يحيى بركات - كيف رأى العالم الإبادة ثم واصل حياته؟

صدر مؤخراً كتاب للصحفي الأمريكي آدم جونسون بعنوان:
"كيف تُسوّق لإبادة جماعية".
لم أقرأ الكتاب بعد.
وأقول ذلك منذ البداية لأن احترام القارئ أهم من أي ادعاء معرفي.
لكن مجرد صدور كتاب بهذا العنوان، وفي هذا التوقيت، ومن داخل الولايات المتحدة نفسها، يطرح أسئلة تستحق التوقف أمامها.
ليس عن الكتاب فقط.
بل عن العالم الذي جعل مثل هذا الكتاب ضرورياً.
في حرب فيتنام احتاج الأمريكيون سنوات كي يعرفوا الحقيقة.
وفي العراق احتاجوا سنوات أخرى كي يكتشفوا أن كثيراً مما قيل لهم لم يكن كما بدا.
أما في غزة فكانت الحقيقة تبث مباشرة على الهواء.
كانت الكاميرا هناك.
والصحفي هناك.
والطفل هناك.
والأم هناك.
والركام هناك.
والموت هناك.
العالم لم يكن يفتقر إلى الصور.
بل ربما غرق فيها.
ومع ذلك ظهر كتاب بعنوان: "كيف تُسوّق لإبادة جماعية".
هنا لا يعود السؤال ماذا حدث في غزة.
بل كيف رأى العالم ما حدث ثم استمر في حياته؟
أتخيل طفلاً فلسطينياً يخرج من تحت الركام.
الغبار يغطي وجهه.
عيناه تبحثان عن أمه.
الصورة تنتشر في كل مكان.
يشاهدها الملايين.
ثم تمر دقائق قليلة.
ينتقل المشاهد إلى مباراة كرة قدم.
أو إعلان تجاري.
أو مسلسل تلفزيوني.
كأن شيئاً لم يحدث.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
هل فقدت الصورة قدرتها على الصدمة؟
أم أن المشكلة لم تكن في الصورة أصلاً؟
بل في اللغة التي تحيط بها؟
في العنوان الذي يسبقها؟
وفي السردية التي تمنحها معناها؟
ربما لهذا لا تبدو القضية مجرد قضية إعلام.
بل قضية سلطة.
فالسلطة لا تعمل فقط عبر الجيوش والسياسة.
بل عبر اللغة أيضاً.
عبر اختيار الكلمات.
وعبر تحديد من يظهر داخل الكادر ومن يبقى خارجه.
حين يُقتل إسرائيلي، نعرف اسمه.
وصورته.
وعائلته.
وحياته.
ومن كان ينتظره في البيت.
أما الفلسطيني فغالباً ما يتحول إلى رقم.
رقم جديد يضاف إلى أرقام سابقة.
وهنا لا يعود السؤال إعلامياً.
بل إنسانياً.
من يستحق أن يكون قصة؟
ومن يكفي أن يكون رقماً؟
من يستحق الحداد؟
ومن يمكن أن يمر موته على شريط الأخبار ثم يُنسى؟
خذوا مثالاً آخر.
قصة الأطفال "مقطوعي الرؤوس".
سواء اتفق الناس أو اختلفوا حول تفاصيلها، فإن ما يستحق التأمل ليس الرواية وحدها، بل سرعتها.
كيف انتشرت؟
كيف دخلت خطابات السياسيين؟
كيف تبنتها وسائل إعلام كبرى؟
وكيف تحولت إلى جزء من الوعي العام قبل أن تبدأ الأسئلة والتدقيقات والاعتراضات؟
هنا لا نتحدث عن خبر.
بل عن صناعة سردية.
عن الطريقة التي يمكن فيها لقصة واحدة أن تشكل مزاجاً عاماً وأن تبرر غضباً عاماً وأن تؤثر في فهم ملايين البشر لما يجري.
ثم جاءت الجامعات.
خرج الطلاب إلى الشوارع.
احتجوا.
اعترضوا.
سألوا أسئلة مختلفة.
وفجأة لم يعد السؤال:
لماذا يحتجون؟
بل:
هل يشكلون خطراً؟
كيف تحولت قضية تتعلق بالحرب والقتل والدمار إلى قضية تتعلق بسلوك المحتجين أنفسهم؟
وكيف انتقل مركز النقاش من الضحايا إلى الذين يتحدثون عن الضحايا؟
كرجل سينما، لطالما اعتقدت أن الصورة هي ساحة المعركة.
لكن غزة دفعتني إلى الاعتقاد أن المعركة أعمق.
الصورة مهمة.
لكن اللغة التي تشرح الصورة لا تقل أهمية عنها.
السينما تسأل:
ماذا أُظهر؟
أما الإعلام فيسأل أحياناً:
كيف أروي ما أُظهر؟
ولهذا قد تتحول المجزرة إلى "حادث".
وقد يتحول القصف إلى جملة مبنية للمجهول.
وقد ينهار مستشفى في اللغة قبل أن يُقال من قصفه.
وقد يختفي الفاعل من الجملة كما يختفي أحياناً من الوعي.
لكن المفارقة الأكبر أن ما جرى في غزة لم يبقَ داخل غرف الأخبار.
فبينما كانت مؤسسات إعلامية وسياسية كثيرة تحاول التعامل مع الحرب كحدث منفصل بدأ في السابع من أكتوبر، كان جيل كامل من الطلاب والفنانين والكتاب والسينمائيين والأكاديميين يرى شيئاً آخر.
كان يرى تاريخاً طويلاً يخرج من الأرشيف إلى الشاشة.
كان يرى النكبة.
والاحتلال.
والاستيطان.
والحصار.
والاقتلاع.
أشياء ظلت لعقود موضوعاً للنقاش السياسي، ثم تحولت فجأة إلى صور يومية يشاهدها العالم كله.
ربما لهذا خرجت الجامعات إلى الشوارع.
وربما لهذا انقسمت المؤسسات الثقافية.
وربما لهذا بدا أحياناً أن فناناً أو مخرجاً أو طالباً جامعياً يفهم ما يجري أكثر من مؤسسات تمتلك مئات الكاميرات وآلاف المراسلين.
لأن الثقافة لا تبدأ من الخبر.
بل من الإنسان.
ولا تبدأ من الحدث.
بل من معناه.
وإذا كانت تحقيقات صحفية عديدة قد تحدثت عن خوارزميات وأنظمة رقمية تساعد في اختيار أهداف القصف، فإن سؤالاً موازياً يظل قائماً:
من يختار الكلمات التي تسبق القصف؟
من يختار العنوان؟
من يختار الصورة الأولى؟
ومن يقرر أي دمعة تستحق البث وأي دمعة تبقى خارج الكادر؟
هناك آلة تختار الهدف.
وهناك آلة أخرى تبرر استهدافه.
الأولى خوارزمية.
والثانية سردية.
لهذا أريد أن أقرأ هذا الكتاب.
لا لأنني أبحث عن دليل جديد على ما جرى في غزة.
بل لأنني أريد أن أفهم كيف يشرح كاتب أمريكي لأبناء مجتمعه ما رآه العالم كله.
أريد أن أعرف كيف بنى حجته.
وأين ذهب بها.
وأين توقف.
وما الذي قاله.
وما الذي لم يقله.
وأدعو كل من قرأ الكتاب أن يكتب عنه وأن يشاركني والقارئ العربي قراءته النقدية له.
لأن عنواناً مثل "كيف تُسوّق لإبادة جماعية" لا يدعوك إلى قراءة كتاب فقط.
بل يدعوك إلى مساءلة عصر كامل.
عصر لم يعد السؤال فيه كيف نصل إلى الحقيقة.
بل كيف يمكن أن تكون الحقيقة أمام أعين الجميع، ثم تبقى موضع نزاع.
فالإبادات السابقة كانت تحتاج إلى إخفاء.
أما غزة فقد كشفت مفارقة أكثر قسوة.
لقد كانت الجريمة مرئية.
وكان العالم يشاهد.
وربما لهذا السبب تحديداً سيبقى السؤال معلقاً طويلاً:
هل كانت المشكلة في نقص المعلومات؟
أم في البنية الأخلاقية التي تقرر مسبقاً أي الضحايا يُرون،
وأيهم يبقون خارج الكادر؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
19 حزيران 2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...