كان محمد علي كلاي الملاكم الأسطوري يسقط يديه فيغري الخصم بالهجوم ويتفادى بحركة رأسه ضرباته ليستنفد قواه قبل أن يوجه إليه القاضية، وقد عبر عن هذا الأسلوب الفريد في عبارته الشهيرة" طر كالفراشة والسع كالنحلة"
وما زال أديبنا الكبير الدكتور سيد شعبان مثله، يراوغ ثم يهجم، ويحوم ثم يلدغ، في قصة رجل فقد حذاءه يرتكز القاص على رمز رئيس هو الحذاء الذي فقد، ليوهم القارئ بأن عقدته يسيرة وقضيته شكلية، فما عسى يكون الهم الكبير والأزمة العسرة في حذاء فقد في حلم، إنها عبارة يمكن أن تفسر رمزيا بأقصى ما تحتمله دلالة الكلمات بأن ذلك يشكل فقدا للزينة وكمال الشكل، وما كانت هذه عندي سوى حركة إسقاط اليد التي يتلوها بمراوغات يتمكن بها ببراعة من سحب خصمه (القارئ) وراءه - بلغته المدهشة والمتدفقة في غير عسر والتواء - في حلبة الحياة، فتراه في انحناءات القص يلقي بالعبارات العابرة من شاطئ معناها المعجمي إلى أعماق مآلاتها التأويلية، فيمكنك إذ تتلقاها أيها القارئ الكريم أن تسبح في أغوار عبارات مثل" كتاب تصفحه من قبل" و" الآن تبدو عقارب الساعة أكثر سرعة" و" كانت أمي تتحفظ على ثيابي المشجرة" و " يتلاعبون في وصلات عقولنا، يتحكمون في النفط والغذاء" و " إنهن بلهاوات يأتين بالصغار في سباق الزمن" و " كيف أغير ثيابي التي التصقت بجسدي زهاء عقد من الزمن"
إنها عبارات مراوغة منفتحة على تأولات متعددة ومحملة بعطاءات كثيفة من المعاني المحتملة وصياغة مخاتلة تستنفد من القارئ جهدا عقليا في تبين المغزى واصطياد المراد؛ فيشارك في إنتاج الدلالة دون أن يدري عبر متابعة الدور التأويلي والسير خلف الحاسة التفسيرية.
وفي خلال ذلك يستمر دائما بإغراء القارئ بحركة إسقاط اليد، من خلال عبارات أخرى لا تحتاج إلى كد عقلي وطاقة تأملية، فتراه يقول مثلا: " انطويت على ذاتي، اقتصرت على توفير الخبز لصغاري.. لم يعد راتبي يكفي لكل ما تريد .. لم يعد لدي اهتمام بأن أغير العالم" عبارات شديدة المباشرة لا تتطلب منك ذلك الرهق العقلي في إنتاج الدلالة وتتبع المغزى .
ثم تراه يبالغ في إسقاط اليد دون أن يبتعد عن الخصم وكأنه يستحثه على المضي في توجيه اللكمات، فيلقي بعبارة ربما يظن أنها لا حاجة بها في السرد ويمكن أن نستغني عنها؛ فهي إذن في نظر القارئ العَجِل تمثل ثقلا يحتاج الكاتب إلى التخفف منه بالحذف، مثل قوله "تدخين السجائر رخيصة الثمن (مما يأتي به عكروتة صبي المقهى) " تخال أن الاستغناء عن القيد الأخير ممكن دون إضرار بالحالة السردية أو نقض لتلاؤم السرد وانسجام القص، لكن هذه العبارة في ظني تشبه الجرس الذي يضرب بين الجولات، أو الفاتنة شبه العارية التي تحمل رقم الجولة لتعرضه على الجمهور المتحمس، لقد صيغت العبارة - حسبما أرى- لتقدم للقارئ استراحة يسيرة وتنفسا يأتيه عبر مشهدية سينمائية تطل من خلف ذكر الاسم المبتكر الغريب للصبي الذي لا يخلو من دلالات يسبغها الجرس الصوتي للاسم، فيسرع العقل ساعتها في تخيل الصورة ورسم شكل لصبي يدعى (عكروتة) وتصوُّر هيئته وشكله وهو يأتي مسرعا بعلبة السجائر .. إنها التقنية نفسها في الطيران كالفراشة حتى تأتي الجولة التي يستعد فيها القاص لتوجيه الضربة الساحقة .
في أثناء السرد يكتشف القارئ أن السرد يتنقل بيسر بين مجالين غنيين بالمؤثرات، أحدهما مجال الراوي ذلك الرجل الذي تقدم في العمر وخاب أمله في الأحلام الكبرى، ثم إلى مجال أكثر رحابة لتشتبك القصة مع الهم العام والمرارة اليومية لطبقة الكادحين، والأرق المستمر لطبقة المثقفين، عبر الدق المستمر على نغمة عسر الحال المادي ومتطلبات الأسرة والعجز عن التغيير السياسي واستثمار المقهى كمعادل موضوعي للمهرب المجتمعي والمخدر الذي لا يحل المشكلة بقدر ما يقدم مسكنا نستطيع من خلاله المضي في حياة ضيقة وضاغطة .
طوف بنا السارد في خطة تبدو عشوائية وغير منظمة ولكن كان ذلك هو الإيهام الذي قصده وخيط العنكبوت الذي لا تراه الفريسة ..ها هو يرخي قبضته ثانية فيقول " حمدت الله أن ما أصابني لا يعدو كونه حلم رجل بلا حذاء" ثم يجمع قبضته ويشحنها بأقصى طاقته ثم يقول" لا يوجد أحد يعلم أنني الآن أمشي بلا قدمين"
هنا تدرك أن الأزمة لم تكن كمالا شكليا وزينة تكتمل بالحذاء ومحاولة لحفظ الوقار والإبقاء على البريق فلو كانت لهانت لكنها - بما رصده ومهد به من ضواغط اقتصادية واجتماعية وسياسية - تمثل فقدا لا يمكن التعايش معه، يمكنك أن تتأوله بين فقد للكرامة والمكانة الاجتماعية، أو فقد للثقة بالنفس، أو فقد لبوصلة التحرك في المستقبل، أو فقد للهوية، أو فقد للقدرة على الاستمرار في الحياة .
وهنا يمكن أن نستخدم مصطلحي المركز والهامش بدلالتين جديدتين، فما بدا للقارئ أنه مركز وهو فقد الحذاء كان في الحقيقة هامشا وغطاء، وما بدا أنه هامش هو في الحقيقة مركز وفحوى، لقد بدأ الرجل بإرخاء القبضة وإسقاط اليد من خلال رجل يحلم بتغيير العالم ، ثم راوغ وحام وطار كالفراشة عبر حذاء مفقود؛ ليقلص مساحة الحلم لتصير محاولة للاحتفاظ بالحذاء، ثم يوجه القاصمة ليقرر أن القدمين أنفسهما مفقودتان، وبذلك يصحب المتلقي ليصل بالسرد إلى ذروته الفنية، وذلك بالانتقال من حلم كبير (تغيير العالم) إلى حلم أقل ببقاء الهيبة والكمال الشخصي (المحافظة على الحذاء) إلى الحلم الأدنى بمجرد البقاء والمضي في الحياة، لينتهي بنا إلى الغاية الفنية التي يريد إلقاءها في روع المتلقي وهي الإقرار بالهزيمة المرة للمواطن العربي في هذا الزمن.
ولكم تمنيت حقيقة أن يتوقف السرد هنا ولا يضيف شيئا ويترك القارئ يتخيل أجواء ما بعد المباراة دون أن يصفها الكاتب، لكن يبدو أن كاتبنا استجاب لرغبة دفينة في التشفي من الخصم والاستمتاع بلحظة النصر فتابع بعبارات ربما كان يحسُن لو لم تقل .
د. خالد سعيد
صباح السابع عشر من يونيو
وما زال أديبنا الكبير الدكتور سيد شعبان مثله، يراوغ ثم يهجم، ويحوم ثم يلدغ، في قصة رجل فقد حذاءه يرتكز القاص على رمز رئيس هو الحذاء الذي فقد، ليوهم القارئ بأن عقدته يسيرة وقضيته شكلية، فما عسى يكون الهم الكبير والأزمة العسرة في حذاء فقد في حلم، إنها عبارة يمكن أن تفسر رمزيا بأقصى ما تحتمله دلالة الكلمات بأن ذلك يشكل فقدا للزينة وكمال الشكل، وما كانت هذه عندي سوى حركة إسقاط اليد التي يتلوها بمراوغات يتمكن بها ببراعة من سحب خصمه (القارئ) وراءه - بلغته المدهشة والمتدفقة في غير عسر والتواء - في حلبة الحياة، فتراه في انحناءات القص يلقي بالعبارات العابرة من شاطئ معناها المعجمي إلى أعماق مآلاتها التأويلية، فيمكنك إذ تتلقاها أيها القارئ الكريم أن تسبح في أغوار عبارات مثل" كتاب تصفحه من قبل" و" الآن تبدو عقارب الساعة أكثر سرعة" و" كانت أمي تتحفظ على ثيابي المشجرة" و " يتلاعبون في وصلات عقولنا، يتحكمون في النفط والغذاء" و " إنهن بلهاوات يأتين بالصغار في سباق الزمن" و " كيف أغير ثيابي التي التصقت بجسدي زهاء عقد من الزمن"
إنها عبارات مراوغة منفتحة على تأولات متعددة ومحملة بعطاءات كثيفة من المعاني المحتملة وصياغة مخاتلة تستنفد من القارئ جهدا عقليا في تبين المغزى واصطياد المراد؛ فيشارك في إنتاج الدلالة دون أن يدري عبر متابعة الدور التأويلي والسير خلف الحاسة التفسيرية.
وفي خلال ذلك يستمر دائما بإغراء القارئ بحركة إسقاط اليد، من خلال عبارات أخرى لا تحتاج إلى كد عقلي وطاقة تأملية، فتراه يقول مثلا: " انطويت على ذاتي، اقتصرت على توفير الخبز لصغاري.. لم يعد راتبي يكفي لكل ما تريد .. لم يعد لدي اهتمام بأن أغير العالم" عبارات شديدة المباشرة لا تتطلب منك ذلك الرهق العقلي في إنتاج الدلالة وتتبع المغزى .
ثم تراه يبالغ في إسقاط اليد دون أن يبتعد عن الخصم وكأنه يستحثه على المضي في توجيه اللكمات، فيلقي بعبارة ربما يظن أنها لا حاجة بها في السرد ويمكن أن نستغني عنها؛ فهي إذن في نظر القارئ العَجِل تمثل ثقلا يحتاج الكاتب إلى التخفف منه بالحذف، مثل قوله "تدخين السجائر رخيصة الثمن (مما يأتي به عكروتة صبي المقهى) " تخال أن الاستغناء عن القيد الأخير ممكن دون إضرار بالحالة السردية أو نقض لتلاؤم السرد وانسجام القص، لكن هذه العبارة في ظني تشبه الجرس الذي يضرب بين الجولات، أو الفاتنة شبه العارية التي تحمل رقم الجولة لتعرضه على الجمهور المتحمس، لقد صيغت العبارة - حسبما أرى- لتقدم للقارئ استراحة يسيرة وتنفسا يأتيه عبر مشهدية سينمائية تطل من خلف ذكر الاسم المبتكر الغريب للصبي الذي لا يخلو من دلالات يسبغها الجرس الصوتي للاسم، فيسرع العقل ساعتها في تخيل الصورة ورسم شكل لصبي يدعى (عكروتة) وتصوُّر هيئته وشكله وهو يأتي مسرعا بعلبة السجائر .. إنها التقنية نفسها في الطيران كالفراشة حتى تأتي الجولة التي يستعد فيها القاص لتوجيه الضربة الساحقة .
في أثناء السرد يكتشف القارئ أن السرد يتنقل بيسر بين مجالين غنيين بالمؤثرات، أحدهما مجال الراوي ذلك الرجل الذي تقدم في العمر وخاب أمله في الأحلام الكبرى، ثم إلى مجال أكثر رحابة لتشتبك القصة مع الهم العام والمرارة اليومية لطبقة الكادحين، والأرق المستمر لطبقة المثقفين، عبر الدق المستمر على نغمة عسر الحال المادي ومتطلبات الأسرة والعجز عن التغيير السياسي واستثمار المقهى كمعادل موضوعي للمهرب المجتمعي والمخدر الذي لا يحل المشكلة بقدر ما يقدم مسكنا نستطيع من خلاله المضي في حياة ضيقة وضاغطة .
طوف بنا السارد في خطة تبدو عشوائية وغير منظمة ولكن كان ذلك هو الإيهام الذي قصده وخيط العنكبوت الذي لا تراه الفريسة ..ها هو يرخي قبضته ثانية فيقول " حمدت الله أن ما أصابني لا يعدو كونه حلم رجل بلا حذاء" ثم يجمع قبضته ويشحنها بأقصى طاقته ثم يقول" لا يوجد أحد يعلم أنني الآن أمشي بلا قدمين"
هنا تدرك أن الأزمة لم تكن كمالا شكليا وزينة تكتمل بالحذاء ومحاولة لحفظ الوقار والإبقاء على البريق فلو كانت لهانت لكنها - بما رصده ومهد به من ضواغط اقتصادية واجتماعية وسياسية - تمثل فقدا لا يمكن التعايش معه، يمكنك أن تتأوله بين فقد للكرامة والمكانة الاجتماعية، أو فقد للثقة بالنفس، أو فقد لبوصلة التحرك في المستقبل، أو فقد للهوية، أو فقد للقدرة على الاستمرار في الحياة .
وهنا يمكن أن نستخدم مصطلحي المركز والهامش بدلالتين جديدتين، فما بدا للقارئ أنه مركز وهو فقد الحذاء كان في الحقيقة هامشا وغطاء، وما بدا أنه هامش هو في الحقيقة مركز وفحوى، لقد بدأ الرجل بإرخاء القبضة وإسقاط اليد من خلال رجل يحلم بتغيير العالم ، ثم راوغ وحام وطار كالفراشة عبر حذاء مفقود؛ ليقلص مساحة الحلم لتصير محاولة للاحتفاظ بالحذاء، ثم يوجه القاصمة ليقرر أن القدمين أنفسهما مفقودتان، وبذلك يصحب المتلقي ليصل بالسرد إلى ذروته الفنية، وذلك بالانتقال من حلم كبير (تغيير العالم) إلى حلم أقل ببقاء الهيبة والكمال الشخصي (المحافظة على الحذاء) إلى الحلم الأدنى بمجرد البقاء والمضي في الحياة، لينتهي بنا إلى الغاية الفنية التي يريد إلقاءها في روع المتلقي وهي الإقرار بالهزيمة المرة للمواطن العربي في هذا الزمن.
ولكم تمنيت حقيقة أن يتوقف السرد هنا ولا يضيف شيئا ويترك القارئ يتخيل أجواء ما بعد المباراة دون أن يصفها الكاتب، لكن يبدو أن كاتبنا استجاب لرغبة دفينة في التشفي من الخصم والاستمتاع بلحظة النصر فتابع بعبارات ربما كان يحسُن لو لم تقل .
د. خالد سعيد
صباح السابع عشر من يونيو