ليلى حسين - السقوط في تنور الوجع مع الأديبة روعة سنبل و "خبزنا الذي ننجبه"

المبدعة روعة سنبل لم تكتب نصا إبداعيا بليغا اجتماعيا نفسيا سياسيا فحسب ، بل أطلقت حمما و براكين من قلب وطن أصابه الخذلان والمهانة تحت ركام قصف غاشم أهدر معاني الإنسانية والأمومة والحياة ، فتكاتفت وتضافرت مفردات القمع لتخبز نصا شجيا .
★آلام الجسد والروح تتفاقم في عملية مخاض عسير ، رحم ينبثق بالمرارة والأسى ، ليس رحم نساء تم اغتصابهن بل رحم الأرض الكيان والملاذ و الأمان ..
تحت وابل البغي ، الأرحام مستباحة تحت وطأة تدمير الإنسانية و فرض حالات اغتصاب وحمل جماعي ، فقد سيق رجال الوطن إلى الحرب ، ليتغيبوا سنوات ، معظمهم لا يعودون أبدا ..
★هدير الأسى و الهوان و الخوف لا يتوقف★
--"تنام إحدانا ببطنٍ خاوٍ مسطّح، وتستيقظ عند منتصفِ اللّيل بحملٍ ناضج وآلامٍ لا تُحتمَل."
لم تكن الكتلة الدافئة اللزجة المنبثقة من الرحم سوى رغيفا مجهول الأب والمعالم و محض مذلة و انكسار ..
★كانت عيون الأطفال الجائعة تتطلع إلى أخيهم و يتأملونه بنهم ، فهو مجرد رغيف دافئ ، صدرت التعليمات للأم أن تمتنع عن إرضاعه ، هذا قانون جائر ضد الأمومة والإنسانية ..
صاحت القابلة :
--"ما أحلاه! انظرا كيف تتوزّع الفقاقيع السّمراء المقرمِشة على وجهه بتناسق" قالت القابلة هذا، وأكّدتْ لنا أنّ صغيري هو الرّغيف الأجمل الذي شهدتْ ولادتَه في بلدتِنا كلها "
-- ف "الأرغفةَ هبةٌ منهم، ومن عدمِ المروءةِ أن يسأل المرءُ عن تفاصيلِ الهِبات "
للمبالغة في الامتهان و الإذلال و التعاسة يتم سلب واجهاض مشاعر الأمومة..
في خلسة من ليل ، الأم تضم الوليد الباكي وتمنحه حليبها المتدفق ، تشبعه رضعات متتالية تخترق بها القانون الجائر ، فقد فشلت في كبح جموح أمومتها ، حتى يكتشف أمرها ، فتحمله على كفيها استعدادا للعقاب كمن تحمل كفنها وتمثل للمحاكمة.
-- "أفهموني فيما بعد أنّ أمومتي اللّعينة هي الّتي جعلتْني ضعيفة، وأغرتني لأطيلَ عمرَ ابني"
سُلِبٓ الطفل و قد كان بكاؤه مدويا ، صار كعجينة زنخة حامضة ..
★معصوبة العينين و الإرادة تم سجن الأم في خندق مجهول أياما، يعتصرها الخوف على أطفالها ..
الظلام الحالك والوحدة وطوفان الفزع مفردات كفيلة بمصادرة الحواس و تيبس المعاني الإنسانية ..
حين أخرجت الأم من محبسها ألقيت أمامها على الأرض لفافة بيضاء ..
--"تحلّقنا حوله نتأمّله بفضول، كان خامداً يابساً كما ينبغي.
تنحنح أحدُهم، ثم قُصِف الرغيف = الوليد اليابس بحرص وقُسِمٓ إلى قطع و تم توزيعه على الجياع!"
★★في رحى الاحتلال و التخريب والخراب ، تجهض الكرامة وتدنس النفوس و تنتهك البلاد و الأجساد ..
حين يغيب الرجال يفرض الجوع سطوته والمحتلون الغاشمون يستحلون بطون النساء فتتفاقم الكارثة ..
★وطن مسلوب و رحم مغتصب و أطفال بلا روح و معالم★
في الوطن المغتصب الحليب جريمة و الملامح تهمة ..
المحتل يريد الأطفال أرغفة طائعة بلا إرادة ، ممسوخة بلا ملامح ولا ذاكرة ، يمنعون الحليب كي تطمس الهوية ، فالرضعات بصمة الكينونة و ال DNA ..
★في منطق المحتل الرحم ليس إلا وسيلة قمع وتنورا لإنتاج الأرغفة اليابسة ، بينما في منطق الحياة واليقين الرحم قوة ينطلق منها الفارس المُخْلِص النبيل ..
تتكاثر أرغفة ممسوخة بلا هوية إلى حين ، لكن الأرض الطيبة يكمن داخلها بركان ثورة وتمرد وقسم على استعادة الحلم والحياة ..
في القلوب إيمان عظيم و يقين سيقول الله للثرى : " كن " .. فيكون ،لتتخلق الأرحام من جديد لتزهر الأرض و يعود الحق ، ويأتي النصر المؤزر العزيز ..
*************
ليلى حسين Laila Hussien

خبزُنا الذي ننجبُه
"" "" روعة سنبل"" ""
"" "" "" "" "" "" "" "" "" ""
"أعيني ولَدِك" صاحتِ القابلة العجوز وهي تُخرج أصابعَها من رحمي مفتوح الفم، راحت تمسّد بدأَبٍ أسفل بطني، بينما تقلّصٌ جديدٌ يبزغ من ظهري، ويزنّر حوضي.
دون سابق تمهيدٍ وجدتُ نفسي وسط هذا المخاض العسير، يحدثُ هذا في بلدتِنا منذ أشهر- بدأ على وجه الدّقّة حين مرّت ثلاثةُ أعوامٍ كاملة على غيابِ رجالِنا الذين ساقوهم إلى الحربِ الأخيرة- تنام إحدانا ببطنٍ خاوٍ مسطّح، وتستيقظ عند منتصفِ اللّيل بحملٍ ناضج وآلامٍ لا تُحتمَل.
أثار الأمرُ ذعرَنا في البداية، ثمّ قبلناه كما نقبل هنا مع الوقت أشياء أخرى كثيرة، نعرف أنّنا جميعاً سنمرّ بهذه التّجربة يوماً، وأنّ المسألةَ مسألةُ انتظارٍ فقط، ومع ذلك فإنّ هذه المعرفة لا تخفّف من وطأةِ المفاجأة، ولا تهوّنُ من عُسرِ المخاض.
"أعيني ولَدِك ليخرج، لم يبقَ الكثير" صاحت العجوز بصوتٍ أعلى وصفعتْ فخذي العاري، كانت آلام الطلق عنيفةً لحظتها، صرختُ بصوتٍ أقرب للعواء، ودفعتُ بكلِّ ما تبقى في جسدي من قوّة، فانزلقتْ من فَرْجي كتلةٌ دافئة، سكَنَ كلّ شيءٍ لبرهة، آلامي وصوتُ أنفاسِ القابلة، وتمتماتُ أمّي التي كانت قرب رأسي طوال المخاض تبتهلُ وتدعو وتتوسّل.
"حمداً لله على السلامة" قالت القابلة وعلا بكاء وليدي، دفعتْه نحو صدري، فتغلغلتْ في أنفي رائحةُ الخبز الطّازجة الّتي تفوح منه، احتجتُ بعض الوقت قبل أن أتجرّأ وأمدَّ يدي المرتجفة لأتحسّسَ جسدَه المدوّر السّاخن الطّري، الذي ما زال ملطّخاً باللّزوجة والدّم.
"ما أحلاه! انظرا كيف تتوزّع الفقاقيع السّمراء المقرمِشة على وجهه بتناسق" قالت القابلة هذا، وأكّدتْ لنا أنّ صغيري هو الرّغيف الأجمل الذي شهدتْ ولادتَه في بلدتِنا كلها، لم يعنِ لي هذا المديح شيئاً، لكنّ البِشْرَ ظهر على وجه أمّي، منحتْ بامتنانٍ القابلةَ مبلغاً إضافياً، ثمّ فتحتْ باب الغرفة بسعادة فدخلَ أطفالي، تحلّقوا حولي وعيونهم الجائعة تتأمّل أخاهم بنهم.
"لا ترضعيه!" قالتِ القابلة محذّرة قبل أن تغادر، وكنتُ بالطّبع أعرف أنّهم منعوا الإرضاع منذ أنجبتْ أوّلُ حبلى هنا رغيفاً، أطعْناهم كعادتِنا دونَ نقاش، لكنّنا وللحقيقةِ انشغلْنا لبعضِ الوقتِ بالأسئلة السّخيفة، مثل: كيف لنا أن نحبل؟ ممّن؟ ولماذا؟ تهامسْنا بالأسئلة زمناً ولم نلبث أن صمَتْنا، فالأرغفةَ هبةٌ منهم، ومن عدمِ المروءةِ أن يسأل المرءُ عن تفاصيلِ الهِبات، ومع ذلك ما تزال بعضُ الأحاديث الخافتة تتردّد هنا وهناك، تزعم أنّه حين يبدأ بطن إحدانا بالتكوّر، وتحبل بين الوقت والآخر، فهذا يعني أنّ رجُلَها لن يعود أبداً، تذكّرتُ هذه الشّائعاتِ فارتعش قلبي، وطفَرَ الدّمعُ من عينيّ، لكنّني هششْتُ مخاوفي بعيداً عنّي، وأشغلتُ نفسي بمراقبةِ أطفالي.
***
لم أتقصّدْ أن أخالفَ قوانينَهم أو أن أتحدّى سلطتَهم، بدأ الأمر كلُّه صدفةً في اللّيلة التّالية لولادتي، استيقظتُ في منتصفِ اللّيل على صوتِ بكاءِ صغيري، ولأنّني كنتُ منهَكة، فقد ضممْتُه إلى صدري، وبشكلٍ غريزيٍّ قرّبتُ حلمتي منه، تنبّهتُ بعد لحظاتٍ إلى الخطأ الذي ارتكبتُه، لكنّ الحليب كان قد بدأ يسيلُ من ثدييَّ بغزارة، ولأنّ صغيري دون فم فقد أخذ جسدُه كلّه يغبُّ الحليبَ بشراهةِ إسفنجةٍ صغيرة، رضع ليلتَها حتّى شبع ونام.
أرضعتُه أيضاً في اليوم التّالي، مفترضةً بسبب سذاجتي، أنّ بضع رضعات صغيرةٍ كلّ يومٍ لن تضر، وفي الحقيقة فقد أفهموني فيما بعد أنّ أمومتي اللّعينة هي الّتي جعلتْني ضعيفة، وأغرتني لأطيلَ عمرَ ابني ولأضمّه إلى صدري أطول وقت ممكن.
أسبوعٌ كامل من الرّضاعة بالخفاء ولم يزدد حجم صغيري ولو عقدة إصبع، لكنّ وزنَه زاد، صوت بكائِه صار عالياً، وجسده أصبح كتلة عجينيّة، دبقة ثقيلة، لها رائحةٌ زنِخة حامضية، وتشبه وجه جنينٍ آدمي، أدركتُ حينها خطئي، وحاولتُ أن أفعل ما كان يجب فعله منذ البداية حسب تعليماتهم، أعني أن أترك الرغيف ثلاثة أيّام في الشّمس والهواء كي يصبحَ جاهزاً، لكنّني مع صوتِ بكائه المرتفع وكلِّ الحليب في جسده، أدركتُ أن الأوان قد فات.
ولأنّ لهم آذانٌ وعيونٌ كثيرة، فقد كنتُ على يقينٍ أنّهم سيعرفون قريباً، ولهذا خرجتُ بنفسي إليهم، وصلتُ السّاحة وسط المدينة أحملُ ابني بين ذراعيّ، طالبةً مساعدتَهم، وجاهزةً للعقاب الذي أستحقّه.
" انظري ماذا فعلتِ! أرضعتِه فأكسبته بذور ملامح، ومنحْتِه احتمالاتِ حياة، لقد حوّلتِه إلى مسخ" نهَرَني أحدُهم وهو يدفعني بغلظة ويأخذُ صغيري منّي، ناوله لآخر راح يتأمّله بما يشبه الخوف، ثمّ مضى به بعيداً عني، بينما عصَبَ ثالثٌ عينيّ وغلّ يديّ واقتادني إلى الأسفل.
لا أدري كم استضافوني، فالمكان عندهم مظلمٌ لم أعرف فيه ليلاً من نهار، وحيدة بين أربعة جدران تخبّطتُ باكيةً ملتاعة، ثدياي حجران ثقيلان مؤلمان، قلبي يأكله القلق على أطفالي الجائعين، ورأسي مسكونٌ بصوت بكاء طفلي، مرّ الوقت ثقيلاً لكنّني أدركتُ في النّهاية أنّهم محقّون، فالظّلمة والوحدة كانتا جيّدتين من أجلي إذ يبسَ كلّ شيء، الثّديان والعينان والرأس والقلب، وعندها شعرتُ بالرّاحة.
حين أخرجوني كان أحدُهم يحمل بين ذراعيه شيئاً ملفوفاً بالكامل بقماش أبيض، رافقوني حتى بيتي، وهناك تأكّدتُ أنّ الشّيء هو صغيري، أبعدوا أطراف القماش ووضعوا الصّغير على الأرض، تحلّقنا حوله نتأمّله بفضول، كان خامداً يابساً كما ينبغي.
تنحنح أحدُهم، ثمّ أومأ لي برأسه فناولتُهم الصّغير، قصفوه بحرصٍ إلى قطعٍ صغيرة شبه متساوية: قطعة لي، قطعة لأمي، أمّا ما تبقّى منه فقد وزّعوه على إخوته الجائعين.
بسَكينةٍ كنّا نمضغ خبزنا اليابس حين انصرفوا وأغلقوا خلفهم باب البيت بإحكام ..
"" "" "" "" "" "" ""

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...