تبدو الصورة للوهلة الأولى بسيطة.
مجموعة رجال يقفون على درجات حجرية في القدس.
بدلات أنيقة.
وجوه هادئة.
نظرات واثقة.
لا عود في الأيدي.
لا ناي.
لا كمان.
لا طبلة.
ولا شيء يوحي بأن هؤلاء الرجال كانوا يصنعون الموسيقى.
لكن السينما علمتني دائماً أن ما يحدث خارج الكادر أحياناً أهم مما يظهر داخله.
وخارج هذا الكادر تقف حكاية كاملة اسمها فلسطين.
هؤلاء ليسوا موظفين في دائرة حكومية.
ولا أعضاء وفد سياسي.
ولا وجهاء مدينة التقطوا صورة تذكارية قبل مناسبة رسمية.
هؤلاء بعض أعضاء فرقة محطة إذاعة القدس الفلسطينية خلال سنوات الانتداب البريطاني.
من بينهم يعقوب زيادة عازف العود، وتوفيق جوهرية عازف الناي وصاحب المذكرات الشهيرة عن القدس، ورامز الزاغة، ويحيى السعودي، وباسيل ثروة، وأنطون بنيامين، وأرتين السنتورجي، وجليل ركب، ومحمد عطية، وآخرون ساهموا في كتابة الصفحة الموسيقية الأجمل في تاريخ فلسطين الحديث.
أنظر إلى الصورة فأشعر أنني لا أرى فرقة موسيقية فقط.
أرى بلداً كاملاً.
أرى القدس حين كانت تستيقظ على أصوات المدارس والكنائس والمساجد والمطابع والمقاهي الثقافية والمسارح واستوديوهات الإذاعة.
أرى فلسطين التي لم تكن تنتظر اعتراف أحد بحضورها الحضاري.
كانت تصنع هذا الحضور بنفسها.
في ذلك الزمن كانت القدس تضم واحدة من أهم المحطات الإذاعية في المنطقة.
وكانت فلسطين تمتلك حركة ثقافية وتعليمية وفنية سبقت كثيراً من بلدان الجوار.
وكان الفنانون والموسيقيون جزءاً طبيعياً من المشهد العام، لا زينة توضع على الهامش ولا بنداً مؤجلاً في الموازنات.
كان هناك وعي عميق بأن الموسيقى ليست ترفاً.
وأن الفن ليس كماليات.
وأن الأغنية ليست مجرد وسيلة للترفيه.
بل جزء من تعريف الوطن لنفسه.
ولهذا لا تبدو هذه الصورة اليوم مجرد وثيقة فنية.
إنها وثيقة حضارية.
صورة تقول إن فلسطين لم تكن فقط أرضاً تتعرض للاحتلال.
بل مجتمعاً حياً ينتج المعرفة والجمال معاً.
وحين أقارن هذه الصورة بما نعيشه اليوم، أشعر بشيء من الأسى.
ففلسطين التي امتلكت قبل النكبة فرقة موسيقية محترفة في محطة إذاعة القدس، لا تملك حتى اليوم فرقة موسيقية وطنية مركزية دائمة تمثلها في المناسبات الكبرى كما تفعل معظم دول العالم.
فرقة تحفظ الذاكرة الموسيقية الفلسطينية.
وتعزف النشيد الوطني.
وترافق الفنانين.
وتحمل اسم فلسطين إلى المسارح العربية والعالمية.
قبل سنوات حاولت، من موقعي الوظيفي، أن أساهم في تأسيس فرقة كهذه تتبع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية.
كانت الفكرة بسيطة ومتواضعة.
مجموعة من أفضل العازفين الفلسطينيين.
تدريبات منتظمة.
مكافآت رمزية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار والاستمرارية.
وجاهزية دائمة للمناسبات الوطنية والثقافية.
لكن المشروع توقف قبل أن يولد.
ليس لأن العازفين غير موجودين.
ففلسطين لم تبخل يوماً بالمواهب.
وليس لأن الإمكانيات مستحيلة.
بل لأن الثقافة ما زالت، في نظر كثيرين، بنداً يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتهاء من كل شيء.
وكأن هناك أوطاناً تكتمل أولاً ثم تأتي الثقافة لاحقاً.
مع أن الحقيقة معاكسة تماماً.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده.
ولا بالقرارات وحدها.
ولا بالمؤسسات وحدها.
الأوطان تُبنى أيضاً بالأغاني التي تحفظ الذاكرة.
وبالمسرحيات التي تطرح الأسئلة.
وباللوحات التي تمنح الجدران روحاً.
وبالأفلام التي تحفظ الحكاية من الضياع.
وبالموسيقى التي تجعل الناس يشعرون أنهم ينتمون إلى مكان واحد حتى عندما تفرقهم الجغرافيا.
لهذا، كلما عدت إلى هذه الصورة، لا أرى الماضي.
أرى سؤالاً معلقاً في الحاضر.
كيف استطاع أولئك الرجال، قبل أكثر من ثمانين عاماً، أن يؤسسوا فرقة موسيقية في إذاعة القدس، بينما ما زلنا نعجز عن تحويل الفكرة نفسها إلى مؤسسة وطنية دائمة؟
وربما لأنني ابن السينما، فإنني لا أرى الثقافة قطاعاً من قطاعات الدولة.
أراها روح الدولة نفسها.
فالسياسة تدير الحاضر.
أما الثقافة فتصنع الذاكرة.
والاقتصاد يبني الأسواق.
أما الفنون فتبني المعنى.
والجيوش تحرس الحدود.
أما الموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والأغنية الشعبية فتحرس ما هو أعمق من الحدود: تحرس صورة الإنسان عن نفسه.
ولهذا ليس مصادفة أن يبقى الحضور الثقافي الفلسطيني في العالم حياً رغم كل شيء.
فأفلامنا تصل إلى المهرجانات.
وأغانينا تصل إلى المسارح.
ولوحاتنا تصل إلى المعارض.
وكتبنا تصل إلى القراء.
لا بفضل مشروع رسمي متكامل في معظم الأحيان، بل بجهود أفراد ومؤسسات أهلية ومبادرات مستقلة تؤمن أن الثقافة شكل من أشكال المقاومة والبقاء.
لهذا لا أنظر إلى هذه الصورة بوصفها صورة لفرقة موسيقية.
أنظر إليها بوصفها صورة لوطن كان يعرف أن الحضارة لا تُقاس بعدد المباني التي تشيدها الشعوب، بل بعدد النوافذ التي تفتحها على الجمال.
وإذا كان الاحتلال قد نجح في سرقة الأرض، فإنه لم ينجح في سرقة النغم.
لأن الموسيقى، مثل الذاكرة، لا تسكن الحجر.
بل تسكن الإنسان.
ولهذا ما زالت فلسطين تعزف.
حتى عندما لا نرى الآلات داخل الكادر.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15/6/2026
مجموعة رجال يقفون على درجات حجرية في القدس.
بدلات أنيقة.
وجوه هادئة.
نظرات واثقة.
لا عود في الأيدي.
لا ناي.
لا كمان.
لا طبلة.
ولا شيء يوحي بأن هؤلاء الرجال كانوا يصنعون الموسيقى.
لكن السينما علمتني دائماً أن ما يحدث خارج الكادر أحياناً أهم مما يظهر داخله.
وخارج هذا الكادر تقف حكاية كاملة اسمها فلسطين.
هؤلاء ليسوا موظفين في دائرة حكومية.
ولا أعضاء وفد سياسي.
ولا وجهاء مدينة التقطوا صورة تذكارية قبل مناسبة رسمية.
هؤلاء بعض أعضاء فرقة محطة إذاعة القدس الفلسطينية خلال سنوات الانتداب البريطاني.
من بينهم يعقوب زيادة عازف العود، وتوفيق جوهرية عازف الناي وصاحب المذكرات الشهيرة عن القدس، ورامز الزاغة، ويحيى السعودي، وباسيل ثروة، وأنطون بنيامين، وأرتين السنتورجي، وجليل ركب، ومحمد عطية، وآخرون ساهموا في كتابة الصفحة الموسيقية الأجمل في تاريخ فلسطين الحديث.
أنظر إلى الصورة فأشعر أنني لا أرى فرقة موسيقية فقط.
أرى بلداً كاملاً.
أرى القدس حين كانت تستيقظ على أصوات المدارس والكنائس والمساجد والمطابع والمقاهي الثقافية والمسارح واستوديوهات الإذاعة.
أرى فلسطين التي لم تكن تنتظر اعتراف أحد بحضورها الحضاري.
كانت تصنع هذا الحضور بنفسها.
في ذلك الزمن كانت القدس تضم واحدة من أهم المحطات الإذاعية في المنطقة.
وكانت فلسطين تمتلك حركة ثقافية وتعليمية وفنية سبقت كثيراً من بلدان الجوار.
وكان الفنانون والموسيقيون جزءاً طبيعياً من المشهد العام، لا زينة توضع على الهامش ولا بنداً مؤجلاً في الموازنات.
كان هناك وعي عميق بأن الموسيقى ليست ترفاً.
وأن الفن ليس كماليات.
وأن الأغنية ليست مجرد وسيلة للترفيه.
بل جزء من تعريف الوطن لنفسه.
ولهذا لا تبدو هذه الصورة اليوم مجرد وثيقة فنية.
إنها وثيقة حضارية.
صورة تقول إن فلسطين لم تكن فقط أرضاً تتعرض للاحتلال.
بل مجتمعاً حياً ينتج المعرفة والجمال معاً.
وحين أقارن هذه الصورة بما نعيشه اليوم، أشعر بشيء من الأسى.
ففلسطين التي امتلكت قبل النكبة فرقة موسيقية محترفة في محطة إذاعة القدس، لا تملك حتى اليوم فرقة موسيقية وطنية مركزية دائمة تمثلها في المناسبات الكبرى كما تفعل معظم دول العالم.
فرقة تحفظ الذاكرة الموسيقية الفلسطينية.
وتعزف النشيد الوطني.
وترافق الفنانين.
وتحمل اسم فلسطين إلى المسارح العربية والعالمية.
قبل سنوات حاولت، من موقعي الوظيفي، أن أساهم في تأسيس فرقة كهذه تتبع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية.
كانت الفكرة بسيطة ومتواضعة.
مجموعة من أفضل العازفين الفلسطينيين.
تدريبات منتظمة.
مكافآت رمزية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار والاستمرارية.
وجاهزية دائمة للمناسبات الوطنية والثقافية.
لكن المشروع توقف قبل أن يولد.
ليس لأن العازفين غير موجودين.
ففلسطين لم تبخل يوماً بالمواهب.
وليس لأن الإمكانيات مستحيلة.
بل لأن الثقافة ما زالت، في نظر كثيرين، بنداً يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتهاء من كل شيء.
وكأن هناك أوطاناً تكتمل أولاً ثم تأتي الثقافة لاحقاً.
مع أن الحقيقة معاكسة تماماً.
فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده.
ولا بالقرارات وحدها.
ولا بالمؤسسات وحدها.
الأوطان تُبنى أيضاً بالأغاني التي تحفظ الذاكرة.
وبالمسرحيات التي تطرح الأسئلة.
وباللوحات التي تمنح الجدران روحاً.
وبالأفلام التي تحفظ الحكاية من الضياع.
وبالموسيقى التي تجعل الناس يشعرون أنهم ينتمون إلى مكان واحد حتى عندما تفرقهم الجغرافيا.
لهذا، كلما عدت إلى هذه الصورة، لا أرى الماضي.
أرى سؤالاً معلقاً في الحاضر.
كيف استطاع أولئك الرجال، قبل أكثر من ثمانين عاماً، أن يؤسسوا فرقة موسيقية في إذاعة القدس، بينما ما زلنا نعجز عن تحويل الفكرة نفسها إلى مؤسسة وطنية دائمة؟
وربما لأنني ابن السينما، فإنني لا أرى الثقافة قطاعاً من قطاعات الدولة.
أراها روح الدولة نفسها.
فالسياسة تدير الحاضر.
أما الثقافة فتصنع الذاكرة.
والاقتصاد يبني الأسواق.
أما الفنون فتبني المعنى.
والجيوش تحرس الحدود.
أما الموسيقى والمسرح والسينما والفنون التشكيلية والأغنية الشعبية فتحرس ما هو أعمق من الحدود: تحرس صورة الإنسان عن نفسه.
ولهذا ليس مصادفة أن يبقى الحضور الثقافي الفلسطيني في العالم حياً رغم كل شيء.
فأفلامنا تصل إلى المهرجانات.
وأغانينا تصل إلى المسارح.
ولوحاتنا تصل إلى المعارض.
وكتبنا تصل إلى القراء.
لا بفضل مشروع رسمي متكامل في معظم الأحيان، بل بجهود أفراد ومؤسسات أهلية ومبادرات مستقلة تؤمن أن الثقافة شكل من أشكال المقاومة والبقاء.
لهذا لا أنظر إلى هذه الصورة بوصفها صورة لفرقة موسيقية.
أنظر إليها بوصفها صورة لوطن كان يعرف أن الحضارة لا تُقاس بعدد المباني التي تشيدها الشعوب، بل بعدد النوافذ التي تفتحها على الجمال.
وإذا كان الاحتلال قد نجح في سرقة الأرض، فإنه لم ينجح في سرقة النغم.
لأن الموسيقى، مثل الذاكرة، لا تسكن الحجر.
بل تسكن الإنسان.
ولهذا ما زالت فلسطين تعزف.
حتى عندما لا نرى الآلات داخل الكادر.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
15/6/2026