بعض الروايات تمنح قارءها حكاية ممتعة وبعضها تمنحه أسئلة تظل تلاحقه بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة. أما رواية "أوان الشد" فتنتمي إلى ذلك النوع النادر الذي يزداد انفتاحًا كلما ظن القارئ أنه أحكم القبض على معناه. فهي رواية يمكن قراءتها بوصفها مغامرة و قصة حب و رحلة بحث عن مخطوط مفقود لكنها في العمق تبدو أوسع من ذلك كله حيث تفتح أبواب متجاورة على الذاكرة والهوية والفقد والإيمان والاختيار وتترك القارئ يتجول بينها دفتيها دون أن تفرض عليه طريقة للقراءة.
في المرة الأولى التي قرأت فيها هذه الرواية ظننت أنني أمسكت بخيوطها وفككتُ شفراتها لكن مع إعادة قراءتي لها اكتشفت أن ما ظننته نهاية لم يكن سوى بداية جديدة. فالرواية ما يزال بحرها العميق يموج بأسئلة لم تُطرح وزوايا لم تُكتشف.
حين يركض مصطفى خلف نعش جده، "كان مصطفى يسرع الخطى منتحبًا يحاول اللحاق بأبيه الذي حمل النعش في ثبات" (ص٦٤) لا يودع جده الذي أحبه فقط بل يودع زمنًا كاملًا من الطمأنينة. هنا ومن تلك اللحظة يبدأ التحول الحقيقي في الرواية إذ يتحول الجد من شخصية وحضور جسدى إلى معنى و عهد ينتقل إلى الأحياء. لذلك لا يبدو الإهداء في مطلع الرواية منفصل عن متنها بل كأنه نبضها الخفي. فحين يخاطب الكاتب من رحلوا مطمئنًا إياهم أن هناك من "منا من لا يزال على العهد" تصبح الرواية كلها محاولة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يبقى الإنسان وفيًا لما يؤمن به حين يصبح الوفاء عبئًا لا مكسبًا؟
ومن اللافت أن الكاتب لا يدفع بطله إلى هذا السؤال عبر الخطب أو المواعظ وإنما عبر الحياة نفسها. فالطفل الذي يتأمل اختلاف البشر ويسأل: " لماذا نختلف في عبادة الله؟ وهل يدخل أحدنا الجنة ولا يدخلها الآخر؟" (٣٤)
لا يطرح سؤالًا دينيًا بقدر ما يطرح سؤالًا إنسانيًا ذلك السؤال البريء الذي يخرج من عقل طفل سيكبر ليجد نفسه وسط عالم يصنع من الاختلافات الصغيرة جدرانًا عالية ويحول التنوع إلى صراع ويجعل الإنسان يخشى الآخر بدل أن يتعرف إليه.
ومن هنا لا تأتي ماريا إلى الرواية بوصفها قصة حب تخفف قسوة الأحداث بل باعتبارها جزءًا من إجابة السؤال نفسه. فهي ليست مجرد فتاة أحبها مصطفى وإنما اختبار لقدرة الإنسان على تجاوز الحواجز التي يصنعها المجتمع والخوف والأحكام المسبقة. ولهذا تكتسب علاقتهما معناها من كونها انتصار للإنسان على الحواجز المصطنعة و الأحكام الجاهزة وللقدرة على اللقاء رغم كل ما يدعو إلى التباعد. وحين قالت ماريا لمصطفى: "أعلم أنها مخاطرة أن أكذب على والديّ بهذا الشكل ولكن الأمر يستحق، إنني في غاية الفضول والشغف لرؤية المخطوط وخوض التجربة" (ص١٨٧) لم تكن تتحدث عن فضول عابر بل عن شغف معرفي يجعلها شريكة حقيقية في الرحلة وليست مجرد رفيقة عاطفية.
لكن الرواية لا تكتفي بتأمل العلاقات الإنسانية بل تطرح سؤال أشد عمقًا ماذا يحدث للأمم حين تفقد ذاكرتها؟
هنا يظهر مخطوط الشيخ صفي الدين الدمشقي الذي يدور حوله جزء كبير من الأحداث. والمخطوط هنا ليس مجرد وثيقة قديمة أو أثر تاريخي بل وعاء لمعرفة تراكمت عبر الأجيال وهدف لقوى تدرك أن السيطرة على المعرفة هي الطريق الأقصر للسيطرة على البشر. لذلك فإن المخطوط في ظاهره وثيقة مفقودة لكنه في جوهره يمثل الوعي والذاكرة والتاريخ الذي يحاول البعض الحفاظ عليه بينما يسعى آخرون إلى محوه أو احتكاره.
يقول البطل عند اكتشافه للمخطوط " كنت كمن أمسى بلا مقدمات في معرض مجسم للتاريخ" (ص١٤٧) وهذه الجملة ليست وصف للحظة عابرة بل إعلان عن تحول جذري فالمخطوط ليس كتابًا فحسب بل بوابة إلى التاريخ الحي. وليس من المصادفة أن يكون محور الصراع مخطوط وليس كنزًا ولا سلاحًا فالسرد يلمح منذ البداية إلى أن المعركة الحقيقية ليست على الأشياء بقدر ما هي على المعرفة ذاتها.. على من يملك الذاكرة ومن يروي الحكاية ومن يحتفظ بصورة الماضي قبل أن يعاد تشكيلها أو محوها.
ولهذا يبدو مشهد مصطفى وهو يبحث بين الأنقاض من أكثر مشاهد الرواية دلالة: "انطلقت أرفع عنها ما أستطيع من أحجار وأنقب في حماسة مستعرة علني أصادف المخطوط... حتى سقطت مع وداع الشمس خائر البدن" (ص٣٢١). في الظاهر هو يبحث عن أوراق ضائعة لكن في الحقيقة يبدو كمن يبحث عن معنى وسط الخراب وعن جزء من ذاته وسط عالم ينهار من حوله. وكأن الكاتب يلمح إلى أن الإنسان يستطيع أن يتحمل خسارة أشياء كثيرة لكنه يضيع فعلًا حين يفقد ذاكرته.
ومن هنا تتكشف طبيعة الصراع الذي تقدمه الرواية. فهو ليس صراع على سلطة أو نفوذ بقدر ما هو صراع على الوعي. ولذلك لا يظهر أعوان الشيطان بوصفهم شخصيات شريرة منفصلة عن الواقع بل بوصفهم صورة للقوى التي تعيش على إثارة الفتن وتزييف الحقائق وتفتيت المجتمعات وإشغال الناس بصراعات تستنزفهم. إنهم يعرفون أن السيطرة على العقول أيسر من السيطرة على الأرض وأن تشويه الوعي أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
وفي مشهد اجتماع المنظمة السرية يعلن ماريو ببرود: "مهما كان الثمن، ومهما سقط من ضحايا" (ص١٤٥ ) و يبدو الآخرون أكثر حذرًا في الوسائل لا في الغاية. وهنا يكشف السرد أن المعرفة في عالم المصالح الكبرى لا تكون دائمًا غاية نبيلة بل قد تتحول إلى أداة للهيمنة وإعادة تشكيل الواقع.
لكن الأحداث لا تجعل الخطر مقتصر على هؤلاء وحدهم بل تقدم فئة أخرى أكثر إثارة للقلق هي فئة الرماديين. فإذا كان أعوان الشيطان يشعلون النار فإن الرماديين يتركونها تمتد. وإذا كان أولئك يصنعون الفتنة فإن هؤلاء يسمحون لها بالنمو بالصمت والتردد والانسحاب من المسئولية. إنهم لا يقفون دائمًا مع الباطل لكنهم لا يقفون مع الحق حين يحتاج إليهم. ومن هنا يطل سؤال أخلاقي بالغ الأهمية: هل يكفي أن يكون الإنسان صالحًا؟ أم أن عليه أن يمتلك شجاعة الموقف أيضًا؟ وتبدو الإجابة واضحة فالتردد ليس حيادًا دائمًا والصمت ليس براءة دائمًا والامتناع عن الاختيار قد يكون في بعض اللحظات اختيار في حد ذاته.
وفي أثناء ذلك كله يظل المكان حاضرًا كأنه أحدي شخصيات الرواية. فقلعة الكبش ومصر القديمة والسيدة زينب لا تظهر بوصفها مسرح للأحداث فقط بل بوصفها ذاكرة حية تتنفس داخل النص. وحين يستعيد الكاتب تاريخ هذه الأماكن لا يفعل ذلك بدافع الحنين وحده بل ليؤكد أن كل إنسان يحمل في داخله أصوات البيوت القديمة وملامح الأزقة وروائح الحجارة العتيقة وحكايات من مروا قبلها.
ولهذا لا يصبح المكان مجرد جغرافيا بل وعاء للذاكرة و مساهم في تشكيل الوعي. فبيت الجد بتفاصيله التي تفيض بالزمن و"مدخله ذو باب خشبيي سميك وهائل يعلوه تراب قديم في كامل مساحته فعشش بين ألياف خشبه وكأنه جزء منها (ص٢٥) لا يحمل ذكريات عائلية فحسب بل يحمل طبقات من التاريخ والمعرفة والحنين حتى يبدو وكأنه يحرس ما تبقى من عالم لا يكف عن التغيير.
ومن خلال الرحلات التي يخوضها مصطفى تتسع الحكاية من حدود الفرد إلى حدود الأمة. فالانتقال بين الأماكن ليس حركة جغرافية فقط بل انتقال بين طبقات مختلفة من التاريخ والوعي والواقع العربي. خريطة وجودية كاملة: الرحلة إلى الهرم حيث الثبات والخلود والرحلة إلى العراق حيث الفتنة التي تمزق الجسد الواحد والرحلة إلى الفضاء حيث التيه والتبعية. ثلاث محطات وثلاثة اختبارات يمر بها البطل ليخرج منها بوعي جديد.
أما مشهد الثلج الاستثنائي الذي يسقط على القاهرة والأحلام التي تسبق اكتشاف المخطوط والروحانية التي تكتنف الرحلة إلى الهرم كلها عناصر تجعل الرواية تتخطى حدود الواقعية المباشرة. يقول البطل " كان يومًا استثنائيًا بحق يومًا فريدًا ونادرًا على مستوى الطقس والأجواء و.. والرمز(ص١٩). وكأن الكاتب يعلن من بداية الرواية أن ما سيأتي لا ينتمي إلى المصادفة وحدها بل إلى دائرة أوسع من الدلالات والإشارات.
وما يميز رواية "أوان الشد" أن أفكارها لا تأتي في صورة أفكار مباشرة بل تنمو داخل الحكاية نفسها. فاللغة شفافة وقادرة على الانتقال من الوجداني إلى الرمزي دون افتعال بينما تكشف الحوارات عن الشخصيات أكثر مما تشرحها. فحوار الطفل مصطفى مع جده يزرع البذور الأولى للأسئلة الكبرى وحوار ماريا يكشف شغفها بالمعرفة واستعدادها للمغامرة أما حوارات المنظمة السرية فتفضح منطق الهيمنة الذي يحركها.
وخلال القراءة يشعر القارئ أن الأحداث تتحرك بإيقاع أقرب إلى استدعاء الذاكرة إذ ينتقل السرد بين الطفولة والشباب وبين القاهرة والعراق وبين الواقع والحلم دون أن يفقد تماسكه. كما أن الوصف لا يأتي كخلفية للأحداث بل كجزء من معناها سواء في مشهد الثلج الاستثنائي أو في وصف الهرم أو في استحضار أحياء القاهرة القديمة التي تبدو وكأنها تنبض بتاريخها الخاص.
وحتى القفزة الأخيرة في السرد حين ينتقل البطل من زمن المعاناة إلى زمن الاستقرار لا تبدو اختصار متعجل بقدر ما تبدو اختيار واعي يترك للقارئ أن يملأ الفراغات بنفسه. فالرواية معنية بما تصنعه التجربة في الإنسان أكثر من انشغالها بتفاصيل ما يحدث بعد اكتمالها.
ولهذا لا تبدو النهاية انتصار فردي بقدر ما تبدو استعادة للتوازن بعد رحلة طويلة من الاختبارات. فمصطفى الذي فقد كثيرًا لا يخرج من التجربة خالي الوفاض بل يخرج أكثر فهمًا لمعنى العهد الذي حمله منذ البداية. وكأن الرواية بعد كل ما تثيره من أسئلة عن الفقد والفتنة والهوية والحب والوعي تنتهي إلى إجابة هادئة لكنها عميقة: ليس المطلوب من الإنسان أن ينجو من كل العواصف بل أن يحافظ على ما يجعله إنسان وهو يعبرها.
وهنا يتكشف المعنى الكامل للعنوان. فأوان الشد ليس زمن الشدة وحدها بل زمن الامتحان. الزمن الذي يختبر فيه الإنسان في حبه ووعيه وذاكرته ومبادئه. الزمن الذي يقرر فيه إن كان سيتخلى عما يؤمن به أم سيشد عليه أكثر. ولهذا لا تصبح الشدة نقيض الأمل بل الطريق إليه.
وكما يقول البطل في لحظة انكسار: "شعرت بأن يأسي وقنوطي خيانة لهما فنزعت عني رداء الضعف والإرهاق وأبدلت به ثياب القوة والجلد" (ص٩٦). هذه الجملة ببساطتها تختزل روح الرواية كلها فالخلاص لا يأتي من انتظار الفرج بل من مقاومة الانكسار ومن القدرة على النهوض كلما بدا السقوط أقرب.
في نهاية "أوان الشد" لا يبقى في الذاكرة مخطوط الشيخ صفي الدين الدمشقي وحده ولا رحلة مصطفى ولا ماريا ولا حتى الصراع الذي دار حول المعرفة والوعي بل يبقى ذلك الشعور بأن الإنسان يُختبر طوال حياته في الأشياء التي يظنها أبسط مما ينبغي: الوفاء والذاكرة والحب والقدرة على التمسك بما يؤمن به حين يصبح التخلي أسهل.
ولعل أجمل ما في الرواية أنها لم تقدم هذه الأسئلة في صورة خطاب مباشر أو حكمة جاهزة بل تركتها تتشكل عبر الأشخاص والأماكن والرحلات والخسارات. لذلك يشعر القارئ عند النهاية أنه لم يقرأ حكاية فقط بل عاش تجربة إنسانية ممتدة.
وربما تكمن براعة الأديب/ محمد فايز حجازي في أنه يختفي خلف عالمه الروائي فلا يزاحم شخصياته ولا يفرض صوته على الأحداث بل يترك الحكاية تنمو بطبيعتها ويمنح القارئ حرية الاكتشاف والتأويل. ولهذا تبدو رواية "أوان الشد" من تلك الروايات التي لا تنتهي بانتهاء قراءتها بل تبدأ قراءة جديدة لها كلما أغلق القارئ صفحتها الأخيرة.
في المرة الأولى التي قرأت فيها هذه الرواية ظننت أنني أمسكت بخيوطها وفككتُ شفراتها لكن مع إعادة قراءتي لها اكتشفت أن ما ظننته نهاية لم يكن سوى بداية جديدة. فالرواية ما يزال بحرها العميق يموج بأسئلة لم تُطرح وزوايا لم تُكتشف.
حين يركض مصطفى خلف نعش جده، "كان مصطفى يسرع الخطى منتحبًا يحاول اللحاق بأبيه الذي حمل النعش في ثبات" (ص٦٤) لا يودع جده الذي أحبه فقط بل يودع زمنًا كاملًا من الطمأنينة. هنا ومن تلك اللحظة يبدأ التحول الحقيقي في الرواية إذ يتحول الجد من شخصية وحضور جسدى إلى معنى و عهد ينتقل إلى الأحياء. لذلك لا يبدو الإهداء في مطلع الرواية منفصل عن متنها بل كأنه نبضها الخفي. فحين يخاطب الكاتب من رحلوا مطمئنًا إياهم أن هناك من "منا من لا يزال على العهد" تصبح الرواية كلها محاولة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يبقى الإنسان وفيًا لما يؤمن به حين يصبح الوفاء عبئًا لا مكسبًا؟
ومن اللافت أن الكاتب لا يدفع بطله إلى هذا السؤال عبر الخطب أو المواعظ وإنما عبر الحياة نفسها. فالطفل الذي يتأمل اختلاف البشر ويسأل: " لماذا نختلف في عبادة الله؟ وهل يدخل أحدنا الجنة ولا يدخلها الآخر؟" (٣٤)
لا يطرح سؤالًا دينيًا بقدر ما يطرح سؤالًا إنسانيًا ذلك السؤال البريء الذي يخرج من عقل طفل سيكبر ليجد نفسه وسط عالم يصنع من الاختلافات الصغيرة جدرانًا عالية ويحول التنوع إلى صراع ويجعل الإنسان يخشى الآخر بدل أن يتعرف إليه.
ومن هنا لا تأتي ماريا إلى الرواية بوصفها قصة حب تخفف قسوة الأحداث بل باعتبارها جزءًا من إجابة السؤال نفسه. فهي ليست مجرد فتاة أحبها مصطفى وإنما اختبار لقدرة الإنسان على تجاوز الحواجز التي يصنعها المجتمع والخوف والأحكام المسبقة. ولهذا تكتسب علاقتهما معناها من كونها انتصار للإنسان على الحواجز المصطنعة و الأحكام الجاهزة وللقدرة على اللقاء رغم كل ما يدعو إلى التباعد. وحين قالت ماريا لمصطفى: "أعلم أنها مخاطرة أن أكذب على والديّ بهذا الشكل ولكن الأمر يستحق، إنني في غاية الفضول والشغف لرؤية المخطوط وخوض التجربة" (ص١٨٧) لم تكن تتحدث عن فضول عابر بل عن شغف معرفي يجعلها شريكة حقيقية في الرحلة وليست مجرد رفيقة عاطفية.
لكن الرواية لا تكتفي بتأمل العلاقات الإنسانية بل تطرح سؤال أشد عمقًا ماذا يحدث للأمم حين تفقد ذاكرتها؟
هنا يظهر مخطوط الشيخ صفي الدين الدمشقي الذي يدور حوله جزء كبير من الأحداث. والمخطوط هنا ليس مجرد وثيقة قديمة أو أثر تاريخي بل وعاء لمعرفة تراكمت عبر الأجيال وهدف لقوى تدرك أن السيطرة على المعرفة هي الطريق الأقصر للسيطرة على البشر. لذلك فإن المخطوط في ظاهره وثيقة مفقودة لكنه في جوهره يمثل الوعي والذاكرة والتاريخ الذي يحاول البعض الحفاظ عليه بينما يسعى آخرون إلى محوه أو احتكاره.
يقول البطل عند اكتشافه للمخطوط " كنت كمن أمسى بلا مقدمات في معرض مجسم للتاريخ" (ص١٤٧) وهذه الجملة ليست وصف للحظة عابرة بل إعلان عن تحول جذري فالمخطوط ليس كتابًا فحسب بل بوابة إلى التاريخ الحي. وليس من المصادفة أن يكون محور الصراع مخطوط وليس كنزًا ولا سلاحًا فالسرد يلمح منذ البداية إلى أن المعركة الحقيقية ليست على الأشياء بقدر ما هي على المعرفة ذاتها.. على من يملك الذاكرة ومن يروي الحكاية ومن يحتفظ بصورة الماضي قبل أن يعاد تشكيلها أو محوها.
ولهذا يبدو مشهد مصطفى وهو يبحث بين الأنقاض من أكثر مشاهد الرواية دلالة: "انطلقت أرفع عنها ما أستطيع من أحجار وأنقب في حماسة مستعرة علني أصادف المخطوط... حتى سقطت مع وداع الشمس خائر البدن" (ص٣٢١). في الظاهر هو يبحث عن أوراق ضائعة لكن في الحقيقة يبدو كمن يبحث عن معنى وسط الخراب وعن جزء من ذاته وسط عالم ينهار من حوله. وكأن الكاتب يلمح إلى أن الإنسان يستطيع أن يتحمل خسارة أشياء كثيرة لكنه يضيع فعلًا حين يفقد ذاكرته.
ومن هنا تتكشف طبيعة الصراع الذي تقدمه الرواية. فهو ليس صراع على سلطة أو نفوذ بقدر ما هو صراع على الوعي. ولذلك لا يظهر أعوان الشيطان بوصفهم شخصيات شريرة منفصلة عن الواقع بل بوصفهم صورة للقوى التي تعيش على إثارة الفتن وتزييف الحقائق وتفتيت المجتمعات وإشغال الناس بصراعات تستنزفهم. إنهم يعرفون أن السيطرة على العقول أيسر من السيطرة على الأرض وأن تشويه الوعي أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
وفي مشهد اجتماع المنظمة السرية يعلن ماريو ببرود: "مهما كان الثمن، ومهما سقط من ضحايا" (ص١٤٥ ) و يبدو الآخرون أكثر حذرًا في الوسائل لا في الغاية. وهنا يكشف السرد أن المعرفة في عالم المصالح الكبرى لا تكون دائمًا غاية نبيلة بل قد تتحول إلى أداة للهيمنة وإعادة تشكيل الواقع.
لكن الأحداث لا تجعل الخطر مقتصر على هؤلاء وحدهم بل تقدم فئة أخرى أكثر إثارة للقلق هي فئة الرماديين. فإذا كان أعوان الشيطان يشعلون النار فإن الرماديين يتركونها تمتد. وإذا كان أولئك يصنعون الفتنة فإن هؤلاء يسمحون لها بالنمو بالصمت والتردد والانسحاب من المسئولية. إنهم لا يقفون دائمًا مع الباطل لكنهم لا يقفون مع الحق حين يحتاج إليهم. ومن هنا يطل سؤال أخلاقي بالغ الأهمية: هل يكفي أن يكون الإنسان صالحًا؟ أم أن عليه أن يمتلك شجاعة الموقف أيضًا؟ وتبدو الإجابة واضحة فالتردد ليس حيادًا دائمًا والصمت ليس براءة دائمًا والامتناع عن الاختيار قد يكون في بعض اللحظات اختيار في حد ذاته.
وفي أثناء ذلك كله يظل المكان حاضرًا كأنه أحدي شخصيات الرواية. فقلعة الكبش ومصر القديمة والسيدة زينب لا تظهر بوصفها مسرح للأحداث فقط بل بوصفها ذاكرة حية تتنفس داخل النص. وحين يستعيد الكاتب تاريخ هذه الأماكن لا يفعل ذلك بدافع الحنين وحده بل ليؤكد أن كل إنسان يحمل في داخله أصوات البيوت القديمة وملامح الأزقة وروائح الحجارة العتيقة وحكايات من مروا قبلها.
ولهذا لا يصبح المكان مجرد جغرافيا بل وعاء للذاكرة و مساهم في تشكيل الوعي. فبيت الجد بتفاصيله التي تفيض بالزمن و"مدخله ذو باب خشبيي سميك وهائل يعلوه تراب قديم في كامل مساحته فعشش بين ألياف خشبه وكأنه جزء منها (ص٢٥) لا يحمل ذكريات عائلية فحسب بل يحمل طبقات من التاريخ والمعرفة والحنين حتى يبدو وكأنه يحرس ما تبقى من عالم لا يكف عن التغيير.
ومن خلال الرحلات التي يخوضها مصطفى تتسع الحكاية من حدود الفرد إلى حدود الأمة. فالانتقال بين الأماكن ليس حركة جغرافية فقط بل انتقال بين طبقات مختلفة من التاريخ والوعي والواقع العربي. خريطة وجودية كاملة: الرحلة إلى الهرم حيث الثبات والخلود والرحلة إلى العراق حيث الفتنة التي تمزق الجسد الواحد والرحلة إلى الفضاء حيث التيه والتبعية. ثلاث محطات وثلاثة اختبارات يمر بها البطل ليخرج منها بوعي جديد.
أما مشهد الثلج الاستثنائي الذي يسقط على القاهرة والأحلام التي تسبق اكتشاف المخطوط والروحانية التي تكتنف الرحلة إلى الهرم كلها عناصر تجعل الرواية تتخطى حدود الواقعية المباشرة. يقول البطل " كان يومًا استثنائيًا بحق يومًا فريدًا ونادرًا على مستوى الطقس والأجواء و.. والرمز(ص١٩). وكأن الكاتب يعلن من بداية الرواية أن ما سيأتي لا ينتمي إلى المصادفة وحدها بل إلى دائرة أوسع من الدلالات والإشارات.
وما يميز رواية "أوان الشد" أن أفكارها لا تأتي في صورة أفكار مباشرة بل تنمو داخل الحكاية نفسها. فاللغة شفافة وقادرة على الانتقال من الوجداني إلى الرمزي دون افتعال بينما تكشف الحوارات عن الشخصيات أكثر مما تشرحها. فحوار الطفل مصطفى مع جده يزرع البذور الأولى للأسئلة الكبرى وحوار ماريا يكشف شغفها بالمعرفة واستعدادها للمغامرة أما حوارات المنظمة السرية فتفضح منطق الهيمنة الذي يحركها.
وخلال القراءة يشعر القارئ أن الأحداث تتحرك بإيقاع أقرب إلى استدعاء الذاكرة إذ ينتقل السرد بين الطفولة والشباب وبين القاهرة والعراق وبين الواقع والحلم دون أن يفقد تماسكه. كما أن الوصف لا يأتي كخلفية للأحداث بل كجزء من معناها سواء في مشهد الثلج الاستثنائي أو في وصف الهرم أو في استحضار أحياء القاهرة القديمة التي تبدو وكأنها تنبض بتاريخها الخاص.
وحتى القفزة الأخيرة في السرد حين ينتقل البطل من زمن المعاناة إلى زمن الاستقرار لا تبدو اختصار متعجل بقدر ما تبدو اختيار واعي يترك للقارئ أن يملأ الفراغات بنفسه. فالرواية معنية بما تصنعه التجربة في الإنسان أكثر من انشغالها بتفاصيل ما يحدث بعد اكتمالها.
ولهذا لا تبدو النهاية انتصار فردي بقدر ما تبدو استعادة للتوازن بعد رحلة طويلة من الاختبارات. فمصطفى الذي فقد كثيرًا لا يخرج من التجربة خالي الوفاض بل يخرج أكثر فهمًا لمعنى العهد الذي حمله منذ البداية. وكأن الرواية بعد كل ما تثيره من أسئلة عن الفقد والفتنة والهوية والحب والوعي تنتهي إلى إجابة هادئة لكنها عميقة: ليس المطلوب من الإنسان أن ينجو من كل العواصف بل أن يحافظ على ما يجعله إنسان وهو يعبرها.
وهنا يتكشف المعنى الكامل للعنوان. فأوان الشد ليس زمن الشدة وحدها بل زمن الامتحان. الزمن الذي يختبر فيه الإنسان في حبه ووعيه وذاكرته ومبادئه. الزمن الذي يقرر فيه إن كان سيتخلى عما يؤمن به أم سيشد عليه أكثر. ولهذا لا تصبح الشدة نقيض الأمل بل الطريق إليه.
وكما يقول البطل في لحظة انكسار: "شعرت بأن يأسي وقنوطي خيانة لهما فنزعت عني رداء الضعف والإرهاق وأبدلت به ثياب القوة والجلد" (ص٩٦). هذه الجملة ببساطتها تختزل روح الرواية كلها فالخلاص لا يأتي من انتظار الفرج بل من مقاومة الانكسار ومن القدرة على النهوض كلما بدا السقوط أقرب.
في نهاية "أوان الشد" لا يبقى في الذاكرة مخطوط الشيخ صفي الدين الدمشقي وحده ولا رحلة مصطفى ولا ماريا ولا حتى الصراع الذي دار حول المعرفة والوعي بل يبقى ذلك الشعور بأن الإنسان يُختبر طوال حياته في الأشياء التي يظنها أبسط مما ينبغي: الوفاء والذاكرة والحب والقدرة على التمسك بما يؤمن به حين يصبح التخلي أسهل.
ولعل أجمل ما في الرواية أنها لم تقدم هذه الأسئلة في صورة خطاب مباشر أو حكمة جاهزة بل تركتها تتشكل عبر الأشخاص والأماكن والرحلات والخسارات. لذلك يشعر القارئ عند النهاية أنه لم يقرأ حكاية فقط بل عاش تجربة إنسانية ممتدة.
وربما تكمن براعة الأديب/ محمد فايز حجازي في أنه يختفي خلف عالمه الروائي فلا يزاحم شخصياته ولا يفرض صوته على الأحداث بل يترك الحكاية تنمو بطبيعتها ويمنح القارئ حرية الاكتشاف والتأويل. ولهذا تبدو رواية "أوان الشد" من تلك الروايات التي لا تنتهي بانتهاء قراءتها بل تبدأ قراءة جديدة لها كلما أغلق القارئ صفحتها الأخيرة.