علجية عيش.. الصِّراعُ هو صِرَاعُ نُخب.. دعوة إلى عقلنة التفكير البشري

أدونيس و مظلومية الأدباء.. عندما ينتحر الحُبُّ نكتُبُ هوسنا

-------------------------------------------------------- رغم أنني متعبة، أنا الآن أجلس إلى مكتبي و فوقه كتابين : الأول للدكتور عبد السلام صحراوي بعنوان: "أسئلة الحداثة العربية" يقع في 269 صفحة دون حساب الفهرسة، حدد فيه المؤلف دور الأديب المبدع و هو يكمن في الخرق المستمر للمُعْطى السائد، و إذا كان لابد من الكلام على انحياز ما في هذا الصدد ، فهو الإنحياز إلى الحرية الكاملة في الإبداع، و إذا كان هناك نضال أو التزام، فهو نضال من أجل الإنسان أينما كان و من أجل حريته الفكرية و العقائدية و إطلاق عقله و روحه في سبيل الإبتكار و الإبداع و الرّيادة

يعترف الدكتور صحراوي بأن كل المنظومات الفكرية و السياسية - الإيديولوجية هي منظومات و برامج مغالطة و كاذبة و هي "أفيون الشعوب"..الخ، أما الكتاب الثاني و هو بعنوان "الصفحات السّود لمدرسة التغريب و الحداثة و التنوير" للدكتور محمد عبد الشافي القوصي يقع في 263 صفحة، و قد كتب الناشر مدبولي الصغير في أعلى الغلاف " الوثائق تتكلم" و هذا الكتاب صنع باحترافية من حيث الإخراج، إلا أن صفحاته أتعبت بصري لأن حجم حروفه صغيرة، لا يهم ذلك طبعا ، طالما الأمر يتعلق بتنوير القارئ، فكلاهما بذلا جهدا فكريا لإخراج هذا العمل الإبداعي إلى النور و إيصاله إلى القارئ العربي، المهم و الأهم أن المؤلفان أشعل النار على بعض الأدباء الحداثيين العرب ، مركزين على الأديب " أدونيس"، نعم هي الوثائق تتكلم ، و كما يقال: "الثقة في الوثيقة"، لكن قد تكون هذه الوثيقة مزوّرة و حروفها مُحَؤَّفَة؟ ، كما فعل كُتَّابُ الإنجيل مع عيسى عليه السلام و كما فعلت أمريكا عندما أصدرت كتابا سمّته الفرقان و قالت هذا هو مصحف المسلمين ، لضرب الإسلام و تشويه صورته و للتلاعب بعقول المسلمين

و السؤال : لماذا أدونيس بالذات؟و مجلته "مواقف"؟ لدرجة أن النقّاد لقبوه بشيطان الحداثة، رغم أن المئات من محبيه و الملتفين حوله، هو بالنسبة لهم الأب الروحي سواء في الإبداع أو التنظير، و السؤال يطرح نفسه بنفسه، هل الصراع هو سياسي؟ هل هو صراع لغة ؟ لأن أدونيس و بعض المفكرين الحداثيين حاربوا اللغة الفصحى، و هل الإبداع كفرٌ ؟ و بخاصة الشعر الحُرّ؟ هل الصراع كثير هو صراع مثقفين؟، فكثير من المبدعين العرب هم عملاء للقوى العالمية و على راسها المخابرات الأمريكية ، يشير محمد القوصي إلى بعض الأسماء من مصر و منهم لويس عوض الذي سار على نهج سلامة موسى الذي يكن العداء للغة العربية، أظن أن هناك حرب بين المثقفين و الكل يريد النيل من الآخر و لا يتعلق الأمر باللغة و لا بالإسلام

حكاية قرأتها في كتاب القوصي في الصفحة 157 ، تقول الحكاية: قلت لشيخي الأديب: يا مولاي ، سمعتك ذات مرة تقول: لقد ورد في الأثر أنه لا يُعَذَّبُ في القبر من مات يوم "الجمعة" ، فما الظن -يا شيخي- لو كان ذاك الميّت من أهل التنوير و الحداثة؟ فرد الشيخ: إذن يُعَذَبُ يوم السبت..، هذه الحكاية تبين أن الصراع هو صراع نخب ، و كأنه تصفية حسابات، و من بين الصراعات التي دارت بين النخبة العربية المثقفة نقرأ عن "أدب الجوائز " ومن يكون له الحظ في أن يحصل على جائزة نوبل في السلام و في الإبداع ، كان أدونيس قد حظي بجائزة نوبل، لكنه رفضها ، هي الحرب على الإبداع و تطوره ، أراد التقليديون أن يظل شعر التفعيلة هو الرائد ، و نسوا أن الزمن يتغير و في كل تغير يتغير معه المجتمع، فلكل جيل خصوصيته و لو أن في شعر هؤلاء ما يوحي بالكفر ، نقرأ في ذلك قول شاعر حداثي:
الله في مدينتي تبيعه اليهود
الله في مدينتي مشردٌ طريد
أراده الغزاة أن يكون لهم
أجيرا شاعرا قوّاد
يخدع في قيتاره المُذَهَّب العباد
لكنه أصيب بالجنون

نقول أن الشعر الحر ليس انقلاب على نظام شعر ما، فالعالم متعدد اللغات ، و قد تجد شعبا يتكلم بمئات اللغات في بلد واحد كالهند، شعوب لها تعددية دينية و لها تعددية فكرية و تعددية ثقافية و تعدد لغوي ، لكن المحافظين يقولون أن هناك خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها ، و يفغضلون أن يظل كل شيئ طابو، فمتى كان الشعر الحر كفرا؟، يقول الدكتور صحراوي: الأدب في رأي الكثير من الدارسين و النقاد و المهتمين لا يُحاكَمُ أخلاقيا و إلا أصبح الأدب كما يُراد له أن يكون وعظا و إرشادا ، و يقدّم الدكتور صحراوي شخصية الشاعر الفرنسي ( أرثر رامبو ) artur rimbeau الذي هجر الشعر، كونه من النماذج التي تثير الأعماق، إذ يرسم شعره صورة للإنسان المسحوق قلقا و الذي يبحث عن الإيمان عبثا بعد أن فشل في ان يكون نبيّا..، طبعا الحديث عن هذا الموضوع ذو شجون ، فهو قبل كل شيء مشوق للغاية و أنت تقرأ نماذج من شعر الحداثيين، يجعلك أسير كاتبه فكل ما جاء به الشعر الحر يعبر عن الحب و الألم و الوطن و الوفاء و الخيانة و هو يختلف عن ما جاء به شعراء السلطان و البلاطات، فشخصية رومبو اتجهت في العصر الحداثي إلى عقلنة كل شيئ و عقلنة التفكير البشري، أراد الإنسان الحداثي أن يسير في الإتجاه المعاكس ليثبت وجوده بأنه كائن موجود يفكر و لا ينتظر وصاية من أحد.

و أنا أقول:
هل بإمكاننا الفرح بعد الأحزان؟
عندما انظر إلي السماء
يسكنني الأمان
يبتسم الزهر و تسكن الروح
إذن بإمكاننا الفرح
و نعوض ما فات و ما ضاع
في لحظة من الزمان

فقد قيل في الشعر أنه حين توجه له السّهام المسمومة في الصدر يتحوَّل إلى سِيرة جُرح مفتوح، جرحٌ ينزف و ينزف و لا يندمل ، تجعله يحتضر و يطول احتضاره ، وحين تصبح الكلماتُ صوتًا للوجع و بديلا عن الصرخة التي في الأعماق و لا يسمعها أحد، تتشابه مصائر الشعراء مهما تباعدتْ أوطانُهم، واختلفتْ لغاتُهم و ألسنتهم، فالوجع يمتلك لغةً واحدةً هي " الآه..." ، و الأه تخشى البوح، لئلا تضيع، الأه هي الوجعُ حين يبلغ ذِروته يذيب الحدودَ و يسكن الأجساد الملتحمة، لا يفرق بين جسد الأنا و الآخر ، لأنه وجع واحد لا لون له و لا لغة.
أدونيس شاعر الحداثة ( نموذجا )، الملاحظ أن السؤال يتكرر في الأوساط الثقافية العربية : لماذا لم يحصل أدونيس على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة ؟ سؤال طرحه الباحث الأردني إبراهيم أبو عواد و هو كما يقول يستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته و إعادة قراءة أعماله ، ففي مقال له نشرته مجلة التنوير يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كثافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة، فأدونيس ينشغل باللغة أكثر من انشغاله بالمعنى ، وكأنَّه تُمارس نوعًا من ” الكتابة عن الكتابة ” ، هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود ، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي ، والأدبُ العظيم حتى في أكثر تجلياته حداثةً يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي .

أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها . هذا لا يُعَدُّ ميزة ، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل ، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين، لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا
فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادا تجاه التراث العربي والإسلامي ، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا ، هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء ، والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان ، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام.

ينتقد الدكتور إبراهيم أبو عواد أدونيس رغم ادِّعائه التجديد والتحديث بأنه قطع الصلةَ مع التراث دون أن ينجح في بناء بديل مُقْنِع ، و أن شِعْرُه لا يُحفَظ ولا يُتداوَل شفهيًّا ، ولا يعيش في الذاكرة الجَمَاعِيَّة، وهذا يُعتبَر مُؤشِّرًا على أنَّ مشروعه نُخبوي ، أي أنه كتبَ للنُّخبة المُثقَّفة فقط ، والجُمهورُ لا يَجد في نُصوصه صَدًى أوْ حياةً ،وخِطابُه النقدي ومواقفه الفكرية أعطت انطباعًا لدى البعض أنَّه يُقَدِّم نَفْسَه كمشروع حضاري كامل لا كشاعر فقط، فهذا التضخم كما يقول هو انعكسَ على شِعْره ، حيث يَظهر كأنَّه يكتب أفكارًا فلسفية بلباس شِعْري أكثر مِنْ كَونه يَصنع تجربة شِعرية نابضة، كما أنه يُكرِّر نَفْسَ الثيمات ( الهدم ، الثورة ، الأُسطورة ) ، ويُعيد تدويرَ الرموز نَفْسِها ، دُون تطوُّر حقيقي في الأدوات أو الرؤية ، وقدْ تعرَّضَ لانتقادات حادَّة بسبب مواقفه السياسية والثقافية والاجتماعية ، فهو مُراقِب مِنْ بعيد، ومُنفصل عن مُعاناة الواقع، وَمُتردِّد في مواقف مِفْصَلية؟

من قرأوا أدونيس يؤكدون أن أكثر التناقضات وُضوحًا في شِعْر أدونيس هو مُحاولته الجمع بين الحداثة والتجريب مِنْ جِهة ، وبين التمسُّك بالرموز الأُسطورية مِنْ جِهة أُخرى . وهو يُعلِن ضرورةَ التحرُّر مِن التُّراث ، والبحثِ عن هُوِيَّة جديدة للشِّعْر العربي ، لكنَّه في الوقتِ ذاته يَحِنُّ إلى الأساطير القديمة ، ويتشبَّث بِصُوَر رمزية يَصعُب على القارئ الغَرْبي أوْ حتى العَرَبي استيعابَها دُون دِراسة عميقة ، فهذا التناقضُ بَين التحرُّر مِن القديمِ والانغماسِ فيه ، يَصنع شُعورًا بعدم الاتِّساق ، ويَجعل المَشروعَ الشِّعْري أكثرَ تعقيدًا بِلا آفاق ولا رُوح ولا حياة، و لذلك فإن عدمُ فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب لَيس نتيجة مؤامرة أوْ ظُلْم ، بَلْ هو انعكاس طبيعي لحدود تجربته ، فرغم مكانته الأدبية في العالَم العربي ، فهو لَيس فوق النقد، وأعمالُه لَيستْ بِمَنأى عن المُساءلة ، لأن الغُموض ، والنُّخبوية ، والتناقض الفِكري ، كُلها عوامل ساهمتْ في عدم فَوزه بالجائزة.​
قراءة علجية عيش





















[HEADING=1][/HEADING]​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...