جمعي شايبي - قراءة في المعطف لنيكولاي غوغول

من منا لا يعرف رواية المعطف للعبقري الملهم غوغول ، وهي لا تزال تلوح مشعة كأسطع النجوم في سماءات الأدب .
نظرا لعظيم شهرتها ، وذيوع صيتها ، لا تزال جماهير المتلقين جيلا بعد جيل ، من سائر الأمم على اختلاف ألسنها ، وتعدد ثقافاتها وهوياتها ، تتهافت بلهفة وشغف كبيرين ، على قراءة هذه التحفة الأدبية الخالدة .
وهذا ما أوجب علي عدم الخوض في تلخيص مجريات أحداثها ، تجنبا لإطناب لا يعود بالفائدة على من قاسمني متعة قراءتها .
وهو ذات الأمر الذي دعاني كمجرد قارئ بسيط ، لمحاولة استقراء دلالياتها ، وحلحلة شيفرات رمزياتها المخبوءة .
إذ من الحكمة أن نقرأ اللامكتوب في رواية غوغول المبهرة ، وأن نستنطق مصمتها .
لأحاول قدر مستطاعي حسب رؤاي المتواضعة ، تسليط الضوء على ما تعنيه رواية المعطف في عمق طرحها .
أكاكي أكاكييفتش ، ذلك المجدور الأعمش ، بقصر قامته ، وبتلك التجاعيد المرتسمة على سحنته بفعل السنين وثقل عبورها ، بهزالته وانطوائيته المفرطة ، ذلك القابع في المكان نفسه وبذات الوضعية ، مباشرا عمله كناسخ بسيط ، يعامل بجفاء بارد ، وبسخرية لاذعة ، وازدراء جارح ، وتعال مهين ، دون أن يأبه له أحد.، لكأنه حشرة حقيرة تافهة .
إن أكاكي لم يكن مطلقا مجرد شخصية ورقية من اختلاق العظيم غوغول ، إنه يمثل أرواح ملايين البائسين والتعساء ، في عالم أرعن ، لا يعدهم إلا مجرد أرقام تعنى بالأرباح والمداخيل ، دون أي اهتمام بعذاباتهم ، لكأنهم مجتمعات آلية مهجنة بلا قلب ، بلا روح .
لقد فضح العبقري غوغول فضاعة تباين النفوذ بين القوي المتغطرس والضعيف البائس المقهور ، من خلال الهرمية الإدارية الجائرة ، ليس في روسيا القيصرية وحدها ، بل فضح ظلم كل الأنظمة الشمولية المتغطرسة ، والأيديولوجيات الفكرية المستبدة المتعصبة ، التي تقوم على محو الآخر وقهره واستعباده ، بأساليب شيطانية ماكرة .
لقد تهلهل معطف أكاكي لدرجة لم يعد صالحا للترقيع ، ولم يكن باستطاعته اقتناء معطف جديد بسبب عوزه وفقره المدقع إلا بتضحية مكلفة ، فرضت عليه حتى الإقتصاد في وجبات طعامه ،.
لقد كان يبحث من خلال تحسين سمته ومظهره ، عن مكانة إجتماعية محترمة تحفظ له كرامته وقدره ، وألا يبقى محط سخرية لاذعة وسط مجتمعه وبيئته المهنية الضيقة .
إن غوغول بذلك يدعونا إلى إعادة النظر في مفاهيمنا الفكرية العليلة ، وفي قيمنا الإجتماعية السقيمة ، ويوقد في عقولنا المطفأة شعلة الوعي ، ويبعث فينا روح الإنسانية التي تقوم على الحب والإحترام والعدالة والحرية .
لم يكن اكاكي المسكين يدري أن فرحه لن يدوم إلا سويعات قصيرة ، وهو عائد من الحفلة التي أحياها الرفاق على شرفه ، بمناسبة اقتنائه لمعطف جديد ،
إذ جرد من معطفه اثناء عودته للبيت في ساعة ليل متأخرة ، في جو ماطر عاصف ، من قبل ذئاب بشرية لم ترحم ضعفه وقلة حيلته ، وخلفوه كجثة هامدة لا تقوى على الحراك ، فوئد حلمه في المهد دون ذنب أو خطيئة .
لقد سعى بعدها بشتى الطرق الممكنة ، ليسترد حقه السليب بقوة القانون بعدما رفع شكواه ، وإذ لم تجديه تلك الهيئآت نفعا ، لجأ بفضل نصيحة أحد مقربيه ، إلى الإعتماد على الوساطات ، فتمكن بعد معاناة مريرة ، من مقابلة تلك الشخصية المهمة النافذة ، ذلك الجنرال الذي وجه لأكاكي في الأخير توبيخا مهينا ، ما سبب له صدمة مزلزلة عجلت باستفحال مرضه وبموته وانطفائه ، بعد حياة مريرة ، تحمل طوالها صفاقة واستهزاء مجتمعه .
لا أحد فكر في بؤس أكاكي كشخصية مسحوقة ، لا أحد.اهتم لحمايته والدفاع عليه ، لا روح قاسمت روحه عذابات الظلم والقهر والمرارة ، لا أحد تعاطف معه ، أو أشفق عليه ، أو رثى لحاله ، باستثناء شبحه الذي ثأر له من كل ظالميه.
لقد انتقد غوغول بذلك كلا من البيروقراطية المتفشية وسط تلك الهيئآت الإدارية والقانونية السائبة ، كما انتقد العدالة الشكلية التافهة ، التي لا تحفظ حقوق الضعفاء ، ولا تدافع عن المظلومين البسطاء .
إن انتقاد غوغول لذلك المجتمع المادي المفرط في أنانيته ، ليس دفاعا عن شخصية أكاكي المأفون ، إنها مرافعة قوية عن الإنسان والإنسانية .
وهذا شأن الأدباء العظام الذين لا يخونون الأدب وقيمه ومبادئه ومسؤولياته وأهدافه العليا .
إذا كان بيتروفيتش هو الخياط الذي حاك معطف اكاكي كما جاء في القصة ، فإن غوغول بعبقريته المذهلة ، وبسرديته المدهشة ، هو من حاك معطفا روائيا خرج منه من بعده كل الأدباء الروس العظام .
اخيرا حتى لا أكون ممن يساهمون بصمتهم في تكريس الرداءة المتفشية بين أوساطنا الثقافية خصوصا ، فإن رواية المعطف بهذه الطبعة التي تقيأتها دار منشورات الجمل ولن أقول طبعتها ، رغم شهرتها وسمعتها وماتحوزه من مكانة مرموقة بين كبرى دور النشر وأشهرها ، ورغم جودة الغلاف ونوعية الورق والخط وجودة الترجمة ، إلا أن تلك التوطئة المتداخلة ، بفقراتها المتنافرة المتناثرة كيفما اتفق كرماد في يوم عاصف ، تجعلك تخال نفسك تقرأ كتابا من كتب السحر والشعوذة ، ولكأن ما يجمع بين توالي تلك الصفحات وترقيمها هو نوع من الطلاسم الجديدة المحدثة .
لقد أساءت منشورات الجمل بهذا الإصدار الرديئ لغوغول وللأدب الروسي العالمي الرفيع ، وأساءت للقراء إذ لم تحترم عقولهم ، بعدما أسلموها عن نية وثقة أموالهم ، لتضع بين أياديهم هذا الخلط بين الفقرات ، فكان حقا نوعا من الهراء و الهرطقة والجنون والهذيان والثرثرة .
نصيحتي لأحبتي الكرام إحذروا من اقتناء رواية المعطف بهذه الطبعة الرديئة لا تكفوا عن قراءة غوغول فله أيصا قصة الأنف مثلا ورواية الانفس الميتة فهما لا تقلان روعة عن المعطف ، ولا تكفوا عموما عن قراءة الأدب الروسي فهو أرقى الآداب العالمية وأجملها على الإطلاق .

جمعي شايبي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...