثًا، في تبنِّي لتًّعدُّدية الحزبية.
الانتخابات يجب أن تكونَ نزيهة probes وشفافة transparentes، والمواطن له الحق في أن يختار، من بين مرسَّحين ينتمون لأحزابٍ مختلِفة، مَن سيمثِّله أحسن تمثيلٍ، عبر اقتراعٍ suffrage حر وسري. وعندما يبلغ حزبٌ سياسي أو تآلفٌ حزبي، كراسي السلطة، فإنه يصبح مُمثِّلا للشعب برمَّتِه، علما أن الأغلبيةَ البرلمانية تُقابلُها مُعارضةٌ لها الحق في التعبير عن آرائها، كما لها الحق في انتقادِ الأغلبية وانتقاد السياسات العمومية الحكومية وتقديم بدائلٍ لهذه السياسات.
بالإضافة إلى هذه الاعتبارات، فإن الديمقراطية تتطلَّب أن لا يكونَ الحكم مُركَّزا بين يدي فردٍ واحد، يصول وبجول فيه. بل الديمقراطية تتطلَّب فصلَ السلط، أي الفصلَ بين السلطة التشريعية والتَّنفيذية والقضائية ليسودَ بينها توازنٌ، كي لا تطغى إحداهما على الأخريات، وبالتالي، يعمُّ الظلمُ l'injustice وتنتفي المساواة وعدم الإنصاف.
وهذا هو ماتتطلَّبه الديمقراطية في دولة الحقِّ والقانون، إذ يعتبر المواطنون (رجالاً ونساءً) متساوين أمام القانون، أي دون تمييزّ له علاقة بالعِرق أو الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين… وعلى ذكر الدين، كل مواطنٍ له الحقُّ، كذلك، في اختيار العقيدة التي تناسب توجهاتِه الفكرية، كما له الحق في ممارسة الطقوسِ الدينية المُتعلِّقة بهذه العقيدة.
أما إذا كان بلدٌ ما غير ديمقراطي، فإن الشروط المشار إليها أعلاه، لا تتوفَّر فيه، وبالتالي، فالحكمُ، إما مركَّز بين يدٍ واحدة ككوريا الشمالية، وإما مركَّز بين يدي طغمة عسكرية une junte militaire، كما هو الشأن في بعض البلدان الإفريقية، كمالي والنِّيجر والسودان، وإما الحكم مركَّزٌ بين يدي طغمة عسكرية وله واجهة مدنية وصلت إلى السلطة بوسائل تُحاكي الديمقراطية وتسير بتوجيهات العسكر، كما هو الشأن في الجزائر وفنيزويلا.
بعد هذه التوضيحات، سأُجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل بلدُنا بلدٌ ديمقراطي أم غير ديمقراطي". أن نقولَ إن بلدَنا بلدٌ ديمقراطي مائة بالمائة، فهذا غير صحيح. أن نقولَ إن بلدنا غير ديمقراطي، فهذا، كذلك غير صحيح. لنقول إن بلدَنا في مرحلة انتقالٍ ديمقراطي transition démocratique، فهذا صحيح. وهذا يعني أن تصنيفَ بلدَنا في خانة البلدان غير الديمقراطية، غير صحيح.
وما جعل ويجعل بلدَنا مُصنَّفا في خانة البلدان السَّائرة نحو الديمقراطية، منذ ما يزيد عن عشرين سنة، وبالضبط، منذ اعتلاءِ جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية، مُعطيات كثيرة، أذكر من بينها، ما يلي :
1.في الحقيقة، إن مرحلة الانتقال الديمقراطي بدأت مع جلالة الملك الراحل، الحسن الثاني حين قرَّرَ التَّناوبَ على السلطة l'alternance gouvernementale.
2.بلدُنا بدأ يتخلى، فعليا وتدريجيًا، عن نظام الحكم السلطوي système de gouvernement autoritaire الذي كان سائدا في عهد الحسن الثاني، ليسيرَ، بخطى ثابتة نحو الديمقراطية.
3.وبوادر les signes هذا التخلي عن نظام الحكم السلطوي كثيرة، وصانٍعها هو صاحب الجلالة، محمد السادس إذ قرَّر، في هذا الشأن، تجديدَ مفهوم السلطة وإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة l'instance d'équité et de réconciliation لمحو الأضرار والآثار النفسية التي خلفتها سنوات الرصاص التي كانت سائدةً في عهد الحسن الثاني. كما قرَّر إصلاح الحقل الديني la réforme du champ religieux، وإصلاح مُدوَّنة الأسرة le code de la famille مرَّتين، سنة 2004 و2023، والاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية، والاعتراف بالثقافة الأمازيغية كتراث يملكه جميع المغاربة، وإرساء الحماية الاجتماعية، بما فيها التغطية الصحية والتقاعد، وإنشاء هيئات ومجالس لتدعيم دولة الحق والقانون، والنِّداءات المُتكرِّرة الموجَّهة للأحزاب السياسية لتقوم بأدوارِها الدستورية، دون أن ننسى الإصلاحات الاقتصادية التي مكَّنت البلدَ من قطع أشواط مهمة في الاستثمار والتَّصنيع…
4.دستور البلد، دستورٌ، جلُّ أبوابِه وبنودِه تسير في اتِّجاه بلدٍ يطمح أن يصبحَ، يوما ما، بلدا ديمقراطيا بما للكلمة من معنى نبيل. ومن بين مستجدات هذا الدستور انتقال رئاسة الحكومة من "وزير أول" إلى "رئيس الحكومة" مع توسيع صلاحياتِه ses prérogatives، مع فصلٍ واضحٍ للسلط، وعلى رأسها، استقلال القضاء، ولو أن هذا الاستِقلال مُخالفٌ لواقع الأحكام الصادرة عن الهيئة القضائية.
وفي ختام هذه المقالة، أقول إن بلدَنا، المغرب، سائرٌ، بكل تأكيدٍ، نحو الديمقراطية. لكن الديمقراطية تتطلَّب أن تكون جميع مؤسسات الدولة المغربية toutes les institutions de l'État marocain, هي نفسُها، ديمقراطية. وحتى تكون هذه المؤسسات دبمقراطيةً، يجب تغيير عقليات البشر الذين يُشرفون عليها، أي يجب بناء الإنسان المغربي بناءً يليق بالديمقراطية. وأهم مؤسسة يجب أن تستجيب لمفهوم الديمقراطية وتتناغم معه، هي المنظومة التربوية التي لا تزال في حاجةٍ إلى أكثر من إصلاحٍ. تحتاج إلى إرادة سياسية قوية، أي إلى مواجهة العقليات الفاسِدة والمُفسِدة.
الانتخابات يجب أن تكونَ نزيهة probes وشفافة transparentes، والمواطن له الحق في أن يختار، من بين مرسَّحين ينتمون لأحزابٍ مختلِفة، مَن سيمثِّله أحسن تمثيلٍ، عبر اقتراعٍ suffrage حر وسري. وعندما يبلغ حزبٌ سياسي أو تآلفٌ حزبي، كراسي السلطة، فإنه يصبح مُمثِّلا للشعب برمَّتِه، علما أن الأغلبيةَ البرلمانية تُقابلُها مُعارضةٌ لها الحق في التعبير عن آرائها، كما لها الحق في انتقادِ الأغلبية وانتقاد السياسات العمومية الحكومية وتقديم بدائلٍ لهذه السياسات.
بالإضافة إلى هذه الاعتبارات، فإن الديمقراطية تتطلَّب أن لا يكونَ الحكم مُركَّزا بين يدي فردٍ واحد، يصول وبجول فيه. بل الديمقراطية تتطلَّب فصلَ السلط، أي الفصلَ بين السلطة التشريعية والتَّنفيذية والقضائية ليسودَ بينها توازنٌ، كي لا تطغى إحداهما على الأخريات، وبالتالي، يعمُّ الظلمُ l'injustice وتنتفي المساواة وعدم الإنصاف.
وهذا هو ماتتطلَّبه الديمقراطية في دولة الحقِّ والقانون، إذ يعتبر المواطنون (رجالاً ونساءً) متساوين أمام القانون، أي دون تمييزّ له علاقة بالعِرق أو الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين… وعلى ذكر الدين، كل مواطنٍ له الحقُّ، كذلك، في اختيار العقيدة التي تناسب توجهاتِه الفكرية، كما له الحق في ممارسة الطقوسِ الدينية المُتعلِّقة بهذه العقيدة.
أما إذا كان بلدٌ ما غير ديمقراطي، فإن الشروط المشار إليها أعلاه، لا تتوفَّر فيه، وبالتالي، فالحكمُ، إما مركَّز بين يدٍ واحدة ككوريا الشمالية، وإما مركَّز بين يدي طغمة عسكرية une junte militaire، كما هو الشأن في بعض البلدان الإفريقية، كمالي والنِّيجر والسودان، وإما الحكم مركَّزٌ بين يدي طغمة عسكرية وله واجهة مدنية وصلت إلى السلطة بوسائل تُحاكي الديمقراطية وتسير بتوجيهات العسكر، كما هو الشأن في الجزائر وفنيزويلا.
بعد هذه التوضيحات، سأُجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل بلدُنا بلدٌ ديمقراطي أم غير ديمقراطي". أن نقولَ إن بلدَنا بلدٌ ديمقراطي مائة بالمائة، فهذا غير صحيح. أن نقولَ إن بلدنا غير ديمقراطي، فهذا، كذلك غير صحيح. لنقول إن بلدَنا في مرحلة انتقالٍ ديمقراطي transition démocratique، فهذا صحيح. وهذا يعني أن تصنيفَ بلدَنا في خانة البلدان غير الديمقراطية، غير صحيح.
وما جعل ويجعل بلدَنا مُصنَّفا في خانة البلدان السَّائرة نحو الديمقراطية، منذ ما يزيد عن عشرين سنة، وبالضبط، منذ اعتلاءِ جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة المغربية، مُعطيات كثيرة، أذكر من بينها، ما يلي :
1.في الحقيقة، إن مرحلة الانتقال الديمقراطي بدأت مع جلالة الملك الراحل، الحسن الثاني حين قرَّرَ التَّناوبَ على السلطة l'alternance gouvernementale.
2.بلدُنا بدأ يتخلى، فعليا وتدريجيًا، عن نظام الحكم السلطوي système de gouvernement autoritaire الذي كان سائدا في عهد الحسن الثاني، ليسيرَ، بخطى ثابتة نحو الديمقراطية.
3.وبوادر les signes هذا التخلي عن نظام الحكم السلطوي كثيرة، وصانٍعها هو صاحب الجلالة، محمد السادس إذ قرَّر، في هذا الشأن، تجديدَ مفهوم السلطة وإنشاء "هيئة الإنصاف والمصالحة l'instance d'équité et de réconciliation لمحو الأضرار والآثار النفسية التي خلفتها سنوات الرصاص التي كانت سائدةً في عهد الحسن الثاني. كما قرَّر إصلاح الحقل الديني la réforme du champ religieux، وإصلاح مُدوَّنة الأسرة le code de la famille مرَّتين، سنة 2004 و2023، والاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية، والاعتراف بالثقافة الأمازيغية كتراث يملكه جميع المغاربة، وإرساء الحماية الاجتماعية، بما فيها التغطية الصحية والتقاعد، وإنشاء هيئات ومجالس لتدعيم دولة الحق والقانون، والنِّداءات المُتكرِّرة الموجَّهة للأحزاب السياسية لتقوم بأدوارِها الدستورية، دون أن ننسى الإصلاحات الاقتصادية التي مكَّنت البلدَ من قطع أشواط مهمة في الاستثمار والتَّصنيع…
4.دستور البلد، دستورٌ، جلُّ أبوابِه وبنودِه تسير في اتِّجاه بلدٍ يطمح أن يصبحَ، يوما ما، بلدا ديمقراطيا بما للكلمة من معنى نبيل. ومن بين مستجدات هذا الدستور انتقال رئاسة الحكومة من "وزير أول" إلى "رئيس الحكومة" مع توسيع صلاحياتِه ses prérogatives، مع فصلٍ واضحٍ للسلط، وعلى رأسها، استقلال القضاء، ولو أن هذا الاستِقلال مُخالفٌ لواقع الأحكام الصادرة عن الهيئة القضائية.
وفي ختام هذه المقالة، أقول إن بلدَنا، المغرب، سائرٌ، بكل تأكيدٍ، نحو الديمقراطية. لكن الديمقراطية تتطلَّب أن تكون جميع مؤسسات الدولة المغربية toutes les institutions de l'État marocain, هي نفسُها، ديمقراطية. وحتى تكون هذه المؤسسات دبمقراطيةً، يجب تغيير عقليات البشر الذين يُشرفون عليها، أي يجب بناء الإنسان المغربي بناءً يليق بالديمقراطية. وأهم مؤسسة يجب أن تستجيب لمفهوم الديمقراطية وتتناغم معه، هي المنظومة التربوية التي لا تزال في حاجةٍ إلى أكثر من إصلاحٍ. تحتاج إلى إرادة سياسية قوية، أي إلى مواجهة العقليات الفاسِدة والمُفسِدة.