أكادُ أجزِمُ أنه لا يوجد أستاذ جامعي أو باحث أكاديمي لا يعرف أعلام تخصصه ، من شخصيات لها إسهامات بارزة ، وعلماء لهم آثار علمية تؤخذ عنهم ، يُستفاد من خلاصة فكرهم في الأبحاث ، أو في المحاضرات أو في الأنشطة العلمية المختلفة ، أو في التأسيس المعرفي بشكل عام . ونحن متخصصي اللغة العربية وآدابها ، نعرف مِن هؤلاء الأعلام والشخصيات ؛ العربي والغربي ، القديم والحديث والمعاصر ، سواء في التخصص الدقيق أو التخصص العام أو في مجال الثقافة والفكر .
منذ أيام انهالت سيول تدفقت من كل حدب و صوب ، تنعى أستاذ اللغويات واللسانيات بكلية الآداب جامعة المنوفية ، الدكتور خالد فهمي ، ترثي فيه العالِم اللغوي الفذ ، والمفكر المخلف إرثًا فكريًا وحضاريًا وبصمة لا تُمحى في سجلات علوم اللغة العربية والمعاجم المعاصرة ، والإنسان المتواضع النبيل صاحب الخلق والقيم . قرأت كمًا عظيمًا من مقالات رصينة ومُحْكَمة وبارعة في تنسيقها وتدفقها وصدقها في النعي والنعت . أبهرتني شخصية الفقيد التي أثرت في كل هذا العدد الضخم من الناس على المستويين العلمي والإنساني ، وأبهرني أكثر اتفاق والتفاف هذه الحشود حول العلم والعلماء ، وإدراكهم الغث من السمين ، وقدرتهم على تمييز الزَّبَد عما هو صالح ونافع ويمكث في الأرض .
وأنا حين أكتب الآن عن الدكتور خالد فهمي أكون متفردة عن كل هؤلاء ، متفردة في أنني لم أكن أعرف هذا الرجل ، لم أكن أعرفه قبل دقائق من رحيله ، على الرغم من أنه العَلَمُ الذي في رأسه نار . طالعتُ هذا الكم من الكتابات عنه وأنا في حالة من التعجب ، تتوازى فيها تركيبة هذه الشخصية الاستثنائية ، ومقدار جهلي بها.
فكيف غابت هذه الشخصية عن دائرة معارفي الواسعة بأهل اللغة وآدابها ؟! ولماذا لم يصل إلىّ أى أثر من آثارها التي يعرفها القاصي والداني ؟!
ولما أعياني الجواب والتعليل انصرفت عن الأمر إلى شيء آخر أكثر أهمية ؛ منجزات الرجل ونتاجه العلمي . فهو أستاذ جامعي - باحث ومحقق ومفكر- وخبير بمجمع اللغة العربية ، والرئيس الأسبق لمجلس إدارة دار الكتب المصرية . كل هذا ليس مهمًا ، فما لفتني في سيرته هي كتبه التي بلغت ستين كتابًا . وما دعم هذا الالتفات - لديّ- أنه أنجز هذا العدد من الكتب وقد توفي عن خمسة وخمسين عامًا، شيء مذهل حقًا . ولعل من يعمل في هذا المجال يدرك أن وراء بضعة أسطر يكتبها الباحث كمًا هائلًا من كتب ومراجع لابد أن يكون طالعها واستوثق بها, فما بال إنتاج هذا العدد الضخم ؟! ستون كتابًا !!! دائمًا أقول وأعلن : إن قدر أستاذ الجامعة لا يُحتسب بما يتقلد من مناصب ، أو بما يشارك في المؤتمرات والندوات ، بل وإلقاء المحاضرات والدروس وما شابه ، إنما يُقدر بقدر ما ترك من مؤلفات وآثار علمية مكتوبة ومدونة ومنشورة ، ولا يحوذ صفة العلمية إلا بها .
وهذا الكم العظيم من الكتب مقارنةً بسنوات إنتاجها ، يعني أن الدكتور خالد فهمي قضى عمره كله في القراءة والبحث والتأمل والتحليل ، فقدم عصارة كل هذا في ستين كتابًا ، شهد بعلميتها ورصانتها وأهميتها في الدرس اللغوي وفي علوم العربية أهل الاختصاص من العلماء والباحثين والدارسين .
لقد ترك الدكتور خالد فهمي رصيدًا من المؤلفات أكثر من سنوات عمره ، التي قضاها بمهدها وصباها ، شبابها وكهولتها . تأملتُ حياته بعد مغادرته ؛ كيف كان يُثَّمِن الوقت ؟ وكيف أخضعه واعتصر خلاصته عن آخره ؟ تأملت قدر المشقة والبذل والضنى التي دفعها ثمنًا في هذا الطريق ، فأدركت مع اتساع اليقين مقدار السعادة التي مازجت كل هذا وتوازنت معه . أستطيع بتجاربي في هذا المجال تَعَرُّف كيف قضى حياته بين متعةٍ و تعبٍ ، راحةٍ و مشقةٍ ، منحٍ ومحن . هكذا هي حياة الباحث والأكاديمي ، سلسلة من الأحايين والأحاسيس المتناقضة المتمازجة ، التي يراها قدَرًا محتومًا وسبيلًا لا يملك الفكاك منه .
وأنا لا توجد عندي متعة تعدل متعة التعلم والاطلاع والقراءة والمعرفة ، وأرى أنها أكمل الأرزاق التي منحني إياها رب العزة تعالى شأنه . حتى إنني أحيانًا أشطط بتفكيري إلى وضعية القراءة في الجنة ، هل ستكون فيها قراءة ؟ وكيف يمكن قضاء الوقت هناك دون قراءة ؟ فهي مصدر الانشراح والنعيم عندي . ثم أعود لأذَّكر نفسي أن طبيعة الإنسان واحتياجاته ستتغير في الحياة الآخرة ، وأن الجنة بها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى : " لهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ . كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا " ، وقوله تعالى : " وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ" .
ومنذ سنوات بعيدة حين كنت ألقي على الطلاب دروسًا في التشبيه ، مستخدمة المثال الدارج الشهير ( العلمُ نورٌ ) ، كنت أخبرهم بكل ثقةٍ وتأثرٍ وشرودٍ محسوب ، أن هذا التشبيه عجيب فعلًا ، حين يتخطى - لديّ- تأثير قراءة أي جزء من كتاب هذا المعنى المشار إليه في المثال ، المعنى المباشر الذي يفهم منه أن العلم ينير للإنسان مسالكه ، فيمضي فيها ببصر وبصيرة ، إلى رؤيتي النور على الحقيقة ، نور يشع أمامي ، وبريق يضيء المكان حولي فيحتضنه وأنا معه ، عندئذٍ أترك الكتاب لحظات ، أنظر أمامي إلى لا شيء ، منتشية بتلك الحالة قبل أن أعود ثانيةً إلى الكتاب. فعلًا كنت أرى نورًا حين أتلمس معلومة تضيف أو فكرة تهتف أو اطلاع يفصح ويفسح . وهذه متعة أراها تهون متاعب الطريق ، طريق البحث والعلم ، في سلسلة لا نهاية لها من التعب اللذيذ ، والورد المحتضن شوكه.
ويصادف هذا الكلام ما قلته قبل أيام من رحيل الدكتور خالد فهمي ، في مناقشة ماجستير - بإشرافي - لمعيد في القسم بكليتي ، كنت أتابعه وهو في أولى خطواته العلمية الأكاديمية - وقد مر بها كل الأكاديميين وطلاب الدراسات العليا وأنا أيضًا - وأعرف الهم الذي صاحبه طوال سنوات إعداده البحث ، وحالة القلق التي كانت تعتوره . حتى إذا جاء يوم المناقشة ، يوم الاحتفالية التي يُمنح فيها الباحث الدرجة العلمية والترقي ، يتبدل الحال لديه ، لنرى الارتياح والسرور والانشراح يحل محل أضادها . أيام قلائل وما يلبث أن يدخل في دائرة أخرى جديدة من القلق والهم والتعب ؛ سعيًا للحصول على الدرجة الأعلى ، ليشعر بعدها بالارتياح والسرور مجددًا . وهكذا يظل على تلك الحال حتى ينال درجة الأستاذية بعد إنجاز حوالي عشرين بحثًا ، وبعدها يبدأ مشوارًا آخر من العطاء العلمي ، الذي لا يخلو أيضًا من التعب والجهد والانشراح والسرور معًا . اقتبست وقتها - في المناقشة - في وصف حالة الأكاديمي تعبير نزار قباني ( شاعر السهل الممتنع ) الذي قالته قارئة الفنجان لأحد العاشقين : مقدورك أن تبقى مسجونًا بين الماءِ وبين النار.
وقلتُ فيما قلتُ عن العلمِ وفضلِهِ وقيمتِهِ : إن العلمَ هو الشيء الذي إذا أعطيته رد إليك العطاء بأكثر منه ، والذي إذا أخذ من راحتك فإنه يمنحك المتعة والطمأنينة ، والذي إذا وهبته حياتك أضاف إليك أعمارًا وأعمارًا ، وهو الشيء الذي يظل عطاؤه وفضله ممتدًا ، وفيًا بالوصل دون انقطاع حتى بعد مماتك ، يرسل إليك ثوابه حيث تكون هناك ؛ تصديقًا للحديث النبوي الشريف : " إذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .
وقلتُ : إنني - رغم مشقة هذا الطريق- أرى أن أهل الحظ في الدنيا هم العلماء ، ثم استعرت في العلمِ مقولة نزار قباني في الحب :
فبرغم جميع حرائقه، وبرغم جميع سوابقه ،
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار،
وبرغم الريح ، وبرغم الجو الماطر والإعصار
( العلمُ ) سيبقـى يا ولدي … أحلى الأقدار
ثناء محمود قاسم
أستاذ البلاغة والنقد الأدبي - كلية دار العلوم- جامعة الفيوم
منذ أيام انهالت سيول تدفقت من كل حدب و صوب ، تنعى أستاذ اللغويات واللسانيات بكلية الآداب جامعة المنوفية ، الدكتور خالد فهمي ، ترثي فيه العالِم اللغوي الفذ ، والمفكر المخلف إرثًا فكريًا وحضاريًا وبصمة لا تُمحى في سجلات علوم اللغة العربية والمعاجم المعاصرة ، والإنسان المتواضع النبيل صاحب الخلق والقيم . قرأت كمًا عظيمًا من مقالات رصينة ومُحْكَمة وبارعة في تنسيقها وتدفقها وصدقها في النعي والنعت . أبهرتني شخصية الفقيد التي أثرت في كل هذا العدد الضخم من الناس على المستويين العلمي والإنساني ، وأبهرني أكثر اتفاق والتفاف هذه الحشود حول العلم والعلماء ، وإدراكهم الغث من السمين ، وقدرتهم على تمييز الزَّبَد عما هو صالح ونافع ويمكث في الأرض .
وأنا حين أكتب الآن عن الدكتور خالد فهمي أكون متفردة عن كل هؤلاء ، متفردة في أنني لم أكن أعرف هذا الرجل ، لم أكن أعرفه قبل دقائق من رحيله ، على الرغم من أنه العَلَمُ الذي في رأسه نار . طالعتُ هذا الكم من الكتابات عنه وأنا في حالة من التعجب ، تتوازى فيها تركيبة هذه الشخصية الاستثنائية ، ومقدار جهلي بها.
فكيف غابت هذه الشخصية عن دائرة معارفي الواسعة بأهل اللغة وآدابها ؟! ولماذا لم يصل إلىّ أى أثر من آثارها التي يعرفها القاصي والداني ؟!
ولما أعياني الجواب والتعليل انصرفت عن الأمر إلى شيء آخر أكثر أهمية ؛ منجزات الرجل ونتاجه العلمي . فهو أستاذ جامعي - باحث ومحقق ومفكر- وخبير بمجمع اللغة العربية ، والرئيس الأسبق لمجلس إدارة دار الكتب المصرية . كل هذا ليس مهمًا ، فما لفتني في سيرته هي كتبه التي بلغت ستين كتابًا . وما دعم هذا الالتفات - لديّ- أنه أنجز هذا العدد من الكتب وقد توفي عن خمسة وخمسين عامًا، شيء مذهل حقًا . ولعل من يعمل في هذا المجال يدرك أن وراء بضعة أسطر يكتبها الباحث كمًا هائلًا من كتب ومراجع لابد أن يكون طالعها واستوثق بها, فما بال إنتاج هذا العدد الضخم ؟! ستون كتابًا !!! دائمًا أقول وأعلن : إن قدر أستاذ الجامعة لا يُحتسب بما يتقلد من مناصب ، أو بما يشارك في المؤتمرات والندوات ، بل وإلقاء المحاضرات والدروس وما شابه ، إنما يُقدر بقدر ما ترك من مؤلفات وآثار علمية مكتوبة ومدونة ومنشورة ، ولا يحوذ صفة العلمية إلا بها .
وهذا الكم العظيم من الكتب مقارنةً بسنوات إنتاجها ، يعني أن الدكتور خالد فهمي قضى عمره كله في القراءة والبحث والتأمل والتحليل ، فقدم عصارة كل هذا في ستين كتابًا ، شهد بعلميتها ورصانتها وأهميتها في الدرس اللغوي وفي علوم العربية أهل الاختصاص من العلماء والباحثين والدارسين .
لقد ترك الدكتور خالد فهمي رصيدًا من المؤلفات أكثر من سنوات عمره ، التي قضاها بمهدها وصباها ، شبابها وكهولتها . تأملتُ حياته بعد مغادرته ؛ كيف كان يُثَّمِن الوقت ؟ وكيف أخضعه واعتصر خلاصته عن آخره ؟ تأملت قدر المشقة والبذل والضنى التي دفعها ثمنًا في هذا الطريق ، فأدركت مع اتساع اليقين مقدار السعادة التي مازجت كل هذا وتوازنت معه . أستطيع بتجاربي في هذا المجال تَعَرُّف كيف قضى حياته بين متعةٍ و تعبٍ ، راحةٍ و مشقةٍ ، منحٍ ومحن . هكذا هي حياة الباحث والأكاديمي ، سلسلة من الأحايين والأحاسيس المتناقضة المتمازجة ، التي يراها قدَرًا محتومًا وسبيلًا لا يملك الفكاك منه .
وأنا لا توجد عندي متعة تعدل متعة التعلم والاطلاع والقراءة والمعرفة ، وأرى أنها أكمل الأرزاق التي منحني إياها رب العزة تعالى شأنه . حتى إنني أحيانًا أشطط بتفكيري إلى وضعية القراءة في الجنة ، هل ستكون فيها قراءة ؟ وكيف يمكن قضاء الوقت هناك دون قراءة ؟ فهي مصدر الانشراح والنعيم عندي . ثم أعود لأذَّكر نفسي أن طبيعة الإنسان واحتياجاته ستتغير في الحياة الآخرة ، وأن الجنة بها مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى : " لهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ . كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا " ، وقوله تعالى : " وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ" .
ومنذ سنوات بعيدة حين كنت ألقي على الطلاب دروسًا في التشبيه ، مستخدمة المثال الدارج الشهير ( العلمُ نورٌ ) ، كنت أخبرهم بكل ثقةٍ وتأثرٍ وشرودٍ محسوب ، أن هذا التشبيه عجيب فعلًا ، حين يتخطى - لديّ- تأثير قراءة أي جزء من كتاب هذا المعنى المشار إليه في المثال ، المعنى المباشر الذي يفهم منه أن العلم ينير للإنسان مسالكه ، فيمضي فيها ببصر وبصيرة ، إلى رؤيتي النور على الحقيقة ، نور يشع أمامي ، وبريق يضيء المكان حولي فيحتضنه وأنا معه ، عندئذٍ أترك الكتاب لحظات ، أنظر أمامي إلى لا شيء ، منتشية بتلك الحالة قبل أن أعود ثانيةً إلى الكتاب. فعلًا كنت أرى نورًا حين أتلمس معلومة تضيف أو فكرة تهتف أو اطلاع يفصح ويفسح . وهذه متعة أراها تهون متاعب الطريق ، طريق البحث والعلم ، في سلسلة لا نهاية لها من التعب اللذيذ ، والورد المحتضن شوكه.
ويصادف هذا الكلام ما قلته قبل أيام من رحيل الدكتور خالد فهمي ، في مناقشة ماجستير - بإشرافي - لمعيد في القسم بكليتي ، كنت أتابعه وهو في أولى خطواته العلمية الأكاديمية - وقد مر بها كل الأكاديميين وطلاب الدراسات العليا وأنا أيضًا - وأعرف الهم الذي صاحبه طوال سنوات إعداده البحث ، وحالة القلق التي كانت تعتوره . حتى إذا جاء يوم المناقشة ، يوم الاحتفالية التي يُمنح فيها الباحث الدرجة العلمية والترقي ، يتبدل الحال لديه ، لنرى الارتياح والسرور والانشراح يحل محل أضادها . أيام قلائل وما يلبث أن يدخل في دائرة أخرى جديدة من القلق والهم والتعب ؛ سعيًا للحصول على الدرجة الأعلى ، ليشعر بعدها بالارتياح والسرور مجددًا . وهكذا يظل على تلك الحال حتى ينال درجة الأستاذية بعد إنجاز حوالي عشرين بحثًا ، وبعدها يبدأ مشوارًا آخر من العطاء العلمي ، الذي لا يخلو أيضًا من التعب والجهد والانشراح والسرور معًا . اقتبست وقتها - في المناقشة - في وصف حالة الأكاديمي تعبير نزار قباني ( شاعر السهل الممتنع ) الذي قالته قارئة الفنجان لأحد العاشقين : مقدورك أن تبقى مسجونًا بين الماءِ وبين النار.
وقلتُ فيما قلتُ عن العلمِ وفضلِهِ وقيمتِهِ : إن العلمَ هو الشيء الذي إذا أعطيته رد إليك العطاء بأكثر منه ، والذي إذا أخذ من راحتك فإنه يمنحك المتعة والطمأنينة ، والذي إذا وهبته حياتك أضاف إليك أعمارًا وأعمارًا ، وهو الشيء الذي يظل عطاؤه وفضله ممتدًا ، وفيًا بالوصل دون انقطاع حتى بعد مماتك ، يرسل إليك ثوابه حيث تكون هناك ؛ تصديقًا للحديث النبوي الشريف : " إذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .
وقلتُ : إنني - رغم مشقة هذا الطريق- أرى أن أهل الحظ في الدنيا هم العلماء ، ثم استعرت في العلمِ مقولة نزار قباني في الحب :
فبرغم جميع حرائقه، وبرغم جميع سوابقه ،
وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار،
وبرغم الريح ، وبرغم الجو الماطر والإعصار
( العلمُ ) سيبقـى يا ولدي … أحلى الأقدار
ثناء محمود قاسم
أستاذ البلاغة والنقد الأدبي - كلية دار العلوم- جامعة الفيوم