يحيى بركات - خلف الزجاج... من الذي يخيف ألمانيا؟

قبل أن نحكم على المشهد، علينا أن نعرف أبطاله.
هؤلاء ليسوا خمسة فلسطينيين.وليسوا خمسة مقاتلين.ولم يُتهموا بقتل أحد.

إنهم خمسة ناشطين أوروبيين من جنسيات ألمانية وبريطانية وأيرلندية وإسبانية، قرروا أن حرب غزة ليست شأناً بعيداً عنهم.

يقولون إنهم دخلوا منشأة تابعة لشركة السلاح الإسرائيلية في مدينة أولم الألمانية احتجاجاً على دورها في تسليح الحرب على غزة. وتقول السلطات إنهم اقتحموا المنشأة وألحقوا بها أضراراً، وإن ما فعلوه جريمة تستحق المحاكمة والعقاب.

ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالجدل لا يدور حول خمسة أشخاص فقط.
بل حول سؤالين كبيرين.
هل ما قاموا به عمل جنائي يستحق السجن؟
أم شكل من أشكال العصيان المدني ضد شركة تساهم في صناعة الموت؟
وهل تتعامل ألمانيا مع هذه القضية باعتبارها مخالفة قانونية فحسب؟
أم أن اسم فلسطين ما زال يثير داخل السياسة الألمانية حساسية تتجاوز حدود القانون؟

في الصور التي انتشرت من المحكمة لا نرى مجرد متهمين يصلون إلى قاعة المحاكمة.
نرى مشهداً آخر.
وصلوا مكبلين بالأصفاد.
لكن الوجوه لم تكن وجوه مهزومة.
كانت هناك ابتسامات.
وكان هناك تصفيق.
وكان هناك تواصل بصري بين من يقفون خلف الزجاج ومن يجلسون خارجه.
وكأن المحكمة تحولت للحظات من فضاء للعقاب إلى فضاء للشهادة.

ما يلفتني في هذا المشهد ليس الأصفاد.
بل الزجاج.
ذلك الحاجز الشفاف الذي يفصل بين الطرفين.
الزجاج الذي يسمح للجميع أن يروا بعضهم بعضاً، لكنه يمنعهم من الوصول إلى بعضهم.
يشبه تماماً الحاجز الذي يفصل اليوم بين روايتين.
رواية ترى أن التضامن مع فلسطين أصبح فعلاً مشبوهاً يستحق الملاحقة.
ورواية ترى أن الصمت أمام ما يجري في غزة هو الجريمة الحقيقية.

في السينما كثيراً ما يكون البطل الحقيقي هو من يدخل المشهد خاسراً في الظاهر، لكنه يربح المعنى.

ولهذا بدت الابتسامات في تلك القاعة أكثر حضوراً من القيود نفسها.

لكن السؤال الأهم يبقى:
لماذا تخاف ألمانيا من هذه القضية إلى هذا الحد؟
هنا لا بد من العودة إلى التاريخ.
فألمانيا تحمل واحدة من أثقل الذاكرات السياسية في العالم.

جرائم النازية بحق اليهود لم تكن مجرد فصل عابر في التاريخ الأوروبي، بل جرحاً ما زال حاضراً في الوعي الألماني حتى اليوم.

ومن حق الألمان أن يتذكروا ذلك.
ومن واجبهم أن يرفضوا معاداة العنصريه بكل أشكالها.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون داخل ألمانيا وخارجها هو:

هل يمكن أن يتحول الشعور التاريخي بالذنب إلى سبب يمنع رؤية مأساة أخرى؟

وهل يصبح الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أو انتقاد سياسات إسرائيل العنصريه أمراً يثير كل هذا القلق؟

المفارقة القاسية أن الفلسطيني لم يكن جزءاً من الجرائم التي ارتكبتها أوروبا بحق اليهود.
لم يبن معسكرات الاعتقال.
ولم يكتب قوانين العنصرية.
ولم يكن طرفاً في تلك المأساة.

ومع ذلك يجد نفسه، منذ عقود طويلة، يدفع جزءاً من ثمن تاريخ لم يصنعه.

ولهذا تبدو محاكمة "أولم 5" أكبر من محاكمة خمسة ناشطين.
إنها محاكمة لسؤال كامل.
سؤال يقف اليوم خلف الزجاج.
هل أصبح التضامن مع فلسطين تهمة؟

وهل يمكن أن تتحول الديمقراطية إلى مساحة واسعة لكل الأصوات، إلا صوت الضحية حين تكون فلسطينية؟

في بعض المحاكمات لا يكون السؤال:
من يقف خلف الزجاج؟
بل:
أي الأفكار يخشاها الزجاج؟
وصلوا مكبلين.
لكنهم دخلوا القاعة واقفين.
وكان التصفيق الآتي من المقاعد أقوى من صوت الأصفاد.

وفي النهاية لا يتذكر التاريخ دائماً أسماء القضاة الذين جلسوا خلف المنصة.

لكنه يتذكر أحياناً أولئك الذين وقفوا خلف الزجاج لأنهم رفضوا الوقوف في صف الصمت.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
17/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...