أ. د. عادل الأسطة - وليد دقة " بائع التذاكر " / القسم الثاني

القسم الثاني




21
أم الأسير " الحجة فريدة "
يكتب وليد عن أمه الحجة فريدة مستخدما أسلوب الرسالة ، ويوجه الخطاب إلى أحفادها .
يفتتح كتابته بالآتي :
" لا أعتقد أن هناك إنسانا طبيعيا لا يحب أمه ، ولا أظن أنني حين أكتب عن أمي بهذا الحب الكبير أجدد لكم شيئا ، لكنني لن أكتب عن أمي بصفتها أما ، وإنما بصفتها مكافحة ومناضلة "
وسيعرفنا على جوانب مثيرة ومهمة في شخصيتها تكشفت له بفعل الظروف الخاصة التي عاشها أسيرا وبفعل الحياة التي مرت بها أسرته ،وبينت له جوانب فريدة في شخصيتها .
وسيكتب عنها أيضا باعتبارها أما فلسطينية أسهمت في صمود أبنائها الأسرى وشدت من عزيمتهم وسيرسم لها صورة ترفعها إلى مصاف صورة الأم في الأدب العالمي والسينما العالمية الذي قرأ بعضا من رواياته أو شاهد بعضا من أفلامها كرواية " الأم " التي تعتبر من الروائع العالمية " وهي قصة تحكي عن أم تنقل الرسائل بين ابنها والمقاومة خارج السجن " .
كان وليد وهو يقرأ مثل تلك القصص ويشاهد تلك الأفلام يشعر كم أن الأم الفلسطينية كواقع وحقيقة نضالية فاقت كثيرا رواية " الأم " " بل لدينا في الواقع الفلسطيني روائع من الأمهات " ويخاطب أحفاد فريدة أمه فيكتب :
" وجدتكم هي رائعة هذه الروائع وسيأتي اليوم الذي توفيهن ( توفوها ) فيه حقهن ( حقها ) وسنكتب عن أمي وغيرها من الأمهات الروايات والسيناريوهات السينمائية التي تحكي قصة كفاحها ومعاناتها كأم ومناضلة " .
يكتب وليد عن أمه منذ طفولتها ويأتي على معزتها الخاصة عند أبيها ويكتب عن زواجها من أبيه وحياتهما معا ونزولها إلى ميدان العمل لتشارك زوجها نمر في إعالة الأسرة كثيرة الأبناء ، فقد كانت من أوائل نساء القرية اللاتي كسرن تقاليد المجتمع وخرجن إلى سوق العمل وقد تحدين التقاليد المجتمعية ، وعندما كان وليد يخجل لهذا الخروج كان أحد معارف العائلة ينظر في عينيه مباشرة ويخاطبه :
" خجلان بأمك ؟ خجلان بأمك ؟ خجلان ؟ " ثم يلتفت إلى ركاب الباص ويشير باصبعه الطويلة نحوهم ويقول :
" شايف هالخمسين زلمة اللي في الباص ؟ إمك أزلم وحدة فيهم . أوعك تخجل بإمك . هذي المرأة بخمسين زلمة . فاهم ؟ " .
وأمه هنا تذكرنا بأم سعد في رواية غسان كنفاني " أم سعد " ، وإذا كانت الأخيرة تخرج إلى العمل وترضى عن التحاق ابنيها سعد وسعيد بالمقاومة ، فإننا ، ونحن نقرأ سيرة وليد ، سنقرأ ما هو أكثر من الإعجاب بالتحاق الابنين بالمقاومة . سنقرأ عن إسهامات الأم نفسها بالمقاومة ، حيث لا تكتفي بزيارة الابن في السجن وتحمل معاناة ذلك ، بل إنها ستسهم في النضال بطريقتها ، فتنقل رسائل الأسرى إلى أهاليهم وتتصل بهم وتتواصل معهم ، وتفعل أكثر من ذلك .
في مفصل من مفاصل " بائع التذاكر " عنوانه " مقاومة النسيان " يأتي وليد على واقع الأسرى بعد اتفاقيات أوسلو ١٩٩٣ ، إذ لم تنظف السجون من الأسرى جميعهم ، فلم تفرج إسرائيل عن أسرى معينيين بحجة أن أيديهم ملوثة " بدم قتلى إسرائيليين " ، ومن هؤلاء الأسرى السجين محمد رجا نعيرات ( أبو رفعت ) والأسير المصري محمود السواركة ( أبو سميرة ) .
يتواصل وليد وأسرى آخرين مع وزارة شؤون الأسرى على أمل توفير مبلغ من المال للمحامي الإسرائيلي ( أفيغدور فيلدمان ) ليدافع عن الاثنين ، فلا تستجيب الوزارة " ليس بمقدورنا توفير مثل هذا المبلغ ، فإن وفرناه لأبي رفعت سنضطر أن نوفره لغيره من الأسرى " .
وستسهم الحاجة فريدة بقواها الذاتية بذلك . كانت أمه تتضمن أراضي الزيتون بمبلغ زهيد وتجند الإخوة والأخوات والأحباب لقطفه وتقسم المحصول على ثلاثة أثلاث : الثلث الأول مونة البيت والثلث الثاني مونة الإخوة والأحباب ، أما الثلث الثالث فهو حصة السجن ، وبعضه توفره لنا زيتا وزيتونا ... والجزء المتبقي تبيعه وتحوله لنا " ( ١٢٨) .
وإذا كانت أم سعد غسان كنفاني شعرت مع الخادمة اللبنانية ورفضت أن تقدم نفسها عليها ، فتحول بينها وبين العمل ، فإن الحجة فريدة ترفض أيضا العنصرية ، وهي ترى أن العبادة الحقيقية هي حب الناس .
لم ير وليد أمه يوما تلغي أحدا . كانت صداقاتها واسعة أوسع من دائرة الدين ، فقد كانت لها صديقة يهودية اسمها ( بروريا ) ، من أصل تونسي ، وكانت تستقبل في بيتها أصدقاء أبيه بكثير من الترحاب ومنهم ( رافول ) و ( مئير سابير ) وهما يهوديان .
في العام ٢٠٢٣ كتبت مقالا عنوانه " الأم الفلسطينية : من أم سعد إلى أم عسكر " كتبته بعد أن قرأت رواية الأسير كميل أبو حنيش " الجهة السابعة " أتيت فيه على صورة الأم الفلسطينية ، ولم أكن يومها قرأت ما كتبه وليد عن أمه ، وأرى أن هذه الكتابة متممة له .
١٧ / حزيران/ ٢٠٢٦
22
أصدقاء خونة
لم أقرأ في السيرة تفاصيل اعتقال وليد ، أو أن ذاكرتي لم تحتفظ بما ورد في هذا الشأن . ولكنني وأنا أقرأ ما كتبه تحت عنوان " الحاجة فريدة " قرأت فقرة لافتة عن صديق خوان ربما كان هو من أخبر عن وليد .
يكتب وليد عن رأي أمه في من يدخلون البيت دون استئذان ، وقد اكتسبت رأيها من الأمثال الشعبية التي تنطوي في غالبها على حكمة حياة . لم يكن هو شخصيا يعير أمثال أمه الشعبية اهتماما ، ولكنه عندما سجن أيقن أنه فوت الكثير من الدروس والعبر التي لم يجدها في الكتب ولا يمكن تعلمها بسهولة " فلو أدركت حكمتها في حينه لما دخلت السجن ، نعم! تماما هكذا ، لما دخلت السجن " .
يروي وليد الآتي :
" في أحد الأيام جاءت جدتكم فريدة ودخلت غرفتي وقالت لي جملة واحدة : " اللي ما بدق باب الناس خوان " . قالت ذلك بعد أن كان " صديق " لي في حينه قد زارني صباحا ، وحين دخل البيت لم يطرق الباب ولم يستأذن الدخول ، واعتبرت ملاحظتها مبالغا فيها ، وأن سلوك " الصديق " ليس أكثر من إهمال منه أو حتى قلة ذوق من شاب قليل التهذيب ، لكنني استبعدت تماما أن يكون هذا " الصديق " كما وصفته أمي خوانا . بعد سنوات قليلة ، اكتشفت أن هذا الشاب خوان فعلا "( ١٤٥) .
لاحظوا أنه وضع دال صديق بين علامتي تنصيص وأنه في السطر الأخير كتب " هذا الشاب " .
شخصيا كدت أسفر من ألمانيا في العام ١٩٩١ ، لأن شخصا على شاكلة هذا سلم شريطا للألمان فيه حوار بيني وبينه ، وقد أوردت هذا في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " ١٩٩٣ .
ما أكثر العسس ورجال المخابرات الذين يدخلون البيوت دون طرق الأبواب .
١٨ حزيران ٢٠٢٦
23
أهي سيرة ذاتية أم رواية ؟
كنت أشرت في الحلقات السابقة إلى أن " بائع التذاكر " هي سيرة ذاتية ، فلفت انتباهي الشاعر والكاتب حسين جلعاد إلى أنها - حسب طبعة بيروت - رواية ، وسألني :
- أهي سيرة أم رواية ؟
صورت له الصفحة الداخلية لطبعة " مكتبة العم صالح " الصادرة في نابلس ، وهي طبعة خاصة بفلسطين ، ولفت انتباهه إلى ما كتبه الدكتور عبد الرحيم الشيخ في الصفحات الأخيرة تحت عنوان " محنة الزجاج " ( صفحة ٢٠١٥ إلى ٢٢١ ) .
كنت شكرت الدكتور على جهوده الكبيرة التي بذلها ، فمن خلال ما كتبه نتعرف إلى أن السيرة في شكلها النهائي الذي قرأناه ما كانت لتكون لولا ما بذله من جهد ، إذ لم يشرف وليد دقة على الشكل النهائي لسيرته .
كان وليد كنب سلسلة كتابات ونشرها ، وكان أجرى سلسلة اتصالات مع معارفه ، وكناباته هذه واتصالاته شكلت أرشيفه الخاص الذي تابعه الدكتور عبد الرحيم منذ العام ٢٠١٧ وصنفه ورقمه . وقد قام بتفريغ التسجيلات الصوتية وضبطها وقارنها وراجعها " مع وليد في مكالمات مسجلة حتى استكملت بناء نص المخطوطة الأولي بتاربخ ٢٥ كانون الأول ٢٠٢٢ " .
وعموما فإنني أنصح قراء "بائع التذاكر " بقراءة ما كتبه الدكتور أولا قبل أن يدلفوا إلى الصفحات الأولى .
في كتابته يورد الدكتور الآتي :
" تفتقد هذه السيرة غير المكتملة إلى مفاصل خشنة ( غطاها وليد جزئيا في مقالات وخطابات ورسائل ودراسات ونصوص إبداعية أعمال فنية ) وشتان بين المفاصل والفصول ... " .
ويبدي رأيه فيها :
" فهي سيرة مليئة بالدروس الإنسانية المستندة إلى قيم الاختلاف والحرية والمقاومة والصمود والوفاء ... التي اشتقها وليد من معرفة الذات ومعرفة العدو وصاغها بروح المحارب... " .
ربما أعود لأكتب عن زفاف وليد وظروفه .
٢٠ / ٦ / ٢٠٢٦
تعقيب لاحق من الشاعر حسين جلعاد
[ شكرا لك دكتور، بعد مراجعة الامر ، تبين أن الطبعة الورقية في بيروت تحمل تصنيف السيرة أيضا. الخلط حصل في النسخة الالكترونية التي وصلتني فقط، أما المطبوعة الورقية فهي سليمة ولا مشكلة فيها. تحياتي لك]
24
زفاف في السجن
يعد مفصل [ التقاء زمنين ] ( صفحة ١٥٩ إلى صفحة ١٦٩ ) من أطرف مفاصل " بائع التذاكر " ، ففيه نقرأ عن علاقة وليد بالناشطة سناء سلامة التي تصغره بتسع سنوات ، وكانت في منتصف العشرينيات من عمرها .
وليد أسير محكوم بالمؤبد وسناء ناشطة ارتبطت بقضية الأسرى قبل أن تلتقي به وتتعرف إليه من خلال زياراتها السجناء الذين بقوا في السجون إثر اتفاق أوسلو كأن قضيتهم ليست جزءا من قضية وطن .
ستتواصل الاتصالات بينهما لمدة أكثر من عامين صار بعدهما يخاطبها من "عزيزتي سناء" إلى "حبيبتي سناء " وصارت تنقل له أخبار الخارج ليقاوم أضرار الأسر ، " فالأسير أكثر ما يحتاج إليه هو الحفاظ على صلة بالواقع " .
تنتهي المراسلات بالاتفاق على الارتباط معا على الرغم من أنه كان يتساءل :
" هل يحق لي أن أسجن معي ، عاطفيا على الأقل ، إنسانة حرة طليقة أمامها كل فرص الحياة ؟ وفي المقابل ، هل يحق لي أن أصادر منها حريتها في اختيار شريك حياتها ؟" .
هل ستوافق وسيوافق أهلها ؟ ولسوف توافق ويوافقون ، وهذا ما نعرف في واقعنا عكسه ، إذ يخشى الناس على بناتهم من الارتباط بسجناء سياسيين / أمنيين بخاصة . [ أعرف قصصا من ذلك ] .
يرى وليد أن البطلات و " عملاقات الصبر " الحقيقيات هن زوجات الأسرى " وليس الأسرى . " وسناء في نظري ونظر الكثيرين بطلة مرتين : مرة حين اختارت أسيرا ومرة بصبرها أكثر من ربع قرن وهي تنتظره عند بوابات السجون " . إن البطولة تنبع من الإرادة الحرة التي تمتلك الخيارات .
وأنت تقرأ في هذا المفصل تكرر المثل " أجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح " ففي يوم اتفق عليه ليتم فيه عقد القران في السجن ، بمساعدة عزمي بشارة الذي كان ، في حينه ، عضو كنيست ، حيث توسط لدى صديقه ( شلومو بن عامي ) وزير الأمن الداخلي يومها ، في اليوم المقرر يهرب سجناء من أحد السجون الإسرائيلية ، ما يحول دون الزواج ، حيث تحاصر السجون ويضرب السجناء ، ولسوف تكرر ، وأنت تقرأ ، مقطع محمود درويش :
" هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيدا أو جريح " .
ستمر الأيام وسيتم عقد القران في ١٠ / ٨ / ١٩٩٩ وسيزف وليد في السجن " لقد كان عقد القران وعرض الشريط حدثا يكاد يكون تاريخيا للكل ، بل مثل بارقة أمل بعد أن تم إبقاء المئات في السجون بعد إفراجات أوسلو . كانت لحظات نادرة من الفرح ، وضوءا في آخر النفق... " .
لم يحظ وليد بعد عقد القران بأي استقرار في السجن وبدأت رحلة التنقلات والملاحقة والعزل ، " وكأنهم أرادوا القول : زفافك في السجن خطأ فادح اقترفناه ، والسبيل الوحيد في نظرهم لتصحيح الخطأ هو التنكيل " .
٢١ / ٦ / ٢٠٢٦



*****





=========

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...