عبدالفتاح كيليطو - من غير أمّ ولا أب (20 مايو 2026)... ترجمة إسماعيل أزيات

"حي بن يقظان" هو من العناوين العربية القليلة التي لقيت إقبالا من لدن المنتمين إلى لغات أخرى، "ألف ليلة"، "رسالة الغفران" لأبي العلاء، "طوق الحمامة" لابن حزم، رحلة ابن بطوطة... ما دفعني إلى هذه الملاحظة أنّ للنّسب والانتماء أهمية كبرى في كتاب ابن طفيل، مع ما يترتّب عن ذلك من شكّ وارتياب، ومن أثر وتأثير. قد يذهب التفكير بهذه المناسبة إلى روبنسون كروزو الذي، للتّذكير، أبصر ذات يوم في شاطئ جزيرته الخالية من البشر أثَر قدم على الرمل، فانزعج أيَّما انزعاج لأنّه رأى فيه تهديدا لحياته. أشرتُ في "التخلي عن الأدب" إلى هذا الرسم على الرمل، رأيت فيه استعارة لأثر ابن طفيل في رواية دانييل دو فو، ليس بالضبط في مضمون الرواية، بل في طريقة قراءتنا لها. ذلك أنّنا حين نحيل على "روبنسون" فإننا نضع أنفسنا في بيئة ثقافية صارت فيها الرواية تفرض نفسها بين الأنواع الأدبية السائدة، لِنقُل ابتداء من القرن الثامن عشر في أوروبا. في هذا الصّدد وصف Léon Gauthier "حي بن يقظان" بأنّه رواية فلسفية، في العنوان الذي اختاره لترجمته الفرنسية . حصل بهذا الوصف ربط "حي بن يقظان" بالأدب الأوروبي. قد يقال بقدر من التسرّع إنّ هذا كان من حظّه، لأنّه بانتسابه إلى الأدب الأوروبي، ازداد غنى وثراء.

قراءة "حي بن يقظان" شيّقة، لكنّها تقتضي معرفة معمّقة بالنصوص الفلسفية والصوفية التي كانت رائجة في زمن ابن طفيل، وعلى الخصوص تلك التي وصفها وتحدّث عنها في مقدّمته، أعمال الفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة. كما أنّ صعوبات جمّة تصادف القارئ، من بينها تعريف حي بن يقظان الذي يظهر بهُوية مزدوجة. ففي حديثه عن نشأة حي، يشير ابن طفيل إلى "الذين زعموا أنّه تولّد من الأرض"، في جزيرة من الهند "يتولّد بها الإنسان من غير أمّ ولا أب". هكذا تمّ ربط نشأة حي بنشأة آدم، فكأنّه آدم جديد، تكوَّن وبرز إلى الوجود من طينة متخمّرة، من غير أمّ ولا أب (لنلاحظ أسبقيّة الأمّ). لا يكتفي ابن طفيل بهذه الرواية فيورد بعدها أخرى مفادها أنّ حيّا ابن أميرة تزوّجت سرّا بقريب لها، ثمّ إنّها حملت منه ووضعت طفلا، فلمّا خافت أن يفتضح أمرها وضعته في صندوق وقذفت به في البحر، فحمله المدّ إلى جزيرة موحشة مقفرة، وفيها ستتولّى ظبية كانت قد فقدت ولدَها إرضاعَه والرفقَ به والعناية بتربيته. إنّها قصّة رضيع متخلّى عنه، ينشأ في كنف ظبية وحمايتها إلى أن تموت، فيكون عليه حينئذ أن يتدبّر أمره بنفسه. ومع مرور الوقت سيفلح بدون وسيط، بدون لغة، بعقله فحسب، في إنجاز عمل بطولي، ألا وهو الإحاطة بمختلف العلوم، فيزيائية وميتافيزيقية.
لماذا أصرّ ابن طفيل على تقديم الرواية الأولى التي تبدو بعيدة الاحتمال؟ ما سرّ إيراده تولّد حي من الأرض؟ قال مخاطبا القارئ الضمنيː "هذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من هذا، لا يليق بما نحن بسبيله، وإنّما نبّهناك عليه، لأنّه من الأمور التي تشهد بصحّة ما ذُكر من تجويز تولّد الإنسان بتلك البقعة من غير أمّ ولا أب. فمنهم من بتّ الحكم وجزم القضيّة بأنّ حي بن يقظان من جملة من تكوَّن في تلك البقعة من غير أمّ ولا أب، ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبرا نقصّه عليك الخ". فمنهم ومنهم... قدم ابن طفيل روايتين مختلفتين لميلاد حي، لم يحسم القضيّة، ربّما تعمّد التّذبذب بين الافتراضين، تعمّد الغموض واللّبس لغرض ما. غير أنّه استدرك وأضافː "ثمّ استوى ما وصفه هؤلاء ]"الذين زعموا أنّه تولّد من الأرض"[ بعد هذا الموضع وما وصفَته الطائفةُ الأولى [قصّة الطفل الذي تخلت عنه أمّه[ في معنى التربية، فقالوا جميعا، إنّ الظبية التي تكفّلت به ]...[".
الأصل غير ثابت والانتماء غير قار. لا ندري أيّ رواية يفضّل ابن طفيل، والخلاصة أنّ حيّا لم ينشأ في كنف أسرة إنسية، بل عاش وحيدا في الجزيرة بين الحيوانات، وأدرك بالتّجربة والتّفكير سائر المعارف. غير أنّه لن يعرف أبدا قصّته، لن يعلم سرّ ولادته وحقيقة أصله واسمه. ليس له بالتّأكيد ماض وذكرى، سواء كان تولّد من الأرض أو كان رضيعا مهجورا. إنّها قصّة تجسّد، ضمن أمور أخرى، ما يسمّيه فرويد "الرواية العائلية"، وهي تتلّخص في كون الطفل الصغير، بصفة لاشعورية، يتخيّل أنّ والديه ليسا والديه الحقيقيين، يتخيّل على سبيل المثال أنّ أمّه كانت لها علاقة مع شخص كبير الشّأن، وأنّه أتى إلى الوجود نتيجة لهذه العلاقة. يحسب أنّه مشكوك في نسبه، إمّا طفل مهجور متخلّى عنه، أو غير شرعي.
وكما لاحظ أُوطُو رانْك، تلميذ فرويد، في كتابه "أسطورة ميلاد البطل" ، فإنّ البطل، كما تصفه الأساطير، يكون طفلا متخلّى عنه، والأمثلة متعدّدة، مثلا أوديب والنبي موسى. بل يمكن افتراض الأمر نفسه فيما يتعلّق بالرواية كجنس أدبي. تُلمِّح رواية "دَيْرُ پارما" لستندال إلى كون بطلها ابناً غير شرعي. وفي "أوهام ضائعة" لبلزاك، يقوم لوسيان شاردُون Chardon بتغيير اسمه إلى اسم أرستقراطي، لوسيان دُو روبَمْپري de Rubempré .
هل يشكّل "حي بن يقظان" رواية، بالمعنى الحديث؟ سؤال كان غائبا تماما عن ذهن مؤلِّفه، ما عدا إذا فهمنا كلمة رواية بالمعنى القديم، أي نقل ما قيل، في هذه الحالة نقل ما ورد عن حي من أخبار. نلاحظ بهذا الصّدد أنّ ابن طفيل يقدّم نفسه كناقل لما نطق به غيرُه، ولا أدلّ على ذلك من كثرة ورود عبارة "قالوا" في كتابه، كما أنّه يبدأ كلامه، بعد المقدّمة، بعبارة "ذكر سلفنا الصّالح". تُرى من يقصد بهذا الكلام؟ مباشرة بعد ذلك يشير إلى المسعودي، صاحب "مُروج الذهب". لكنّه في بداية المقدّمة وفي نهايتها يذكر ابن سينا. يقول في بدايتها مُتوجها إلى قارئ مفترضː "سألتَ أيّها الأخ الكريم، الصفِيُّ الحميم ]... [أن أبثّ إليك ما أمكنني بثّه من أسرار الحكمة المشرقية التي ذكرها الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا". ويؤكّد في نهايتهاː "فأنا واصف لك قصّة حي بن يقظان وأسال وسلامان الذين سمّاهم الشيخ أبو علي". ابن طفيل يعتمد على ابن سينا، لكنّه في نهاية كتابه يقول شيئا مخالفاː "هذا ما كان من نبإ حي بن يقظان [...]، وقد اشتمل على حظّ من الكلام لا يوجد في كتاب ولا يُسمع في معتاد خطاب". فمن جهة يعلن إنّه مدين لابن سينا، ومن جهة أخرى يقول إنّ كلامه جديد أصيل لم يُسبَق إليه.
كتاب بدون عائلة، بدون ارتباط بكتب أخرى، كتاب فريد من نوعه. ربّما ما كان ينبغي أن يُكتب، كما أن حي بن يقظان ما كان ينبغي أن يُولَد، فهو متطفّل على الوجود، لم يكن مرغوبا فيه. مؤلَّف ابن طفيل متطفّل على الكتابة، ذلك ما يشير إليه في الخاتمةː "هذا ما كان من نبإ حي بن يقظان ]...[، وقد خالفنا فيه طريق السّلف الصّالح في الضَّنانة به والشُّح عليه". يُتابعː "وأنا أسأل إخواني الواقفين على هذا الكلام، أن يقبلوا عُذري فيما تساهلتُ في تبيينه وتسامحت في تثبيته". بعبارة أخرى، يعتذر عن تأليفه للكتاب، فكأنّه أفشى سرّا كان يتعيّن أن يظلّ مكتوما، أو سرّا لا ينبغي أن يذاع ويشاع على نطاق واسع، فلا ينبغي أن يَعلَم به إلا أهل الثّقة. وهذا يعود بنا إلى أمّ حي، فعندما خافت أن ينكشف سرّها قرّرت التخلّي عن رضيعها، ف "خرجَت به في أوّل اللّيل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر". ما كان ينبغي أن يُولَد حي، وما كان ينبغي أن يؤلِّف ابنُ طفيل كتابه.
هكذا نلاحظ أنّ "حي بن يقظان" مبنيّ على التّناقض الشّامل، فحي مزدوج الميلاد، تولّد من الأرض، وولد من أمّ وأب. ثمّ إنّ كتاب ابن طفيل يستند إلى فلسفة ابن سينا وهو في الآن فريد من نوعه. وأخيرا ابن طفيل ألّفه وما كان ينبغي أن يذيعه. ربّما هذا التردّد المترامي الأطراف يعتبر من بين العناصر التي تشكّل فرادة وقوّة مؤلَّف ابن طفيل.
هوامش:
.
Léon Gauthier, Hayy ben Yaqdhân, roman philosophique d’Ibn Thofaïl, Beyrouth, Imprimerie catholique, 1936 ; traduction revue par Séverine Auffret et Ghassan Ferzli, Le Philosophe autodidacte, Éditions Mille et une nuits, 1999.
₂ قدم له وحققه فاروق سعد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1980.
ᵌ ترجم إلى الفرنسية بعنوان
Le Mythe de la naissance du héros, Paris, Payot, 1983.
4 نجد أمثلة أيضا في الادب المغربي، من بينها رواية أمينة عاشور، Mâle entendu، حيث تقوم البطلة، مليكة، بالتنكّر لاسمها فتقدّم نفسها على أنّها فرنسواز، وفي السياق السّردي لهذا العمل إحالة إلى رواية هيكتور مالُو، "فتى بلا عائلة". عن الرواية العائلية، انظر
Marthe Robert, Roman des origines et origines du roman, Paris, Tel Gallimard, 1983.
(نص المداخلة التي تقدّم بها الأديب عبد الفتاح كيليطو في اليوم الدراسي " ابن طفيل: إنسانية بلا حدود"، الذي نظّمه كرسي " الآداب والفنون المقارنة" التابع للإسيسكو بجامعة ابن طفيل يوم 20 مايو 2026.)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...