يحيى بركات - حين غادر الطلاب القاعة... ودخلت فلسطين إلى المستقبل

لم يكن المشهد في جامعة ستانفورد مجرد حفل تخرج.
ولم يكن أولئك الشبان والشابات الذين نهضوا من مقاعدهم وغادروا القاعة أثناء كلمة الرئيس التنفيذي لشركة غوغل مجرد محتجين عابرين.

كان المشهد أقرب إلى لقطة سينمائية طويلة.
قاعة أنيقة.
أردية التخرج.
عائلات جاءت لتحتفل.
كاميرات جاهزة لالتقاط لحظة النجاح.
ورئيس إحدى أكبر شركات التكنولوجيا في العالم يصعد إلى المنصة.

كل شيء يبدو كما ينبغي أن يكون.
ثم يحدث ما لم يكن في السيناريو الرسمي.
صفوف من الطلاب تنهض.
بهدوء.
بلا ضجيج كبير.
بلا اقتحام للمنصة.
بلا محاولة لإيقاف الحفل.
فقط يديرون ظهورهم للمشهد ويغادرون.
وأحياناً تكون أقوى الجمل في السينما هي تلك التي لا تُقال.
وأحياناً يكون أقوى احتجاج هو أن ترفض البقاء في الصورة.
هذا ما حدث في ستانفورد.
لكن الحكاية لا تبدأ من هناك.
ولا تنتهي هناك.
فإذا ابتعدنا قليلاً عن القاعة، ورفعنا الكاميرا إلى الأعلى، سنرى مشهداً أكبر بكثير.
سنرى خيام الاعتصام في جامعة كولومبيا.
وسنرى هارفارد وييل وبرينستون وشيكاغو وUCLA.
وسنرى جامعات بريطانيا من لندن إلى كامبريدج وأكسفورد.
وسنرى جامعات فرنسا وإسبانيا وألمانيا وهولندا وإيرلندا.

وسنرى آلاف الطلبة الذين لم تجمعهم لغة واحدة ولا دين واحد ولا قومية واحدة.
جمعهم سؤال واحد:
ماذا يحدث في فلسطين؟

قبل سنوات قليلة فقط كان من الصعب تخيل هذا المشهد.
كانت الرواية الإسرائيلية تتمتع بنفوذ هائل داخل المؤسسات السياسية والإعلامية الغربية.
وكان كثيرون ينظرون إلى إسرائيل باعتبارها الضحية الدائمة.
لكن شيئاً ما انكسر.
ليس في السياسة فقط.
بل في الوعي.
حدث ذلك عندما خرجت الحرب من غرف الأخبار إلى الهواتف المحمولة.
عندما أصبحت الأم في غزة تحمل طفلها بيد وكاميرتها باليد الأخرى.

عندما أصبح المسعف شاهداً ومصوراً في اللحظة نفسها.
وعندما صار العالم يرى الحدث قبل أن تفسره البيانات الرسمية.
هنا بدأ التحول الكبير.
ليس لأن أحداً أقنع العالم.
بل لأن الصورة نفسها بدأت تتكلم.
ولعل الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إسرائيل، ومعها كثير من المدافعين عنها في الغرب، أنهم تعاملوا مع هذا الجيل كما لو أنه يشبه الأجيال السابقة.
تصوروا أن السيطرة على المنابر الكبرى تكفي.
وأن النفوذ داخل المؤسسات السياسية يكفي.
وأن تكرار الرواية نفسها لعقود سيبقى كافياً.

لكنهم لم ينتبهوا أن جيلاً جديداً كان يكبر في مكان آخر.
جيل لا ينتظر مذيع نشرة الأخبار كي يخبره ماذا حدث.
ولا ينتظر افتتاحية صحيفة صباحية كي يحدد موقفه.
جيل يذهب بنفسه إلى المصدر.
يقارن.
ويبحث.
ويشاهد.
ويحاكم الروايات المتناقضة بعينيه.
ولهذا لم تكن معركة الجامعات معركة على فلسطين فقط.

كانت معركة على الحق في المعرفة.
وعلى الحق في طرح السؤال.
وعلى الحق في رفض الخوف.
ولذلك رأينا إدارات جامعات تستدعي الشرطة إلى الحرم الجامعي.
ورأينا طلاباً يُعتقلون في جامعات كان يفترض أن تكون معاقل الحرية الفكرية.
ورأينا حملات ضغط وتمويل وتشويه تستهدف أكاديميين وباحثين وطلبة.
كل ذلك لأن المسألة لم تعد تتعلق بخيمة اعتصام.
بل بما تمثله تلك الخيمة.
ففي داخل كل خيمة كان يوجد سؤال.
وكل سلطة تخاف السؤال أكثر مما تخاف الهتاف.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن هذا التحول لم تصنعه الأحزاب السياسية.
ولم تصنعه الحكومات.
بل صنعته الثقافة.
صنعته الصورة.
وصنعه الفيلم الوثائقي.
وصنعته الرواية.
وصنعته الأغنية.
وصنعه الصحفي الذي بث من تحت القصف.
وصنعه شاب مجهول حمل هاتفه في شارع مدمر في غزة وأرسل للعالم صورة لم يكن العالم يريد أن يراها.
لهذا أعتقد أن ما يحدث اليوم هو أحد أكبر انتصارات القوة الناعمة الفلسطينية في التاريخ.
رغم كل ما أصاب الفلسطينيين من قتل ودمار وتشريد.
ورغم اختلال موازين القوة العسكرية والسياسية.
إلا أن الفلسطيني نجح في مكان آخر.
نجح في الوصول إلى ضمير العالم.
وهذه ليست مسألة عاطفية كما يعتقد البعض.

بل مسألة سياسية من الدرجة الأولى.
لأن الرأي العام هو الذي يغير البرلمانات.
وهو الذي يغير الحكومات.
وهو الذي يغير القوانين.
وهو الذي يحدد في النهاية ما هو المقبول وما هو المرفوض أخلاقياً.
ولهذا لا يشد انتباهي تصريح سياسي عابر.
ولا حكومة تأتي وأخرى تذهب.
ما يشد انتباهي حقاً هو ما يحدث في عمق الوعي العالمي.
هناك.

في الجامعات.
وفي مراكز البحث.
وفي قاعات السينما.
وفي المسارح.
وفي المعارض الفنية.
وفي الكتب.
وعلى شاشات الهواتف المحمولة.
هناك تتشكل الصورة الجديدة.
وهناك يُكتب جزء من المستقبل.
فالتاريخ لا يتغير فقط عندما تسقط الإمبراطوريات.
بل يتغير أيضاً عندما تتغير الطريقة التي ينظر بها البشر إلى الإمبراطوريات.

وما نشهده اليوم قد يكون واحداً من تلك اللحظات النادرة.
لحظة ينتقل فيها الفلسطيني، في وعي أعداد متزايدة من البشر، من موقع المتهم الذي طُلب منه دائماً أن يبرر وجوده، إلى موقع الإنسان الذي يطالب بحقه الطبيعي في الحرية والكرامة والحياة.
ولهذا فإن مشهد طلاب ستانفورد وهم يغادرون القاعة ليس مشهداً جامعياً.
إنه مشهد تاريخي صغير.
مثل حجر يسقط في بحيرة هادئة.
قد يبدو صغيراً لحظة سقوطه.
لكن الدوائر التي يصنعها حوله تظل تتسع.
وتتسع.
وتتسع.
إلى أن تصل إلى أماكن لم يكن أحد يتوقع أن تصل إليها.
ولهذا أصل دائماً إلى الفكرة نفسها.

ليس لأنني منحاز للسينما أو للثقافة أو للفنون بحكم مهنتي فقط.
بل لأن التاريخ نفسه علمني ذلك.
ففي نهاية المطاف لا تتذكر الشعوب عدد الطائرات التي حلقت في السماء.
ولا عدد الدبابات التي عبرت الحدود.
ولا عدد البيانات العسكرية التي صدرت أثناء الحروب.
ما يبقى هو الحكاية.
تبقى الصورة.
ويبقى الفيلم.
ويبقى الكتاب.
ويبقى الشاهد الذي قرر أن يقول ما رأى.
لهذا لم يكن غريباً أن تتحول فلسطين، رغم كل هذا الخراب، إلى واحدة من أكثر القضايا حضوراً في الوعي الثقافي العالمي.

ففي كل مكان تقريباً توجد اليوم قصة فلسطينية تُروى.
في جامعة.
في مسرح.
في معرض فني.
في فيلم وثائقي.
في رواية.
في أغنية.
في لوحة.
وفي منشور صغير على هاتف محمول يشاهده ملايين البشر.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

ففي زمن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات العملاقة يعود العالم من جديد إلى أقدم شيء عرفته البشرية:
القصة.
القصة التي تمنح الإنسان القدرة على رؤية الإنسان الآخر.
القصة التي تكسر الأرقام الجافة.
وتحول الضحايا من إحصاءات إلى وجوه.
ومن أخبار عابرة إلى بشر لهم أسماء وأحلام وأمهات وذكريات.
ولهذا أخطأ من ظن أن معركة فلسطين تُحسم فقط في غرف السياسة أو على موائد التفاوض.
فثمة معركة أخرى تجري بالتوازي.
معركة على المعنى.
على الذاكرة.
على الرواية.
على تعريف الحقيقة نفسها.
وفي هذه المعركة يبدو أن جيلاً جديداً قرر أن يشارك.
جيل ولد وسط الإنترنت.
وكبر مع وسائل التواصل.
وتعلم أن يسأل أكثر مما يصدق.
وأن يبحث أكثر مما يتلقى.
وأن يشاهد أكثر مما يستمع.

ومن هنا ربما يأتي القلق الحقيقي داخل إسرائيل.
ليس من مظاهرة في نيويورك.
ولا من اعتصام في لندن.
ولا من مجموعة طلاب في ستانفورد.
بل من السؤال الذي بدأ ينتقل من جيل إلى جيل.
ومن جامعة إلى جامعة.
ومن قارة إلى قارة.

السؤال الذي لم يعد ممكناً مصادرته أو تأجيله:
كيف يمكن لشعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود أن يتحول في الرواية الرسمية إلى الخطر الأكبر؟
وكيف يمكن لمن يمتلك القوة كلها أن يظل يطالب العالم بأن يراه ضحية إلى الأبد؟
هذه الأسئلة لا تُجيب عنها الدعاية.
ولا تُسكتها اللوبيات.
ولا تمحوها حملات التشويه.
لأنها بمجرد أن تدخل الوعي تبدأ حياتها الخاصة.

وهنا يبدأ التاريخ بالتحرك.
ببطء أحياناً.
وبصمت أحياناً.
لكن بثبات.
أما فلسطين، التي حاول كثيرون حصرها في الجغرافيا والسياسة والحروب، فقد تحولت شيئاً فشيئاً إلى سؤال أخلاقي عالمي.
وحين تتحول قضية ما إلى سؤال أخلاقي، فإنها تغادر حدود المكان.
وتدخل التاريخ.
وهناك، في تلك المنطقة البعيدة بين الذاكرة والضمير والعدالة، تبدأ الحكايات الكبرى رحلتها الحقيقية.
وربما لهذا السبب لا أرى في الثقافة والفنون والسينما ترفاً فكرياً، بل جزءاً من صناعة التاريخ نفسه.

فما فشلت الجيوش أحياناً في تحقيقه تستطيع صورة صادقة أن تفتحه في الوعي.
وما عجزت عنه الخطب السياسية قد ينجزه فيلم.
وما لم تستطع فرضه القوة قد تزرعه رواية في ضمير جيل كامل.
ولهذا فإن معركة فلسطين ليست فقط على الأرض.
بل على الذاكرة.
وليست فقط على الحدود.
بل على المعنى.
وليست فقط على الحاضر.
بل على الصورة التي سيحتفظ بها المستقبل.
وحين يغادر الطلاب القاعة، ويغادر الفنانون صمتهم، ويغادر الأكاديميون منطقة الخوف، ويغادر المثقفون حيادهم المريح، يصبح السؤال أكبر من جامعة وأكبر من مظاهرة وأكبر من حدث عابر.
يصبح السؤال:
أي عالم نريد أن نورثه للأجيال القادمة؟
وأي حقيقة نريد أن تبقى عندما يهدأ الغبار؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
18 حزيران 2026



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...