يحيى بركات - حين يحتل الجلاد موقع الضحية

من أغرب الحبكات التي يمكن أن يبتكرها كاتب أو مخرج أن يسرق رجل بيت جاره.

يطرده منه بالقوة.
ويستولي على أرضه ومفاتيحه وصوره العائلية وذكرياته.

ثم ينجح بعد ذلك كله في إقناع العالم بأنه هو الضحية.

في السينما تبدو هذه الحبكة بعيدة عن التصديق.

وفي الروايات الضعيفة قد يرفضها القارئ لأنها تناقض المنطق.

لكن التاريخ، أحياناً، يكتب قصصاً أكثر غرابة من الخيال.

وربما لا توجد قضية في العصر الحديث تجسد هذه المفارقة بقدر ما تجسدها فلسطين.

فالمعركة هنا لم تكن على الأرض وحدها.

ولم تكن على الحدود أو السياسة أو الجغرافيا فقط.

كانت معركة على الرواية.

على تعريف الضحية.

على حق تسمية الأشياء بأسمائها.

كيف أصبح صاحب البيت إرهابياً؟

وكيف أصبح من استولى على البيت صاحب حق في الدفاع عن النفس؟

وكيف تحولت المقاومة إلى جريمة؟

وتحول الاحتلال إلى ضرورة أمنية؟

وكيف نجح مشروع استعماري استيطاني، ليس فقط في احتلال الأرض، بل في احتلال موقع الضحية نفسه؟

هذه الأسئلة لا تخص فلسطين وحدها.

بل تخص واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في التاريخ الحديث.

ففي كثير من الأفلام والمسلسلات نكتشف في الحلقة الأخيرة أن الرجل الذي آذى الجميع لم يولد مؤذياً.

كان طفلاً مكسوراً.

أو ضحية أب قاسٍ.

أو أسرة مفككة.

أو حياة مليئة بالإهانات والخسارات.

وفجأة يحدث شيء غريب داخلنا.

نتوقف عن رؤية ضحاياه.

ونبدأ برؤية جراحه هو.

نتوقف عن التفكير بمن آذاهم.

ونبدأ بالتفكير بمن آذاه.

وهنا تكمن واحدة من أكثر الحيل السردية قوة وخطورة في الوقت نفسه.

أن يتحول تفسير الأذى إلى تبرير له.

وأن يتحول فهم الجرح إلى نسيان ضحايا الجرح.

وأن يصبح الماضي الذي صنع الألم أكثر حضوراً من الألم الذي صُنع لاحقاً.

وربما لهذا السبب تستحق فلسطين أن تُقرأ بحذر شديد.

ليس لأننا لا نفهم مآسي الآخرين.

ولا لأننا ننكرها.

بل لأن فهم جراح ضحية الأمس لا يجوز أن يتحول إلى نسيان ضحية اليوم.

بعد أن نجح المشروع الصهيوني في الوصول إلى فلسطين، لم تكن المعركة على الأرض وحدها.

كانت هناك معركة أخرى لا تقل أهمية.

معركة الرواية.

فالأرض يمكن احتلالها بالقوة.

أما الرواية فلا تُحتل إلا إذا اقتنع بها الآخرون.

ولهذا لم يكن كافياً إنشاء المستعمرات الأولى.

ولا تأسيس العصابات المسلحة.

ولا الحصول على الوعود الدولية.

ولا قرار التقسيم.

كان لا بد من بناء قصة كاملة.

قصة تجعل القادم يبدو عائداً.

والمقيم يبدو عابراً.

وتجعل المستعمر يبدو ضحية.

وصاحب الأرض يبدو خطراً.

هكذا ولدت الأساطير المؤسسة.

أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

أرض الميعاد.

العودة إلى الوطن التاريخي.

شعب صغير يبحث عن الأمان وسط بحر من الأعداء.

ولم تكن هذه مجرد شعارات سياسية.

كانت نصاً درامياً متكاملاً.

بطل.

وخصوم.

ومأساة.

ونهاية سعيدة.

وكان ينقص هذا النص شيء واحد فقط.

الفلسطيني.

كان وجوده يفسد الحبكة.

ولهذا جرى التعامل معه كما تتعامل بعض الأفلام الرديئة مع شخصية مزعجة في السيناريو.

إما حذفها.

أو تقليص دورها.

أو تشويه صورتها.

ثم جاءت النكبة.

وخرج مئات آلاف الفلسطينيين من بيوتهم.

وتحولت القرى إلى أطلال.

وأصبحت المفاتيح أثقل من الأبواب نفسها.

لكن المدهش أن الرواية التي خرجت إلى العالم لم تكن رواية الذين غادروا.

بل رواية الذين دخلوا.

ومنذ تلك اللحظة بدأ أكثر التحولات غرابة في التاريخ السياسي الحديث.

لم يعد السؤال:

ماذا حدث للفلسطيني؟

بل:

هل ستبقى إسرائيل آمنة؟

ولم يعد النقاش حول صاحب الأرض.

بل حول خوف من استولى على الأرض.

ومع مرور الوقت أصبحت المعادلة أكثر رسوخاً.

في عام 1948 كانت إسرائيل تدافع عن نفسها.

وفي عام 1967 كانت تدافع عن نفسها.

وبعد احتلال الضفة الغربية وغزة والجولان كانت تدافع عن نفسها.

وبعد بناء المستوطنات كانت تدافع عن نفسها.

وبعد حصار غزة كانت تدافع عن نفسها.

واليوم، وسط الدمار والموت والخراب الذي يراه العالم مباشرة على شاشات الهواتف، ما زالت تدافع عن نفسها.

كأن التاريخ كله توقف عند الجملة نفسها.

وتوقف العالم عن طرح السؤال الآخر:

وماذا عن حق الفلسطيني في الدفاع عن نفسه؟

لكن السؤال الأهم ليس كيف صُنعت هذه الرواية.

بل كيف نجحت.

فالكذبة لا تعيش قرناً كاملاً بقوتها وحدها.

ولا تتحول إلى حقيقة عالمية لأنها أكثر صدقاً.

بل لأنها تجد من يحتاج إلى تصديقها.

وجدت أوروبا في إسرائيل طريقة للهروب من أحد أثقل أعبائها الأخلاقية.

ووجدت القوى الاستعمارية الغربية قاعدة متقدمة تحرس مصالحها في الشرق.

ووجدت الولايات المتحدة حليفاً استثنائياً في منطقة مضطربة.

ووجد الإعلام العالمي قصة جاهزة وسهلة التداول:

دولة صغيرة.

خائفة.

محاطة بالأعداء.

تدافع عن وجودها كل صباح.

أما الحكاية الفلسطينية فكانت أكثر تعقيداً.

لاجئ يحمل مفتاح بيت.

وفلاح يبحث عن أرضه.

وأم تنتظر ابنها عند باب السجن.

وقرية لم تعد موجودة على الخريطة.

وشعب كامل يحاول أن يشرح للعالم، مرة بعد أخرى، أنه كان هنا قبل أن تبدأ الحكاية الرسمية.

قصص إنسانية هادئة لا تناسب منطق الأخبار العاجلة.

ولا تصلح كثيراً لعناوين الحروب.

وهكذا انتصرت الرواية الأبسط.

لا لأنها كانت الأصدق.

بل لأنها كانت الأعلى صوتاً.

ثم جاءت المدرسة لتعيد روايتها.

والجامعة لتشرحها.

والصحافة لتكررها.

والسينما لتمنحها وجهاً إنسانياً.

والتلفزيون ليجعلها جزءاً من الوعي اليومي لملايين البشر.

لم يعد السؤال:

ماذا حدث للفلسطيني؟

بل:

ماذا يشعر الإسرائيلي؟

ولم يعد النقاش حول الاحتلال.

بل حول مخاوف المحتل.

ولم يعد العالم يسأل صاحب البيت عن بيته.

بل يسأل من استولى على البيت عن شعوره بالأمان داخله.

وهكذا انتقلت بؤرة التعاطف، ببطء شديد، من الضحية الواقعية إلى الضحية المتخيلة.

ومن المقتلع من أرضه إلى من يخشى أن يفقد ما اقتلعه من الآخرين.

وهنا اكتملت الحلقة.

فبعد احتلال الأرض...

جاء احتلال الرواية.

وبعد احتلال الرواية...

جاء احتلال موقع الضحية نفسه.

ولم تكن السياسة وحدها كافية لصناعة هذه الرواية.

دخلت المدرسة.

والجامعة.

والصحافة.

والسينما.

والتلفزيون.

والرواية.

وهوليوود.

وأجيال كاملة كبرت وهي ترى الإسرائيلي خائفاً.

قلقاً.

مهدداً.

باحثاً عن الأمان.

بينما يظهر الفلسطيني غالباً كغضب بلا تاريخ.

وعنف بلا سياق.

ومشكلة بلا سبب.

وهكذا لم يجر احتلال الأرض فقط.

بل جرى احتلال المخيلة أيضاً.

ولعل الجدل الذي دار أخيراً حول المخرج الإسرائيلي نداف لابيد يكشف جانباً من هذه البنية أكثر مما يكشف عن الرجل نفسه.

حين كتبت عنه سابقاً لم يكن السؤال بالنسبة لي متعلقاً بالمقاطعة أو عدمها.

بل بالسؤال الذي يسبق ذلك كله:

من أين تبدأ الحكاية؟

وهو السؤال الذي التقطه الكاتب خالد عطية حين أعاد النقاش إلى المشهد الأول الذي جرى استبعاده من الشاشة.

ثم جاء سليم البيك ليضيف سؤالاً آخر لا يقل أهمية:

من يحتل مركز المشهد؟

ومن يحتل موقع الضحية داخله؟

وهنا تحديداً تكمن أهمية حالة لابيد.

فحين طُرحت أسئلة حول التمويل والعلاقة بالمؤسسات الإسرائيلية وموقع الفنان من دولة تمارس الاحتلال والحصار والحرب، لم يصبح الفلسطيني مركز النقاش.

بل أصبح لابيد نفسه مركزه.

فجأة صار الحديث عن ألمه.

وعن إقصائه.

وعن حقه في الظهور.

وعن مشاعره.

بينما عاد الفلسطيني مرة أخرى إلى خلفية المشهد.

كأن الحكاية تعود دائماً إلى النقطة نفسها.

الإسرائيلي هو من يشعر.

الإسرائيلي هو من يتألم.

الإسرائيلي هو من يخاف.

أما الفلسطيني فيبقى شاهداً على المأساة لا بطلاً لها.

وهنا لا يصبح لابيد استثناءً.

بل مثالاً.

واحداً من تعبيرات ثقافة أوسع نجحت طويلاً في تحويل مركز التعاطف من الضحية الحقيقية إلى الضحية المتخيلة.

لكن شيئاً ما بدأ يتغير.

ببطء أولاً.

ثم بسرعة لم يتوقعها أحد.

في الجامعات الأمريكية.

وفي شوارع أوروبا.

وفي الملاعب.

وفي المهرجانات.

وفي النقابات.

وفي قاعات السينما نفسها.

بدأت أسئلة جديدة تُطرح.

أسئلة لم تعد تبدأ من منتصف الحكاية.

بل تحاول العودة إلى المشهد الأول.

ربما للمرة الأولى منذ عقود طويلة.

بدأ كثيرون يسألون:

من أين بدأت القصة؟

ومن يملك الأرض؟

ومن دفع الثمن؟

ومن يروي الحكاية؟

ولماذا ظل العالم كل هذا الوقت ينظر إلى المأساة من جهة واحدة فقط؟

ولماذا أصبح الفلسطيني مطالباً بإثبات إنسانيته بينما تُمنح الإنسانية تلقائياً لخصمه؟

وربما لا تكون المأساة الكبرى أن تُحتل الأرض.

فالتاريخ مليء بأراضٍ احتُلّت.

ولا أن يُهجَّر الناس.

فالتاريخ مليء بشعوب اقتُلعت من أوطانها.

ولا حتى أن تُرتكب المجازر.

فالتاريخ الإنساني كُتب كثيراً بالدم.

المأساة الكبرى تبدأ حين ينجح الجلاد في احتلال ذاكرة الجريمة نفسها.

حين يصبح القاتل هو الراوي.

ويصبح المقتول مطالباً كل صباح بإثبات موته.

حين يصبح صاحب البيت مطالباً بإثبات ملكيته للبيت.

ويصبح السارق شاهداً أخلاقياً على الحادثة.

في تلك اللحظة لا يعود الصراع على الأرض فقط.

بل على الحقيقة.

على اللغة.

على المعنى.

على حق البشر في تسمية الأشياء بأسمائها.

ولهذا ربما لم تكن فلسطين طوال قرن مجرد معركة على الجغرافيا.

بل كانت أيضاً معركة على الذاكرة.

على الرواية.

على المشهد الأول الذي حاول كثيرون حذفه من الفيلم.

لكن الحقيقة تملك عناداً غريباً.

تعود دائماً.

تخرج من تحت الركام.

ومن المقابر.

ومن مفاتيح البيوت القديمة.

ومن ذاكرة الأمهات.

ومن أسماء القرى التي مُسحت عن الخرائط ولم تُمحَ من القلوب.

ولهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي هو:

كيف نجحوا في احتلال الأرض؟

بل:

كيف نجحوا كل هذا الوقت في احتلال موقع الضحية؟

والسؤال الأهم:

إلى متى؟

لأن التاريخ قد يتأخر.

وقد يضيع.

وقد يُزوَّر.

لكنه في النهاية يعود دائماً إلى المشهد الأول.

وهناك...
عند المشهد الأول تماماً...

تنتظر فلسطين.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
16/6/2026






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...