عبد علي حسن - المتلقي العربي بين هالة الٱخر وفرادة النص

هنالك من الكتاب من يعتقد بأن المتلقي العربي منبهر بالنص الأجنبي على حساب النص المحلي بدعوى أن سياسة تسويق النص وسياسة دور النشر وأسباب أخرى تسهم في تقريب النص الأجنبي من المتلقي العربي وبالتالي تحقيق انحيازه لذلك النص وتفضيله على النص المحلي ، ولعل الامثولة المتداولة بأن مغنية الحي لاتطرب هي الأخرى تعكس مدى عدم اهتمام المتلقي العربي بالنص المحلي ، ولاشك بأن هذه الرؤية تمتلك قدراً من الصحة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الظاهرة ، فثمة بالفعل نوع من "الهالة الرمزية" التي تحيط بالنص الأجنبي لدى بعض القراء العرب، حيث يُنظر إليه بوصفه أكثر حداثة أو عمقاً أو تحرراً من القيود المحلية، وتسهم دور النشر الكبرى، والجوائز العالمية، وحركة الترجمة، والإعلام الثقافي في تكريس هذه الصورة. ومن هنا يصدق جزئياً المثل الشعبي القائل: "مطربة الحي لا تطرب"، إذ يميل بعض المتلقين إلى منح القادم من الخارج قيمة مسبقة قبل قراءته الفعلية.
لكن اختزال المسألة في العامل التسويقي وحده قد يكون ظلماً للواقع ، فثمة أسباب أخرى أكثر تعقيداً ، فالقارئ العربي كثيراً ما يلجأ إلى النص الأجنبي بحثاً عن عوالم وتجارب مختلفة، وعن أنماط سردية أو شعرية لم يألفها في بيئته الثقافية ، كما أن بعض الآداب الأجنبية راكمت تقاليد روائية وشعرية طويلة أنتجت نماذج استثنائية يصعب تجاهلها ، يضاف إلى ذلك أن المؤسسات النقدية العربية نفسها كثيراً ما أسهمت في تكريس مركزية الآخر حين جعلت الاعتراف الغربي معياراً ضمنياً للقيمة، فأصبح الكاتب العربي يحظى أحياناً باهتمام أكبر بعد ترجمته أو فوزه بجائزة دولية مما يحظى به داخل فضائه الثقافي الأصلي .
ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال مسؤولية بعض النتاج الأدبي العربي ذاته ، فالقارئ لا يهجر نصاً جيداً لمجرد أنه عربي، بل لأن جزءاً من الإنتاج الأدبي يعاني التكرار، أو استهلاك الموضوعات ذاتها، أو الارتهان لقوالب فنية فقدت قدرتها على الإدهاش ، لذلك فإن انجذاب القارئ إلى النص الأجنبي قد يكون أحياناً بحثاً عن التجديد لا عن "الأجنبية" بحد ذاتها.
ولعل الملاحظة الأهم هي أن القارئ العربي المعاصر لم يعد قارئاً منبهراً بالغرب كما كان في بعض مراحل القرن العشرين ، فالنجاح الواسع الذي حققته أعمال عربية كثيرة في العقود الأخيرة يدل على أن المتلقي مستعد للاحتفاء بالنص العربي متى وجد فيه فرادة جمالية ومعرفية ، المشكلة ليست دائماً في جنسية النص، بل في قدرته على إنتاج الدهشة وفتح أفق جديد للقراءة.
ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن القضية ليست تفضيل "النص الأجنبي" على "النص العربي"، بل تفضيل "النص المختلف" على "النص المألوف". فالقارئ، بطبيعته، ينجذب إلى ما يخرجه من دائرة الاعتياد ، وحين يعجز الأدب المحلي عن تحقيق هذه المسافة الجمالية، يصبح الخارج أكثر إغراءً ، أما حين ينجح النص العربي في إعادة اكتشاف واقعه ولغته وأشكال تعبيره، فإنه يستعيد قارئه دون حاجة إلى حملات دعائية أو شعارات ثقافية ،
لذلك أرى أن مقولة "مغنية الحي لا تطرب" تفسر جانباً نفسياً وثقافياً من الظاهرة، لكنها لا تفسرها كلها ، فالتسويق يصنع الانتباه، لكنه لا يصنع الإعجاب الدائم ، أما الذي يصنع الإعجاب الحقيقي فهو جودة النص وقدرته على أن يمنح القارئ تجربة لا يجدها في مكان آخر، سواء أكان هذا النص عربياً أم أجنبياً.

عبد علي حسن
14/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...