لحسن أوزين - متعة القراءة في شكل الكتابة في رواية " حكم علينا الهوى" لربيعة ريحان (1/4)

(1/4)


"يا لهؤلاء الإغريق! إنهم يعرفون كيف يعيشون؛ والسر في ذلك هو التوقف بشجاعة عند السطح.. فالإغريق كانوا سطحيين.. من فرط العمق!"نتشه
قد تبدو للقارئ المتسرع في إسقاط الأحكام الجاهزة، رواية ربيع ريحان "حكم علينا الهوى" واقعية الى درجة السطح الممل. لكن جمالية الرواية كامنة في شكل الكتابة التي تجعلنا نغوص في عمق أو فرط العمق الذي تشتغل عليه الكتابة تبعا لمنطقها الأدبي والفني. وانسجاما مع أدوات وآليات عملها ككتابة روائية، تفلح في استثمار كل المواد والموارد الاجتماعية والثقافية والتاريخية والرمزية والأدبية في سيرورة بناء المتخيل الفني للشكل السردي الروائي.
قد يكون سهلا قراءة هذه الرواية، لكن التفاعل الجمالي معها يتطلب نوعا من عناء ومشقة القراءة. وفي هذه المشقة والجهد تكمن وتنهض وتتحقق متعة وجمالية القراءة.
أولا : قراءة في العنوان من زوايا مختلفة
يمكن قراءة عنوان رواية ربيعة ريحان «حكم علينا الهوى» من زاويتين متكاملتين: أدبية وسيميائية.

أولًا: الدلالة الأدبية
العنوان جملة فعلية تحمل طابعًا قدريًا؛ فالفعل *«حكم»* يحيل إلى القضاء والسلطة والقدر، بينما *«الهوى»* يحيل إلى العاطفة والحب والرغبة. وهكذا ينشأ منذ العتبة الأولى للنص توتر بين مجالين: مجال العقل والإرادة. و مجال العاطفة والانجذاب.
فالمعنى الظاهر هو أن الشخصيات لم تعد تتحكم في مصائرها، بل أصبحت خاضعة لسلطان الحب أو الرغبة. وهذا ينسجم مع كون الرواية تتناول علاقات إنسانية وصراعات بين القلب والعقل، وبين التعلق والخوف من الفقد.
كما أن صيغة *«علينا»* (ضمير الجماعة) توسّع الدلالة من تجربة فردية إلى تجربة إنسانية عامة؛ فالحب هنا ليس حدثًا خاصًا بشخصية واحدة، بل قدر مشترك يطال الجميع: سارة ولينا وسوسن...
ثانيًا: الدلالة السيميائية: سيميائيًا يمكن تفكيك العنوان إلى علامتين أساسيتين هما:
الحكم الذي قد يعني السلطة، الإلزام، القضاء، القدر...
والهوى، وله هنا معاني : الرغبة، الحب، الميل، الشغف ...
وعندما تُسند وظيفة «الحكم» إلى «الهوى» يحدث ، انزياح دلالي، لأن الذي يحكم عادة هو القاضي أو القانون أو المجتمع، لا العاطفة. هنا تتحول العاطفة إلى سلطة رمزية.
وبذلك ينتج العنوان شبكة من الثنائيات: الحرية / الخضوع، العقل / الهوى، الاختيار / القد، الواقع / الرغبة
فالهوى لم يعد مجرد شعور، بل أصبح فاعلًا مهيمنًا يوجّه المصائر ويصدر أحكامه على الشخصيات.
ثالثًا: العنوان بوصفه عتبة نصية:
وفق تصور الناقد جيرار جينيت للعنوان باعتباره "عتبة" للدخول إلى النص، فإن هذا العنوان يؤدي وظيفة الإغراء والتأويل معًا: حيث يثير سؤالًا: من الذي حكم؟ وكيف؟ وفي الوقت نفسه يخلق أفق انتظار رومانسيًا ونفسيًا. بالإضافة الى أنه يوحي بأن الرواية ليست احتفاءً بالحب فقط، لكن أيضا مساءلة لسلطته وآثاره على الإنسان.
هكذا يمكن القول إن عنوان *«حكم علينا الهوى»* يختزل الرؤية العميقة للرواية في صورة مجازية واحدة: " العاطفة تتحول إلى قوة حاكمة، والإنسان يجد نفسه بين الرغبة في الحب وبين الثمن الذي يفرضه هذا الحب على حياته ومصيره. ولهذا يبدو العنوان كثيفًا سيميائيًا، لأنه يجمع بين معنى القدر ومعنى الشغف في تركيب لغوي قصير ومؤثر. زكل هذا يتم في ظل أطر اجتماعية ثقافية لها قوتها القهرية في فرض الرؤى والأفكار والدلالات والقيم والمعنى، وأنماط السلوك والتفكير والممارسات.
انطلاقا من هذه القراءة للعنوان «حكم علينا الهوى» بوصفه إحالة إلى سلطة العاطفة وقدرتها على توجيه المصائر، فإن صورة الغلاف لا تبدو مجرد تزيين بصري، بل تشكل، نصًا سيميائيًا موازيًا، يوسع دلالات العنوان ويمنحها أبعادًا جديدة.
فهناك الخلفية النباتية التي ترمز الى خطاب الحياة والخصب، حيث تغطي الأوراق الخضراء معظم مساحة الغلاف، حتى تكاد تبتلع الشخصيات. في المستوى الإيحائي، يرمز الأخضر إلى: النمو والاستمرار. والأمل والتجدد. و الطبيعة بوصفها فضاءً للعفوية والاندفاع.
لكن كثافة النباتات تجعل الشخصيات وكأنها جزء من هذا النسيج الطبيعي، لا كائنات مستقلة عنه. هنا يصبح "الهوى" قريبًا من قوة الطبيعة التي تحتضن الإنسان وتسيطر عليه في الوقت نفسه.
والبتلات الحمراء تفرض نفسها بوصفها، علامات العاطفة، حيث تنتشر بتلات حمراء متناثرة بين الأغصان. اللون الأحمر يحيل عادة إلى: الحب. والشغف. والجرح والألم غالبا، أو أحيانًا.
وكونها متناثرة لا مجتمعة يوحي بأن الحب في الرواية ليس حالة مستقرة، إنه تجربة متشظية موزعة على مصائر متعددة.
ومن زاوية سيميائية يمكن اعتبار هذه البتلات تمثيلًا بصريًا للهوى المذكور في العنوان؛ فالهوى هنا لا يُرى مباشرة، إنه يتجسد عبر آثار لونية متناثرة في الفضاء.

وبالنسبة للشخصيات النسائية الأربع، فهي الى حد ما، تمثل خطاب الجماعة والمجتمع في بعده السلطوي والقيمي. فوجود أربع نساء بدل امرأة واحدة مهم جدًا دلاليًا. لأن العنوان يقول: *"علينا"* وليس "عليَّ".
ولهذا يبدو الغلاف منسجمًا مع البنية اللغوية للعنوان؛ إذ ينتقل من الفرد إلى الجماعة.
هذا يمكن القول بأننا أمام نماذج مختلفة لتجربة الحب. بالإضافة الى كونها وجوهًا متعددة للأنوثة. أو أصواتًا سردية متقاطعة داخل الرواية. إنهن لا ينظرن جميعًا إلى المتلقي، ولا يحملن التعبير نفسه، مما يوحي بتعدد التجارب الوجدانية واختلاف آثار الهوى على كل شخصية.
وهذا ما يسمح بقراءة تعابير الوجوه، باعتبارها خطاب التأمل والحزن حيث الوجوه لا تبدو منفعلة أو سعيدة.هناك: نظرات شاردة. وعيون مغمضة. ومسحة تأمل أو انكسار. وهذا ينسجم مع الدلالات التي تحف بلفظة *"حكم"* أكثر مما ينسجم مع صورة الحب الرومانسي السعيد.
وهذا ما يجعلنا نعتقد بأن الغلاف يوحي بأن الحب ليس مجرد لذة، إنه تجربة وجودية ثقيلة تترك أثرًا نفسيًا عميقًا.
ومن زاوية أخرى في قراءة الصورة نلاحظ اندماج الأجساد مع الزهور. حيث فساتين النساء مزينة بالنباتات والزهور نفسها الموجودة في الخلفية. فسيميائيًا هذا الاندماج يلغي الحدود بين الذات والطبيعة. والمرأة والهوى. والداخل والخارج وكأن الحب ليس شيئًا يقع على الشخصيات من الخارج، فهو يسكن تكوينهن الداخلي. كما أن مركزية المرأة في الخطاب البصري، واضحة تعبر عن المنظور النسوي في الرؤية الى الغنى و التعدد الذي تتشكل منه هوية النساء. الى درجة اكتساح المجال البصري. فالغلاف يخلو من أي حضور ذكوري.
وهذا مؤشر مهم على أن الرواية ربما تجعل من التجربة النسائية مركزًا للرؤية السردية، بحيث يُقرأ الحب من منظور النساء لا من منظور العلاقة الثنائية التقليدية. فالمرأة هنا ليست موضوعًا للحب، إنها ذاتً تعيشه وتفسره وتدفع ثمنه. أما بالنسبة لهيمنة اللون الأخضر على الأحمر، رغم أن الأحمر هو لون الحب التقليدي، فإن الأخضر يهيمن بصريًا على الغلاف حاملا دلالات قيم المحبة والتسامح والمودة والارتباط العضوي بالأصل، كجزء من الطبيعة التي لا يمكن حمايتها في غياب أو تهميش النساء.
وهذا الاختيار يوحي بأن الرواية لا تختزل الهوى في الشغف الجسدي أو الانفعال العابر، إنه تضعه ضمن دورة أوسع من الحياة والذاكرة والتحول والنمو.
وبذلك يصبح الغلاف تأويلاً بصريًا للعنوان: الهوى ليس حدثًا عاطفيًا عابرًا، إنه قوة طبيعية وجماعية تتسلل إلى حياة النساء، فتطبع مصائرهن كما تطبع النباتات الأرض التي تنمو فيها.
ويمكن أيضا مقاربة الرواية وغلافها من منظور التفكيك عند Jacques Derrida، فإننا لا نبحث عن معنى ثابت أو رسالة نهائية، وإنما عن *التوترات والاختلافات (différance)* التي تنتج المعنى وتجعله دائم الانزلاق.
في القراءة التقليدية للعنوان يبدو المعنى واضحًا: الهوى قوة تحكم الإنسان. لكن دريدا سيدعونا إلى مساءلة هذا البديهي الجاهز. ففي العبارة توجد مفارقة: الحكم، الذي يرتبط عادة بالعقل والقانون والنظام. والهوى الذي يرتبط بالرغبة والانفعال واللاعقلانية. فالنص يجمع بين حدّين متعارضين:
كيف يصبح ما يُفترض أنه نقيض النظام مصدرًا للنظام؟
هنا تتزعزع الثنائية الكلاسيكية: المركز و الهامش، العقل والهوى، القانون والرغبة، السيطرة والانفعال
فالهوى الذي اعتادت الثقافة العربية الكلاسيكية أن تضعه في مرتبة أدنى من العقل يتحول في العنوان إلى سلطة حاكمة. وبذلك يقلب النص هرم القيم السائد. لكن التفكيك لا يستبدل مركزًا بمركز آخر؛ فهو لا يقول إن الهوى أقوى من العقل، بل يكشف أن العقل نفسه لا يستطيع تأسيس سلطته إلا عبر ما يستبعده.
تفكيك صورة النساء الأربع توحي الصورة بإغراء الوحدة والانسجام، حيث خلفية نباتية واحدة. وألوان متقاربة. الى جانب شخصيات متجاورة. غير أن النظرة التفكيكية تبحث عن الاختلاف داخل الوحدة.
فالنساء الأربع، لا ينظرن في الاتجاه نفسه. ولا يحملن التعبير نفسه. ولا يشكلن هوية متطابقة. وبالتالي فإن ما يبدو "جماعة ومجتمعا" يخفي تعددًا لا يمكن اختزاله. إن ضمير "علينا" في العنوان يوحي بجماعة موحدة، لكن الصورة تقوض وتفكك هذه الوحدة عبر اختلاف الوجوه والنظرات.
هنا يظهر ما يسميه دريدا أثر الاختلاف داخل الهوية وهذا ما نجده بين سارة ولينا وسوسن...
ومن أهم مفاهيم دريدا أن كل حضور يتأسس على غياب. في الغلاف نرى النساء حاضرات.الطبيعة حاضرة. الهوى غائب. ومع ذلك فكل شيء يشير إليه. الهوى لا يظهر بوصفه صورة مباشرة، وإنما بوصفه أثرًا، في البتلات الحمراء. وفي تعابير الوجوه.
نلاحظ في العنوان، أن مركز الدلالة في الغلاف هو بالضبط ما لا يظهر فيه. وهذه فكرة دريدية بامتياز: المعنى ينتج من الغياب بقدر ما ينتج من الحضور ومن الفتحة والشقوق عند رولان بارتأم هيدغر فإن ما يميز الظهور هو ما يخفيه أو تبعا لألتوسير فما يعجبنا في الأشياء هو ما يظهر في لونه وسحره أما الأدبية وشكل الكتابة الفنية مغيب. وتبعا لهذا التحليل تحضرالكتابة البصرية للأثر. ففي التفكيك لا توجد علامة مكتفية بذاتها. فاللون الأحمر لا يعني الحب وحده، قد يعني الرغبة. وقد يعني الجرح، أوقد يعني الفقد. وقد يعني الخطر. وهكذا لا تستقر العلامة على مدلول واحد. فكل محاولة لتثبيت معنى نهائي للبتلات الحمراء تنفتح على معانٍ أخرى مؤجلة. وهذا ما يسميه دريدا *إرجاء المعنى*.
ومن جانب آخر يمكن النظر الى الطبيعة بوصفها نصًا، حيث تبدو الخلفية النباتية رمزًا بريئًا للخصب والحياة. لكن القراءة التفكيكية تسأل: هل الطبيعة هنا فضاء حرية أم فضاء احتواء؟
النباتات تحتضن النساء، لكنها أيضًا تحاصرهن بصريًا.إذن العلامة نفسها تحمل نقيضها: الحماية / الأسر. النمو / الذوبان. الانتماء / فقدان الفردية. وهنا لا يعود بالإمكان الفصل الحاسم بين القطبين.
هكذا نصل الى السؤال التالي، ما الذي يقمعه ويقصيه الغلاف؟
على هذا المنوال يسأل دريدا دائمًا: ما الذي يستبعده النص كي ينتج معناه ويولد دلالاته؟
يظهر لنا في هذا الغلاف حضور المرأة بقوة في الوقت الذي يغيب الرجل لكن هذا الغياب ليس فراغًا؛ إنه أثر مؤسس للصورة. فالحضور النسائي الكثيف يجعل المتلقي يستحضر تلقائيًا ما تم استبعاده. وبذلك يصبح الغائب جزءًا من بنية المعنى لا شيئًا خارجها.
من منظور دريدا لا يقول الغلاف إن "الهوى يحكم النساء" فحسب، إنه أيضا يكشف استحالة تثبيت هذا المعنى. فالعنوان والصورة معًا ينتجان شبكة من التوترات:العقل / الهوى. الجماعة / الاختلاف. الحضور / الغياب. الحرية / الخضوع. الطبيعة / الأسر.

ولا ينتصر أحد هذه الأقطاب على الآخر. فالمعنى يظل مؤجلًا ومفتوحًا، لأن كل علامة في الغلاف تحمل داخلها أثر نقيضها. لهذا يمكن القول إن الغلاف، وفق القراءة التفكيكية، لا يقدم حقيقة عن الهوى، بل يكشف أن الهوى نفسه مفهوم غير مستقر، يتشكل باستمرار من خلال الاختلافات والغيابات التي تؤسسه.
أما إذا حاولنا الانتقال من منظور دريدا إلى جاك لاكان Jacques Lacan، فإن زاوية النظر تتغير جذريًا. فدريدا يهتم بانزلاق المعنى داخل اللغة، أما لاكان فيهتم بما تكشفه اللغة والصور عن *الرغبة واللاوعي وبنية الذات.
ومن هذا المنظور يصبح عنوان «حكم علينا الهوى» وغلاف الرواية مادة غنية جدًا للتحليل.
الهوى بوصفه رغبة لا بوصفه حبًا، حيث عند لاكان لا يكون الحب مجرد شعور بين شخصين، إنه يرتبط بما يسميه الرغبة. والرغبة عنده ليست رغبة في شخص محدد بقدر ما هي رغبة في شيء مفقود دائمًا.
لذلك يمكن قراءة العنوان كالآتي:" حكم علينا الهوى" لا يعني أن الحب جمع بين الأشخاص، لأن الرغبة وضعتهم في حالة نقص دائم. فالإنسان عند لاكان كائن ينقصه شيء أساسي، ويبحث عنه في الآخر دون أن يجده كاملًا أبدًا. ومن ثم يصبح "الحكم" في العنوان إشارة إلى قدرية النقص الإنساني ذاته.
الوجوه النسائية الأربع: تشير الى تعدد الذوات، ومن الملاحظ أن النساء الأربع لا يتبادلن النظر. فكل واحدة تبدو غارقة في عالمها الخاص. لهذا من منظور لاكاني، هذا مهم جدًا لأن العلاقة الإنسانية ليست اندماجًا كاملًا كما نتخيل. فلاكان يقول عبارته الشهيرة :لا توجد علاقة جنسية . والمقصود ليس نفي العلاقة الواقعية، ولكن استحالة التطابق الكامل بين ذاتين. لذلك تبدو الشخصيات في الغلاف متجاورة لكنها منفصلة نفسيًا.إنهن معًا، لكن كل واحدة وحيدة داخل رغبتها الخاصة.
وغياب الرجل في القراءة التقليدية قد نعتبر غياب الرجل مجرد اختيار فني. أما لاكان فيسأل: من هو الآخر الغائب الذي تنظم الصورة وجوده؟ فالنساء الأربع لا يكتسبن دلالتهن فقط من حضورهن، ولكن أيضًا من غياب موضوع الرغبة. والرغبة عند لاكان تتغذى من الغياب أكثر مما تتغذى من الحضور.
لذلك فإن الغائب يصبح أكثر تأثيرًا أحيانًا من الظاهر. فالنظرات الشاردة والعيون المغمضة. هذه التفاصيل البصرية شديدة الأهمية في التحليل النفسي. فالوجوه لا تعبر عن نشوة حب. وإنما عن انتظار، تأمل، حنين،. انكفاء على الذات. وهذا ينسجم مع تصور لاكان بأن الرغبة لا تجد إشباعها النهائي، فموضوع الحب لا يملأ الفراغ الداخلي. ولكن يؤجله ولهذا كثيرًا ما يقترن الحب بالحنين والحزن والافتقاد. الطبيعة والخضرة: صورة المتخيل يقسم لاكان الخبرة الإنسانية إلى ثلاثة أنظمة: المتخيل، الرمزي والواقعي. ويمكن اعتبار هذا الغلاف مشبعًا بالمتخيل. فالطبيعة الخضراء والزهور والألوان الناعمة تشكل صورة منسجمة وجميلة للعالم. لكن هذه الصورة تخفي توترات داخلية تظهر في تعابير الوجوه. وهنا نجد الفارق بين: جمال الصورة الخارجية. وقلق الرغبة الداخلية. يعني هذا بين المتخيل الذي يعد بالاكتمال والواقعي الذي يكشف الاستحالة.
ومن جهة أخرى فالهوى بوصفه بحثًا عن "الآخر" حيث في التحليل اللاكاني لا نحب الآخر كما هو.
ولكن نحب ما نتصوره فيه. وذلك يعني أننا نحب الصورة التي تعكس رغباتنا ونقائصنا. لهذا يمكن تأويل العنوان باعتباره: حكم علينا أن نبحث في الآخر عما نفتقده في أنفسنا. لكن هذا البحث لا يكتمل أبدًا.
ومن هنا تنشأ المأساة العاطفية.
أما قراءة مركزة للغلاف وفق لاكان فإننا إذا جمعنا العناصر كلها نحصل على التأويل التالي: النساء الأربع يمثلن ذواتًا راغبة. وغياب الرجل يمثل موضوع الرغبة الغائب. والبتلات الحمراء تمثل آثار الشغف، بينما الخضرة الكثيفة تمثل وهم الانسجام والاكتمال. في حين أن النظرات المنكسرة تشير إلى أن الرغبة لم تبلغ موضوعها النهائي. لذلك لا يدل معنى «حكم علينا الهوى» على أن الحب انتصر، لأن الإنسان محكوم ببنية الرغبة نفسها؛ أي محكوم بالسعي الدائم نحو شيء يتخيله في الآخر، بينما يظل هذا الشيء منفلتًا ومؤجلًا باستمرار.
ومن ثم فإن الغلاف، في قراءة لاكانية، لا يصور قصة حب ناجحة أو فاشلة، بقدر ما يصور ذواتٍ تسكنها الرغبة، وتعيش مع نقصها الوجودي تحت وهم العثور على اكتمالها في الحب. وهذا قريب جدًا من جوهر التحليل النفسي عند لاكان.
وذا قرأنا الغلاف والعنوان في ضوء التفكيرالنقدي عند جوديت بتلر Judith Butler، فإننا نغادر سؤال "ما معنى الحب؟" إلى سؤال آخر أكثر تجذرا في المقاربة الأدبية، والسوسيوسيميائية، المؤسسة على الرؤية الفكرية النسوية.
هكذا تتشكل الأسئلة الحارقة، من منظور جندري مختلف، أكثر رحابة وانساع وشمولية. كيف تُنتج الثقافة صورة المرأة العاشقة؟ وكيف تُبنى الهوية النسوية من خلال خطابات الحب والرغبة؟
فبتلر لا تنطلق من وجود جوهر ثابت اسمه "المرأة"، بل ترى أن الهوية الجندرية تُنتج عبر تكرار أفعال وتمثلات اجتماعية وثقافية تجعلها تبدو طبيعية وثابتة. هذا ما يجعلنا نتساءل: هل النساء الأربع يمثلن "المرأة"؟ فالقراءة التقليدية قد تقول: هذه صورة للمرأة في تجارب الحب المختلفة. لكن بتلر ستسأل مباشرة: أي امرأة نقصد؟ أن كلمة "المرأة" نفسها ليست عندها هوية متجانسة أو جوهرًا واحدًا. بل هي بناء ثقافي تتداخل فيه السلطة واللغة والتمثيل الاجتماعي. من هذه الزاوية تصبح الشخصيات الأربع مثيرة للاهتمام: اختلاف لون البشرة. واختلاف الملامح. واختلاف وضعيات الجسد. واختلاف النظرات.
كأن الغلاف نفسه يقاوم فكرة الأنوثة الواحدة أو النموذج النسائي الموحد. يشتغل العنوان هنا "حكم علينا الهوى" بوصفه خطابًا ثقافيًا. لهذا قد تتساءل بتلر: هل الهوى هنا تجربة شخصية خالصة، أم أنه جزء من منظومة اجتماعية تنتج صورة معينة عن النساء؟
وبعبارة أخرى يمكن أن يكون المعنى، هو عندما تُقدَّم المرأة في الأدب باعتبارها كائنًا محكومًا بالعاطفة، فهل نحن أمام حقيقة إنسانية أم أمام خطاب ثقافي متكرر أعاد إنتاج هذه الصورة عبر التاريخ؟ وهذا ما تحاول الرواية نقده وتفكيكه. هنا لا يصبح السؤال: "هل النساء يخضعن للهوى؟"
ولكن كيف تعلمنا أن نتصور النساء بوصفهن خاضعات للهوى؟"
تؤسس بتلر رؤيتها على مفهوم الإنجاز الجندري، حيث من أشهر أفكار بتلر مفهوم الإنجازية. وهذا يعني أن الهوية ليست شيئًا نملكه مسبقًا، بل شيئًا نؤديه باستمرار عبر الإيماءات والهيئة والسلوك.
في الغلاف نلاحظ الفساتين المزدانة بالزهور. والألوان الناعمة. والهدوء والانكسار في الوجوه. ثم الارتباط بالطبيعة. كل هذه العناصر تنتمي إلى موسوعة رمزية ارتبطت تاريخيًا بتمثيل الأنوثة. بصورة نمطية، كما لو كانت خاضعة للقوانين الطبيعية المحتومة.
ولذلك قد يكون أحد تأويلات بتلر هو أن الغلاف لا يعرض الأنوثة فقط، ولكن يصنعها بصريًا من خلال مجموعة علامات ثقافية مألوفة، وموافقة للذخيرة الثقافية التي يحملها المشاهد القارئ، وذلك تبعا لما يسميه بيير بورديو الهابتوس.
والفكر النسوي المعاصر حاول مرارًا تفكيك هذه البديهيات من الداخل، وذلك ليبين هشاشة منطقها البنيوي الفكري والاجتماعي والثقافي. ومن ثم فإن ربط النساء بالنباتات والزهور قد يُقرأ بطريقتين:
قراءة إيجابية فيها احتفاء بالخصوبة والحياة. وقراءة نقدية لمسألة إعادة إنتاج للصورة التقليدية التي تجعل المرأة أقرب إلى الطبيعة وأبعد عن الفاعلية الاجتماعية. وهنا لا تقدم بتلر جوابًا نهائيًا، وإنما تكشف التوتر الكامن في الصورة.
ومن جانب آخر فإن غياب الرجل ليس غيابًا كاملًا، حيث في التحليل النسوي لا يُنظر إلى الغياب دائمًا بوصفه غيابًا. فالرجل غير موجود بصريًا، لكن بنية الصورة كلها قد تكون مشروطة به ضمنيًا. وذلك
لأن صورة "المرأة العاشقة" تاريخيًا تشكلت داخل نظام رمزي يحدد المرأة من خلال علاقتها بالآخر.
لهذا قد يكون سؤال بتلر مرتبطا بمدى كون النساء ذوات مستقلة، أم أن هوياتهن ما تزال تُعرَّف عبر علاقة غير مرئية بموضوع الرغبة؟
وإذا حاولنا تعميق قراءتنا للعنوان والصورة، من خلال الجمع بين لاكان. الذي يرى الإنسان محكوما بالرغبة والنقص. في الوقت الذي تسأل بتلر عن من الذي حدد شكل هذه الرغبة أصلًا؟ ومن الذي قرر أن تكون المرأة بهذه الصورة؟
فبينما يركز لاكان على البنية النفسية للرغبة، تركز بتلر على البنية الثقافية والسياسية التي تجعل بعض أشكال الرغبة والأنوثة تبدو طبيعية ومشروعة أكثر من غيرها.
وفي الأخير، تبعا لقراءة بتلر فإن الغلاف لا يصور نساءً تحكمهن العاطفة فحسب، إنه يكشف أيضًا كيف تُبنى صورة "المرأة العاشقة" عبر شبكة من العلامات الثقافية: الزهور، الطبيعة، الرقة، التأمل، والصمت. ومن ثم لا يصبح السؤال من الذي حكم عليه الهوى، وإنما كيف أصبح "الهوى" نفسه جزءًا من خطاب اجتماعي ثقافي يساهم في تشكيل الهوية النسوية وتمثيلها. فالغلاف لا يعكس واقع المرأة فقط، ولكنه يشارك في إنتاج المعنى الثقافي لما يُفترض أن تكون عليه المرأة.
هكذا يمكن القول إن هذه القراءة تكون أكثر عمقًا إذا وُضعت إلى جانب قراءة لاكانية؛ إذ يظهر الغلاف حينها كفضاء تتقاطع فيه الرغبة (عند لاكان) مع بناء الهوية الجندرية وتمثيلها (عند بتلر). ويمكن لهذا التقاطع أن يصل الى حد التكامل بينهما، خاصة حين نفكر مع بتلر خارج كتابها قلق الجندر، من خلال كتابها ذات الرغبة الذي ترجمته الدكتورة نور الحريري. لأن هذا الكتاب المبكر عند بتلر ينشغل أساسًا بمسألة *الرغبة، والاعتراف، وتكوّن الذات* من خلال قراءتها للفلسفة الهيغلية .
فالفكرة المركزية في ذات الرغبة هي أن الذات لا تتكون في عزلة، بل تتشكل عبر علاقتها بالآخر. الإنسان لا يرغب فقط في شخص أو شيء، ولكنه يرغب بالدرجة الأولى في أن يكون معترفًا به من قبل الآخر.
من هذا المنظور يمكن قراءة عنوان «حكم علينا الهوى» بطريقة مختلفة. فالهوى ليس مجرد انجذاب عاطفي، إنه حاجة الذات إلى أن ترى نفسها منعكسة في عين الآخر. فما يحكم الشخصيات ليس الحب وحده، وإنما حاجتها إلى الاعتراف بوجودها وقيمتها من خلال علاقة عاطفية. وهذا ما كانت ترغب فيه شخصيات الرواية خاصة لينا في علاقتها بوليد.
في الغلاف لا نرى نساء يتبادلن النظرات، بل تبدو كل شخصية غارقة في عالمها الداخلي. ومن منظور ذات الرغبة يمكن اعتبار هذا مؤشرًا مهمًا، حيث الذات ليست معطى مسبقًا، إنها مشروع غير مكتمل يسعى باستمرار إلى تحقيق نفسه. وبلغة جاك روسو ذات الإنسان قابلة للاكتمال.

ولهذا قد لا تمثل النساء الأربع أربع شخصيات جاهزة ونهائية ومكتفية بنفسها، ولكنها صيغ مختلفة للذات وهي تبحث عن الاعتراف والمعنى.
وهذا يعني أن الهوى كفقدان لا كامتلاك. تتأثر بتلر في هذا الكتاب بالتقليد الهيغلي الذي يرى أن الرغبة تنشأ من النقص. فالذات ترغب لأنها ليست مكتفية بذاتها. ومن هنا يمكن أن نفهم كلمة «حكم» لا باعتبارها قهرا وقسرًا خارجيًا، وإنما باعتبارها شرطًا وجوديًا، حيث نحن محكومون بالرغبة لأننا محكومون بعدم الاكتمال. وهذا قريب من لاكان، لكن مع فرق مهم. لاكان يركز على البنية النفسية والرمزية للرغبة. أما بتلر تركز على تشكل الذات تاريخيًا وفلسفيًا عبر علاقة الاعتراف بالآخر.
فالخلفية الخضراء المتجانسة توحي بالانسجام والامتلاء. لكن الوجوه لا تعكس هذا الانسجام.
هنا يمكن تطبيق إحدى الأفكار الأساسية في ذات الرغبة، فالذات تتخيل أحيانًا إمكانية الاكتمال، لكنها تظل في حالة حركة نحو شيء يتجاوزها. وكأن الغلاف يضعنا بين مستويين، الطبيعة الخضراء: صورة الامتلاء والوحدة. الوجوه المتأملة تجربة النقص والبحث.
لذلك لا يمكن في قراءتنا لعنوان الرواية أن نختزلها في موضوع الحب. ففي هذا السياق من التفكير مع بتلر نجد أنفسنا أمام بناء الأسئلة التالية، ماذا تريد هذه الشخصيات من الحب؟ هل تريد شخصًا آخر؟
أم تريد أن تصبح مرئية ومعترفًا بها عبر هذا الشخص؟
هنا يتحول الهوى من علاقة بين شخصين إلى عملية تكوين للذات. وإذا جمعنا العنوان والغلاف في ضوء ذات الرغبة يمكن القول:لا يصور الغلاف نساءً خاضعات للحب. إنها ذواتً في طور التشكّل. إن الهوى هنا ليس مجرد عاطفة رومانسية، وإنما حركة وجودية تدفع الذات إلى الخروج من انغلاقها بحثًا عن الاعتراف والمعنى. لذلك تبدو الشخصيات متجاورة ولكن غير مندمجة، حاضرة ولكن غير مكتملة، وكأن كل واحدة منها تسعى إلى صورة لذاتها لا تزال تتشكل في علاقتها بالآخر.
وقد صغت هذه الفرضيات التأويلية بهذا الشكل انطلاقا من قراءتي للرواية. حيث أعتقد بأن هذه القراءة تنسجم مع الغلاف نفسه، لأن الحزن الخفيف والتأمل والصمت الذي يطبع الوجوه يوحي بأن القضية أكبر من مجرد قصة حب، إنهارحلة بحث عن الذات عبر الرغبة؛ وهو بالضبط الأفق الفلسفي الذي يشتغل عليه كتاب ذات الرغبة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...