إبراهيم الديب - قراءة انطباعية في " لحظات قلقة" لــ مها الخواجة :

مجموعة غاصت في النفس والمجتمع يلاحظ القارئ أن لأسلوب تيار الوعي نصيب في سرد عدد من القصص منها قصة "نوبة بكاء و"الجدران" وسيمفونية حزينة" وصدى الضحكات " وهو تيار اعلامه على سبيل :فيرجينيا وولف، مارسيل بروست، و جيمس جويس، وهو أسلوب سرد :يوازي تدفق الأفكار الداخلية للشخصية، "كمونولوج داخلي" غير معني بالترتيب الزمني للأحداث مستبدلا به الترتيب الشعوري و الرمز: هو تيار يعمل على لنفي الوقع الخارجي أو إزاحته: لحضور الأنا وتضخمها أثناء الكتابة: يربط تيار الوعي بعلم علم النفس علاقة وثيقة باعتراف فرويد الذي استند عند تأسيسه لعلم النفس على الكتابة الأدبية التي حفرت عميقًا بداخل النفس الإنسانية و على رأسها رواياتُ ديستوفسكي..
كما اعتمدت الكاتبة في بقية قصص المجموعة على الأحداث الخارجية ووقعها على النفس الإنسانية كقصة " صافرة إنذار " التي جسدت مشهد فقد أم لولدها بمفردات حزن تدمي القلب...
وقصة صفقة التي تقف الأم حائلا دون إتمام صفقة بين ابنتها وابيها لأنها صفقة خاسرة عاشتها الأم مع والدها وجاء دفاع الأم عن البنت دفاع عن نفسها بأثر رجعي ضد زوجها..
وقصة "بين الفقد والأمل " الذي حول فيها الصغير بإصرار فقده لوالده وقسوة الحياة عليه لدروس تدفعه لمواصلة الحياة وينجح بالمصابرة على ترويها ..


************





قراءة نقدية
بعض قصص المجموعة

قصة" نوبة بكاء"
وهي من القصص التي بدا واضحا فيها استخدام تيار الوعي لسرد الأستاذة مها الداخلي الذي غاص في أعماق الشخصية كاشفا عما يدور في الأعماق : أكثر من الحركة الخارجية، و نجاحها توظيف الغياب والذاكرة والفضاء الرقمي لصناعة مشهد مؤثر: تكمن قوته في التدرج النفسي وصدق الانفعال ، عبر تكرار صور الدموع والبكاء، وقد نجحت بصورة لافته من خلال التكثيف في إبراز قيمته النفسية والوجدانية ...
****************
قصة "الجدران"
تكتسب الجدران على مستوى الرمز، دلالة مهمة؛ فهي لا تبدو مجرد عنصر مكاني، بل بدت بداخل النص كرمز للحصار النفسي والعزلة والخوف الذي يطوق الشخصية من الداخل.
وقد وفقت الكاتبة بعرض مشهد لنفس تعيش على حافة الانهيار تفتقد الاحساس بالأمان من خلال حوار هاتفي بين شخصيتين، إحداهما بدت مأزومة نفسيا تعيش تحت وطأة الخوف : بينما تحاول الأخرى التعامل مع الموقف بهدوء رغم تصاعد توترها الداخلي. يتميز المشهد بقدرته على نقل التوتر القلق النفسي عبر الحوار .
وكما نجحت بالحملقة داخل النفس الإنسانية في قصة" نوبة بكاء "فقد وفقت أيضاً في الجدران بتجسيد الحالة الذهنية المضطربة للشخصية المتصلة؛ فعبارات مثل "هم هنا" و"ظلالهم تطل فوق رأسي "الجميع متآمرون" تكشف عن عالم داخلي مأزوم تحكمه هواجس وشعور بالمطاردة ليكتشف القارئ ما وصلت إليه شخصية المتصل من رعب من خلال حديثهما، لا من خلال تفسير مباشر من المؤلفة.
***************
قصة سيمفونية
أما قصة سيمفونية حزينة التي ترصد مشهد لشخصية إنسانية تعيش حالة من الضياع والاضطراب النفسي، وكان لتوظيف الكاتبة الوصف الحركي المتتابع والصور المجازي الفضل في تجسيد معاناة إنسان يفقد توازنه وانتماءه للواقع . فحركاته المتناقضة ما بين ضحك وجري وتوقف تعكس تشظي ذات مضطربة داخليا ، بينما يوحي تشبيه الذراعين بالجناحين في رغبة مستحيلة في التحرر من الألم وهروب من واقع قاسٍ.
يعزز هذه الصورة انسجام عناصر المكان والطبيعة مع الحالة النفسية ؛ فالشارع الخالي، والسماء الباهتة، والكلاب الضالة التي تشاركه العواء، كلها عناصر ساهمت في خلق جو كئيب يعمق الإحساس بالعزلة يحول الصورة، التي تتداخل فيها أصوات الألم والجنون للحن مأساوي متكامل، في دلالة على أن معاناة الفرد أصبحت حدثًا تتردد أصداؤه في كون الله الفسيح، وهو ما يثير في القارئ مشاعر التعاطف والتأمل في مأساة إنسان منكسر.
**************
قصة" صدى الضحكات"
التي تقدم لحظة استرجاعية مشبعة بالحنين، حيث تتحول الذكريات إلى مساحة تستعيد فيها الشخصية زمنًا بدا أكثر صفاءً وبراءة. ويعتمد النص على استدعاء الماضي لا بوصفه أحداثًا منتهية، بل بوصفه حضورًا مستمرًا يرافق الشخصية ويمنح حاضرها معناه.
. ومن خلال هذه التفاصيل نجحت الأستاذة مها في أن تجعل من العلاقة الإنسانية أكثر صدقًا وإقناعًا من خلال ما عاشه الطرفان معًا ف السابق، وليس من خلال التصريحات المباشرة عن مشاعرهما كما تبرز القصة حضور الزمن الماضي، في خلق جو وجداني دافئ، بداخل النص لما يحتوي من مشاعر عفوية بسيطة قادرة على تشكيل واستدعاء المكان بوصفه وعاء للذكريات وقدرة على ملامسة مشاعر القارئ. .
***************
قصة "قبل الحادث"
التي تصور مشهدًا إنسانيًا مؤثرًا يعكس حيرة أم ما بين حاجتها إلى الاطمئنان على طفلها المريض وحرصها على تلبية احتياجات رضيعها . وقد نجح السرد في نقل مشاعر القلق والألم من خلال تفاصيل واقعية وحوار ضمني مع الذات، وهو ما أكسب النص صدقًا عاطفيًا : تتجلى قوته في تصاعده الدرامي المتوتر بصورة تدريجية ؛ بدءًا من بكاء الرضيع وهو ما حدا بالأم لتركه، وصولًا لسماع بكائه من خارج غرفة الكشف، وهو ما عمّق إحساسها بالخوف كما أن النهاية المعلقة عند رنين الهاتف تمثل نقطة انعطاف سردية موفقة تثير فضول القارئ.
*****************
قصة" بعض الجب"
التي بنيت على فكرة مفادها أن الكائنات، مهما بدت قوية تظهر قوة على التحمّل، فهي في حاجة لقدر من الحب كي تستمر في الحياة وهو مالم تطرحه الكاتبة بصورة مباشرة بل جسدته عبر مشهد عابر يتمثل في العناية بوردة والحديث إليها همسًا، وهو ما يمنح النص بعدًا رمزيًا وإنسانيًا في آن واحد قصة «بعض الحب» على قصرها صورة أدبية رقيقة شفافة غلفها مشهد هادئ اختزل فلسفة ومشاعر إنسانية مؤثرة؛ فالحب فيه ليس شعورًا عابرًا، بل قوة وجودية تمنح الحياة القدرة على النمو والاستمرار.
****************
قصة ظل المرآة
قصة تجسد مواجهة المرء لنفسه والغوص في اعماقها فكثيرا ما يجهل المرء نفسه التي بين جنبيه ولا يقف على قدارته وهو ما واضحا :بخلق الكاتبة :أجواء نفسية مشحونة بالغموض والارتياب، لشخصية مضطربة تتأرجح بين الشك واليقين. من خلال توظيف المرآة" بصورة رمزية تتجاوز حضورها المادي، لتصبح تجسيداً للخوف الكامن في أعماق الشخصية وللأسئلة التي تعجز عن إيجاد تفسير منطقي لها.
وفقت الكاتبة في توظيف السرد الداخلي، أثناء محاولة البطلة إقناع نفسها بأن ما تراه مجرد وهم أو خداع بصري، لكن الأحداث المتعاقبة تقوض هذا التفسير وكان سببا في تصاعد الأحداث درامياً لتوظيف المؤلفة: الهمس والصمت وانعكاس صورتها في المرآة وهو ما اضفى جواً من الرهبة النفسية دون اللجوء ىمباشرة مبالغ فيها.
جمعت القصة بين الغموض والرمزية، لتكشف عن موهبة كاتبة تتمتع بقدرة على توظيف للعناصر البصرية والنفسية لصنع مشهد يترك أثراً عالقاً في ذهن القارئ،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...