طارق حنفي - [إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ...]

{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: ٤٠]
-----------

النُّصرة في اللغة تأتي بمعنى المساعدة والعون والتأييد، والإعانة على الفوز.

والإنسان في العموم بين حِلٍّ وترحال، ومصاحبةٍ ووحدة، وبين عملٍ وسكونٍ وكلامٍ وسكوت.
ولكي تستطيع أي قوة نُصرة إنسانٍ ما، عليها أن ترافقه إلى كل مكان يذهب إليه، وفي كل عملٍ يعمله، وفي كل قولٍ يتلفظ به، وهو ما لن يحدث أبدًا.

نعم، قد ينصر الأخ أخاه - فيما يعلم - مرة أو مرات، لكن ماذا
يفعل فيما لا يعلم، أو عندما يفوق الأمر استطاعته؟!

والله أعلم، نقول:
في الآية الكريمة تكررت (إذ) ثلاث مرات، في ثلاثة أزمنة، تعبر عن ثلاثة أحوال مختلفة.

- [إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا]:
نصر اللهُ رسولَه حين أجبره المشركون على الهجرة، وترك مكة والرحيل إلى المدينة. أيَّده الله سبحانه في ترحاله بالأسباب، ما ظهر منها وما خفي. سار بينهم رسول الله، وهم من بين أيديهم سدًّا ومن خلفهم سدًّا، فلا يُبصرون.

وسراقة، تغوص أقدام فرسه في الرمل كلما أدركه وصاحبه... إلخ.

- [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ]:
حلَّ الرسول الكريم وصاحبه في الغار، ولا حيلة لهما. أدركهما المشركون، ولو نظر أحدهم تحت قدميه لرآهما.
أيَّده الله ونصره، فصرف عنهما سمع المشركين وبصرهم، وصرفهم عن الدخول إلى الغار أو مواصلة البحث فيه، مع أن ذلك يوافق ظاهر المنطق.

وسواء أكان هناك عنكبوت بين خيوطه على باب الغار، وحمامة تجلس على بيضها أم لا، فقد نصره الله ولم يُمكِّن الكفار منه.

- [إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ]:
حزن أبو بكر خوفًا على رسول الله ﷺ، وغلب عليه القلق في تلك اللحظة؛ فذكَّره رسول الله أن الله ثالثهما.
لا تحزن يا صاحبي، إن الله معنا.
ولعل من آثار تلك السكينة التي أنزلها الله أن أبا بكر وجد من طمأنينة رسول الله ﷺ ما بدد حزنه، فعاد إليه يقينه الذي عُرف به الصِّدِّيق.

أيَّد الله سبحانه كلام رسوله، وأدخله حيِّز التنفيذ بمجرد أن نطق به.

نصرُ الله نصرٌ دائم، مبني على علمه وحكمته وقدرته وقيوميته.
نصر اللهُ رسولَه في كل أحواله؛ بتصديقه لكلامه، ونصرته في حِلِّه وترحاله، وفي المصاحبة والوحدة، وفي العمل والسكون، والكلام والسكوت.
***
من سورة الكهف:

- أيَّد الله ذا القرنين في حِلِّه وترحاله بالأسباب الظاهرة كلها،
لكنه أيَّد سيدنا محمدًا ﷺ في حِلِّه وترحاله بالأسباب الظاهرة والباطنة.

- لجأ الفتية إلى الكهف هربًا بدينهم من الملك الكافر وجنده، فنصرهم الله عليهم، وأماتهم ثم أحياهم بعد زوال ملكه وموته
هو وجنده.

لكن حين لجأ رسول الله ﷺ وصاحبه إلى الغار، نصره الله وأخرجه إلى المدينة ليحارب الشرك والمشركين، وينتصر عليهم أجمعين، ويُعلي كلمة الحق في العالمين.

- العبد الصالح لم يُصدِّقه صاحبُه (سيدنا موسى عليه السلام)، ولم يصبر على فِعله.

أما سيدنا محمد ﷺ فقد أدخل السكينة واليقين والتصديق على قلب صاحبه، حتى إن أبا بكر صدَّق أن هذا النبي الفار من قومه سيملك الدنيا والآخرة.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الحبيب المصطفى الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...