وليد دقة "بائع التذاكر" 1 :
" بائع التذاكر : رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية " ( ٢٠٢٦ ) هو عنوان السيرة الذاتية للمرحوم الأسير وليد دقة ، وقد صدرت عن دار الآداب ، كما صدرت طبعة خاصة بفلسطين عن مكتبة العم صالح / المكتبة الشعبية .
ما إن تقرأ الفصل الأول منها ( صفحة ٥ إلى ١٢ ) وعنوانه " جاييك يا تل أبيب " حتى تعود بك الذاكرة إلى كتابات سابقة عديدة مثل كتاب " أن تكون عربيا في إسرائيل " لفوزي الأسمر و " الصورة الأخيرة في الألبوم " لسميح القاسم و " تمويه " لعدنية شبلي وكتب أخرى تشابهت بعض مضامينها لتشابه حياة كتابها وتجاربهم ، فتشعر للوهلة الأولى أنك تقرأ معادا مكرورا ، ولكن أسلوب القص يدفعك إلى مواصلة القراءة إذ يوفر لك متعة ولذة قد تكون بحاجة إليها من جديد .
يكتب وليد دقة في هذا الفصل عن شبابه المبكر يوم أن أنهى امتحان التوجيهي وذهب مع ابن قريته باقة الغربية مراد إلى تل أبيب المدينة العبرية ، ليعمل في مطعم يملكه الإسرائيلي روني .
من القرية العربية إلى المدينة العبرية ومن اللغة العربية إلى اللغة العبرية ، ومن مجتمع قروي محافظ يعرف الناس فيه بعصهم بعضا إلى مدينة كبيرة يغدو فيها المرء فردا ، من منزل يتشارك فيه كل عشرة في غرفة واحدة إلى غرفة خاصة ، وفي المدينة عليك أن تتخلى عن اسمك العربي وعن لغتك أيضا ، ليغدو لك اسم آخر وتتكلم لغة ثانية بلكنة مختلفة عن لكنة أبنائها ، وإن اكتشف أمرك وفضحك لون بشرتك أو لكنة لغتك فسوف تذهب إلى مخفر الشرطة .
ولأنني من أسبوعين فقط انتهيت من قراءة " تمويه " فلم يقل لي إنني أقرأ في كتابين مختلفين سوى أسلوب السرد .
الفصل الأول من " بائع التذاكر " سيقول لك :
- واصل القراءة
و
- اقرأ واستمتع .
رحم الله وليد دقة الذي كتب لنا بجرأة لافتة عن بعض تفاصيل حياته في شبابه ويبدو أنني سوف اخربش عن الكتاب يوميا وأخصص لكل فصل من فصوله خربشة خاصة .
2
وليد دقة " بائع التذاكر " 2 :
البرانيط للزلام
تحت العنوان السابق يكتب وليد عن معاناته في طفولته من مرض عصبي حرصت أمه على اصطحابه لمعالجته في مدينة يهودية هي الخضيرة ، فيصف لنا رحلة الذهاب والإياب وما يفعله المواطنون العرب حين يقتربون من المدينة ، بخاصة بعد حرب حزيران ١٩٦٧ حيث انتصر الإسرائيليون ف " قويت عينهم أولاد الميتة " كما سمع العبارة من خاله .
ينزع الرجال عن رؤوسهم الحطة والعقال ، ويلبس بعضهم " البرانيط " وبعضهم يظل " مفرع " مكشوف الرأس " لكن جميعهم يخفون عقلهم العربية بين ملابسهم أو يدفنونها عميقا بين حاجاتهم التي يحملونها في صرر ، أما أبو العبد / السائق فقد كان يهتم بتغيير المحطة إلى إذاعة تنطق باللغة العبرية " .
- لماذا يخلعون الحطات والعقل ويلبسون " البرانيط " ؟
يسأل وليد أمه ويضيف :
- يمه ليش ما تشلحي الخرقة ، وتلبسي برنيطة ؟
لقد كانت نساء القرية يرتدين كامل زيهن الفلاحي المزركش والمطرز .
كان الرجال يقومون بما يقومون به لكي يخفوا هويتهم القومية في بلد انشيء على أنقاض شعب آخر ؛ بلد يشعر فيه سكانه الجدد القادمون من أوروبا بالتعالي ، ولكن الإخفاء الذي قد ينجزه الرجال العرب لا تقدم عليه النسوة القرويات ، فثيابهن كلها تمنحهن هويتهن المختلفة ، وفي عيادة الطبيب يميز اليهود وليد وأمه وينفرون منهما كما لو أنهما مرض .
لقد لاحظ وليد هذا فصار ، كلما ذهب إلى المدينة مع أمه ،يبتعد عنها ولا يلازمها في المشي . أي اغتراب هو هذا الاغتراب ؟
مرة راقب وليد طفلا تعلم الخطو سار نحوه من مقعد يرتدي البرانيط ، فما كان من أم الطفل إلا أن قامت " وانتزعته من منتصف الطريق وجذبته لصدرها مذعورة .. فأذعرتتي " .
منذ الحادثة السابقة تعلم وليد تجنب السير إلى جانب أمه . هل بدأ يخشاها أم يخجل من ملابسها وما تستدعيه من توتر أعصابه " كنت كلما ذهبنا لمراجعة الطبيب في المدينة اليهودية ، أبتكر وسائل جديدة للابتعاد عنها ، إما التأخر بالتلهي في النظر إلى واجهات المحال والكارمات ووجوه المارة ، وإما بالسير بخطى سريعة تاركا إياها ورائي بعيدة ."
في القرية هي أمه وفي المدينة اليهودية هي ظله أو هو ظلها .
3 -
وليد دقة " بائع التذاكر " 3 :
لاجيء في وطنه
يكتب وليد في فصل عنوانه " أرض عطا " ، وهي أرض امتدت على شاطيء المتوسط ، جنوب غرب وادي الحوارث ، عن زواج أبيه من أمه فريدة وتشارك أبيه مع أبيها علي في ضمان أرض عطا من شلومو فرانك " مالكها الجديد " .
كما لو أننا نقرأ عن رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، مع فارق ، فرشيد بك باع أرضه بإرادته لليهود ليستأجرها منهم ، فيثرى ، أما جد وليد ووالده فقد فقدا الأرض بسبب حرب ١٩٤٨ ، ليغدوا لاجئين في وطنهما .
ولد وليد في العام ١٩٦١ وتعلم العبرية وأتقنها وصار يكتب بها فصارت له مثل زوجة الأب، فيما كانت لغته العربيةاللغة الأم ، ومع ذلك أتقن لغة زوجة الأب أكثر ، حتى إنه عندما سجن وأخذ يشارك في النقاش السياسي كان يفكر بها ويحكي بالعربية ، ما اضطره أحيانا إلى مضاعفة قراءاته بالعربية ليتمكن منها ، وهذه قضية ذات حضور في السيرة . " متسلحا بلسان العبرية التي أجدتها مبكرا قبل العربية ، أو بالتوازي معها " .
ومع ما سبق لم يحب لغة زوجة الأب . لقد كانت علاقته بها قاسية تراوحت بين الانجذاب والنفور ، بين الإعجاب والكراهية . ( ٢٤ ).
يحكي وليد عن قهر الفلسطيني الباقي في أرضه في علاقته مع اليهودي ، وليس أمامه إلا أن ينفذ .
كان جده بعد أن فك الشراكة مع أبيه يزرع أرضه بالبطيخ ، وذات يوم جاءه إسرائيلي وطلب منه ، مقابل مبلغ من المال ، إتلاف محصوله ، للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية الخاصة بالمستوطنات في ظل الكساد الاقتصادي بعد حرب سنة ١٩٦٧ .
كيف سيتصرف وليد إزاء ما رأى ؟
بكى لمشهد جده الحزين الغاضب الحائر بين القبول بالأوراق النقدية ومقاومة إبادة المحصول ، وركض بأقصى سرعة نحو بركة شلومو فرانك وتبول فيها " منذ ذلك الحين ، ومنذ أن صار لي لسان ولدولتهم عيون وآذان ، تعلمت التبول في بركهم سرا " . ( ٢٧ )
أطرف ما قرأته في هذا الفصل هو أنه حين شاهد في طفولته الإسرائيليين العسكريين المنتشين بالنصر يستحمون عراة جلس القرفصاء يشاهدهم ، فإذا بجده علي يصرخ في وجهه غاضبا يسأله عما يفعل .
" قلت ببراءة وصدمة : " بدور على عشوش " . أفلتني ، وانفجر ضاحكا وهو يقول :" أي عشوش منهم يا عرص " .
لقد ذكرني المشهد السابق بكتاب مالك المصري " نابلسيات " وصيد العصافير في الحمامات العامة ، ودال العصفور هنا ذو مدلول مجازي ، واسألوا كبار السن في نابلس وابحثوا عنه في أغانيهم الفولكولورية ، ورحم الله الشاعر علي الخليلي .
خربشات عادل الأسطة
٣ / ٦ / ٢٠٢٦ .
٢ حزيران ٢٠٢٦
عادل الأسطة
******
وليد دقة " بائع التذاكر " 2 :
البرانيط للزلام
تحت العنوان السابق يكتب وليد عن معاناته في طفولته من مرض عصبي حرصت أمه على اصطحابه لمعالجته في مدينة يهودية هي الخضيرة ، فيصف لنا رحلة الذهاب والإياب وما يفعله المواطنون العرب حين يقتربون من المدينة ، بخاصة بعد حرب حزيران ١٩٦٧ حيث انتصر الإسرائيليون ف " قويت عينهم أولاد الميتة " كما سمع العبارة من خاله .
ينزع الرجال عن رؤوسهم الحطة والعقال ، ويلبس بعضهم " البرانيط " وبعضهم يظل " مفرع " مكشوف الرأس " لكن جميعهم يخفون عقلهم العربية بين ملابسهم أو يدفنونها عميقا بين حاجاتهم التي يحملونها في صرر ، أما أبو العبد / السائق فقد كان يهتم بتغيير المحطة إلى إذاعة تنطق باللغة العبرية " .
- لماذا يخلعون الحطات والعقل ويلبسون " البرانيط " ؟
يسأل وليد أمه ويضيف :
- يمه ليش ما تشلحي الخرقة ، وتلبسي برنيطة ؟
لقد كانت نساء القرية يرتدين كامل زيهن الفلاحي المزركش والمطرز .
كان الرجال يقومون بما يقومون به لكي يخفوا هويتهم القومية في بلد انشيء على أنقاض شعب آخر ؛ بلد يشعر فيه سكانه الجدد القادمون من أوروبا بالتعالي ، ولكن الإخفاء الذي قد ينجزه الرجال العرب لا تقدم عليه النسوة القرويات ، فثيابهن كلها تمنحهن هويتهن المختلفة ، وفي عيادة الطبيب يميز اليهود وليد وأمه وينفرون منهما كما لو أنهما مرض .
لقد لاحظ وليد هذا فصار ، كلما ذهب إلى المدينة مع أمه ،يبتعد عنها ولا يلازمها في المشي . أي اغتراب هو هذا الاغتراب ؟
مرة راقب وليد طفلا تعلم الخطو سار نحوه من مقعد يرتدي البرانيط ، فما كان من أم الطفل إلا أن قامت " وانتزعته من منتصف الطريق وجذبته لصدرها مذعورة .. فأذعرتتي " .
منذ الحادثة السابقة تعلم وليد تجنب السير إلى جانب أمه . هل بدأ يخشاها أم يخجل من ملابسها وما تستدعيه من توتر أعصابه " كنت كلما ذهبنا لمراجعة الطبيب في المدينة اليهودية ، أبتكر وسائل جديدة للابتعاد عنها ، إما التأخر بالتلهي في النظر إلى واجهات المحال والكارمات ووجوه المارة ، وإما بالسير بخطى سريعة تاركا إياها ورائي بعيدة ."
في القرية هي أمه وفي المدينة اليهودية هي ظله أو هو ظلها .
خربشات عادل الأسطة
٢ حزيران ٢٠٢٦
بعد إدراج منشوري " وليد دقة : تذاكر الأيام 2 " أدرج الكاتب والدارس عدنان طرابشة في خانة التعليقات قصيدة له/ أي لعدنان ، تختصر الفصل الثاني ، وهذا نصها :
[ تبديلُ الأسمال
(وليدُ دقّة: هوامشُ على طريقِ الخُضيرة)
في الطريقِ إلى الخُضيرة
كان يخلعُ اسمَهُ
كما تُخلَعُ الحطّاتُ عن رؤوسِ الرّجال
كان يسمعُ في الصمتِ وصيّةً خفيّة:
اخفوا اللغةَ…
فاللغةُ هنا تُفتَّشُ عند الحواجز
والرجالُ…
يُبدّلون العقالَ بقبّعةٍ غريبة،
ويستعيرون وجوهًا
تُشبهُ الدجّال
وكان يُراقبُ أمَّهُ، بثوبِها المطرّز،
تمشي كقريةٍ كاملة،
لا تعرفُ كيف تُخفي نفسها… محال
قال لها:
يا أمّي… لماذا لا ترتدين "برنيطة"؟
لماذا لا تصيرينَ كالخيال؟
أليست نجاتُنا بتبديلِ الأسمال؟
لم تُجِبْ.
ظلّت تمشي في أرضٍ
تعرفُ أقمشتَها المطرّزة
منذ أجيال
في عيادةِ الطبيب
نظروا إليهِ وإليها
كما لو كانا مرضًا
يحتاجُ إلى اعتزال
رأى طفلًا يمشي نحوهُ
بخطوتِه الأولى،
فانتزعته أمّه
كأنّهُ على حافّةِ هاوية،
فخاف… ومال
ومنذ ذلك اليوم
صار يبتعدُ عن أمّه
قليلًا… قليلًا…
يؤخّر خطوَهُ،
يراقبُ واجهاتِ المدينة،
يُسرعُ حينًا،
ويتركها خلفَهُ
تنوءُ بأحزانها كالجِمال
في القريةِ
كانتْ أمُّه،
وفي المدينةِ
كان هو ظلَّها،
أو
كانتْ ظلَّهُ الذي يخشاهُ
كالزّيتونِ
والْبُرتُقال
أيُّ اغترابٍ هذا
الذي يجعلُ الطفلَ
يختبئُ من أمٍّ
في وجهِها إرثٌ بهذا الجمال؟
وأيُّ مدينةٍ هذه
التي تُعلّمه
أن يخلعَ وجهَهُ
كي ينجو
من موروثِ الحطّةِ والعقال؟ ]
جزيل الشكر والتقد
**************
وليد دقة " بائع التذاكر " 3 :
لاجيء في وطنه
يكتب وليد في فصل عنوانه " أرض عطا " ، وهي أرض امتدت على شاطيء المتوسط ، جنوب غرب وادي الحوارث ، عن زواج أبيه من أمه فريدة وتشارك أبيه مع أبيها علي في ضمان أرض عطا من شلومو فرانك " مالكها الجديد " .
كما لو أننا نقرأ عن رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، مع فارق ، فرشيد بك باع أرضه بإرادته لليهود ليستأجرها منهم ، فيثرى ، أما جد وليد ووالده فقد فقدا الأرض بسبب حرب ١٩٤٨ ، ليغدوا لاجئين في وطنهما .
ولد وليد في العام ١٩٦١ وتعلم العبرية وأتقنها وصار يكتب بها فصارت له مثل زوجة الأب، فيما كانت لغته العربيةاللغة الأم ، ومع ذلك أتقن لغة زوجة الأب أكثر ، حتى إنه عندما سجن وأخذ يشارك في النقاش السياسي كان يفكر بها ويحكي بالعربية ، ما اضطره أحيانا إلى مضاعفة قراءاته بالعربية ليتمكن منها ، وهذه قضية ذات حضور في السيرة . " متسلحا بلسان العبرية التي أجدتها مبكرا قبل العربية ، أو بالتوازي معها " .
ومع ما سبق لم يحب لغة زوجة الأب . لقد كانت علاقته بها قاسية تراوحت بين الانجذاب والنفور ، بين الإعجاب والكراهية . ( ٢٤ ).
يحكي وليد عن قهر الفلسطيني الباقي في أرضه في علاقته مع اليهودي ، وليس أمامه إلا أن ينفذ .
كان جده بعد أن فك الشراكة مع أبيه يزرع أرضه بالبطيخ ، وذات يوم جاءه إسرائيلي وطلب منه ، مقابل مبلغ من المال ، إتلاف محصوله ، للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية الخاصة بالمستوطنات في ظل الكساد الاقتصادي بعد حرب سنة ١٩٦٧ .
كيف سيتصرف وليد إزاء ما رأى ؟
بكى لمشهد جده الحزين الغاضب الحائر بين القبول بالأوراق النقدية ومقاومة إبادة المحصول ، وركض بأقصى سرعة نحو بركة شلومو فرانك وتبول فيها " منذ ذلك الحين ، ومنذ أن صار لي لسان ولدولتهم عيون وآذان ، تعلمت التبول في بركهم سرا " . ( ٢٧ )
أطرف ما قرأته في هذا الفصل هو أنه حين شاهد في طفولته الإسرائيليين العسكريين المنتشين بالنصر يستحمون عراة جلس القرفصاء يشاهدهم ، فإذا بجده علي يصرخ في وجهه غاضبا يسأله عما يفعل .
" قلت ببراءة وصدمة : " بدور على عشوش " . أفلتني ، وانفجر ضاحكا وهو يقول :" أي عشوش منهم يا عرص " .
لقد ذكرني المشهد السابق بكتاب مالك المصري " نابلسيات " وصيد العصافير في الحمامات العامة ، ودال العصفور هنا ذو مدلول مجازي ، واسألوا كبار السن في نابلس وابحثوا عنه في أغانيهم الفولكولورية ، ورحم الله الشاعر علي الخليلي .
خربشات عادل الأسطة
" بائع التذاكر : رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية " ( ٢٠٢٦ ) هو عنوان السيرة الذاتية للمرحوم الأسير وليد دقة ، وقد صدرت عن دار الآداب ، كما صدرت طبعة خاصة بفلسطين عن مكتبة العم صالح / المكتبة الشعبية .
ما إن تقرأ الفصل الأول منها ( صفحة ٥ إلى ١٢ ) وعنوانه " جاييك يا تل أبيب " حتى تعود بك الذاكرة إلى كتابات سابقة عديدة مثل كتاب " أن تكون عربيا في إسرائيل " لفوزي الأسمر و " الصورة الأخيرة في الألبوم " لسميح القاسم و " تمويه " لعدنية شبلي وكتب أخرى تشابهت بعض مضامينها لتشابه حياة كتابها وتجاربهم ، فتشعر للوهلة الأولى أنك تقرأ معادا مكرورا ، ولكن أسلوب القص يدفعك إلى مواصلة القراءة إذ يوفر لك متعة ولذة قد تكون بحاجة إليها من جديد .
يكتب وليد دقة في هذا الفصل عن شبابه المبكر يوم أن أنهى امتحان التوجيهي وذهب مع ابن قريته باقة الغربية مراد إلى تل أبيب المدينة العبرية ، ليعمل في مطعم يملكه الإسرائيلي روني .
من القرية العربية إلى المدينة العبرية ومن اللغة العربية إلى اللغة العبرية ، ومن مجتمع قروي محافظ يعرف الناس فيه بعصهم بعضا إلى مدينة كبيرة يغدو فيها المرء فردا ، من منزل يتشارك فيه كل عشرة في غرفة واحدة إلى غرفة خاصة ، وفي المدينة عليك أن تتخلى عن اسمك العربي وعن لغتك أيضا ، ليغدو لك اسم آخر وتتكلم لغة ثانية بلكنة مختلفة عن لكنة أبنائها ، وإن اكتشف أمرك وفضحك لون بشرتك أو لكنة لغتك فسوف تذهب إلى مخفر الشرطة .
ولأنني من أسبوعين فقط انتهيت من قراءة " تمويه " فلم يقل لي إنني أقرأ في كتابين مختلفين سوى أسلوب السرد .
الفصل الأول من " بائع التذاكر " سيقول لك :
- واصل القراءة
و
- اقرأ واستمتع .
رحم الله وليد دقة الذي كتب لنا بجرأة لافتة عن بعض تفاصيل حياته في شبابه ويبدو أنني سوف اخربش عن الكتاب يوميا وأخصص لكل فصل من فصوله خربشة خاصة .
2
وليد دقة " بائع التذاكر " 2 :
البرانيط للزلام
تحت العنوان السابق يكتب وليد عن معاناته في طفولته من مرض عصبي حرصت أمه على اصطحابه لمعالجته في مدينة يهودية هي الخضيرة ، فيصف لنا رحلة الذهاب والإياب وما يفعله المواطنون العرب حين يقتربون من المدينة ، بخاصة بعد حرب حزيران ١٩٦٧ حيث انتصر الإسرائيليون ف " قويت عينهم أولاد الميتة " كما سمع العبارة من خاله .
ينزع الرجال عن رؤوسهم الحطة والعقال ، ويلبس بعضهم " البرانيط " وبعضهم يظل " مفرع " مكشوف الرأس " لكن جميعهم يخفون عقلهم العربية بين ملابسهم أو يدفنونها عميقا بين حاجاتهم التي يحملونها في صرر ، أما أبو العبد / السائق فقد كان يهتم بتغيير المحطة إلى إذاعة تنطق باللغة العبرية " .
- لماذا يخلعون الحطات والعقل ويلبسون " البرانيط " ؟
يسأل وليد أمه ويضيف :
- يمه ليش ما تشلحي الخرقة ، وتلبسي برنيطة ؟
لقد كانت نساء القرية يرتدين كامل زيهن الفلاحي المزركش والمطرز .
كان الرجال يقومون بما يقومون به لكي يخفوا هويتهم القومية في بلد انشيء على أنقاض شعب آخر ؛ بلد يشعر فيه سكانه الجدد القادمون من أوروبا بالتعالي ، ولكن الإخفاء الذي قد ينجزه الرجال العرب لا تقدم عليه النسوة القرويات ، فثيابهن كلها تمنحهن هويتهن المختلفة ، وفي عيادة الطبيب يميز اليهود وليد وأمه وينفرون منهما كما لو أنهما مرض .
لقد لاحظ وليد هذا فصار ، كلما ذهب إلى المدينة مع أمه ،يبتعد عنها ولا يلازمها في المشي . أي اغتراب هو هذا الاغتراب ؟
مرة راقب وليد طفلا تعلم الخطو سار نحوه من مقعد يرتدي البرانيط ، فما كان من أم الطفل إلا أن قامت " وانتزعته من منتصف الطريق وجذبته لصدرها مذعورة .. فأذعرتتي " .
منذ الحادثة السابقة تعلم وليد تجنب السير إلى جانب أمه . هل بدأ يخشاها أم يخجل من ملابسها وما تستدعيه من توتر أعصابه " كنت كلما ذهبنا لمراجعة الطبيب في المدينة اليهودية ، أبتكر وسائل جديدة للابتعاد عنها ، إما التأخر بالتلهي في النظر إلى واجهات المحال والكارمات ووجوه المارة ، وإما بالسير بخطى سريعة تاركا إياها ورائي بعيدة ."
في القرية هي أمه وفي المدينة اليهودية هي ظله أو هو ظلها .
3 -
وليد دقة " بائع التذاكر " 3 :
لاجيء في وطنه
يكتب وليد في فصل عنوانه " أرض عطا " ، وهي أرض امتدت على شاطيء المتوسط ، جنوب غرب وادي الحوارث ، عن زواج أبيه من أمه فريدة وتشارك أبيه مع أبيها علي في ضمان أرض عطا من شلومو فرانك " مالكها الجديد " .
كما لو أننا نقرأ عن رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، مع فارق ، فرشيد بك باع أرضه بإرادته لليهود ليستأجرها منهم ، فيثرى ، أما جد وليد ووالده فقد فقدا الأرض بسبب حرب ١٩٤٨ ، ليغدوا لاجئين في وطنهما .
ولد وليد في العام ١٩٦١ وتعلم العبرية وأتقنها وصار يكتب بها فصارت له مثل زوجة الأب، فيما كانت لغته العربيةاللغة الأم ، ومع ذلك أتقن لغة زوجة الأب أكثر ، حتى إنه عندما سجن وأخذ يشارك في النقاش السياسي كان يفكر بها ويحكي بالعربية ، ما اضطره أحيانا إلى مضاعفة قراءاته بالعربية ليتمكن منها ، وهذه قضية ذات حضور في السيرة . " متسلحا بلسان العبرية التي أجدتها مبكرا قبل العربية ، أو بالتوازي معها " .
ومع ما سبق لم يحب لغة زوجة الأب . لقد كانت علاقته بها قاسية تراوحت بين الانجذاب والنفور ، بين الإعجاب والكراهية . ( ٢٤ ).
يحكي وليد عن قهر الفلسطيني الباقي في أرضه في علاقته مع اليهودي ، وليس أمامه إلا أن ينفذ .
كان جده بعد أن فك الشراكة مع أبيه يزرع أرضه بالبطيخ ، وذات يوم جاءه إسرائيلي وطلب منه ، مقابل مبلغ من المال ، إتلاف محصوله ، للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية الخاصة بالمستوطنات في ظل الكساد الاقتصادي بعد حرب سنة ١٩٦٧ .
كيف سيتصرف وليد إزاء ما رأى ؟
بكى لمشهد جده الحزين الغاضب الحائر بين القبول بالأوراق النقدية ومقاومة إبادة المحصول ، وركض بأقصى سرعة نحو بركة شلومو فرانك وتبول فيها " منذ ذلك الحين ، ومنذ أن صار لي لسان ولدولتهم عيون وآذان ، تعلمت التبول في بركهم سرا " . ( ٢٧ )
أطرف ما قرأته في هذا الفصل هو أنه حين شاهد في طفولته الإسرائيليين العسكريين المنتشين بالنصر يستحمون عراة جلس القرفصاء يشاهدهم ، فإذا بجده علي يصرخ في وجهه غاضبا يسأله عما يفعل .
" قلت ببراءة وصدمة : " بدور على عشوش " . أفلتني ، وانفجر ضاحكا وهو يقول :" أي عشوش منهم يا عرص " .
لقد ذكرني المشهد السابق بكتاب مالك المصري " نابلسيات " وصيد العصافير في الحمامات العامة ، ودال العصفور هنا ذو مدلول مجازي ، واسألوا كبار السن في نابلس وابحثوا عنه في أغانيهم الفولكولورية ، ورحم الله الشاعر علي الخليلي .
خربشات عادل الأسطة
٣ / ٦ / ٢٠٢٦ .
٢ حزيران ٢٠٢٦
عادل الأسطة
******
وليد دقة " بائع التذاكر " 2 :
البرانيط للزلام
تحت العنوان السابق يكتب وليد عن معاناته في طفولته من مرض عصبي حرصت أمه على اصطحابه لمعالجته في مدينة يهودية هي الخضيرة ، فيصف لنا رحلة الذهاب والإياب وما يفعله المواطنون العرب حين يقتربون من المدينة ، بخاصة بعد حرب حزيران ١٩٦٧ حيث انتصر الإسرائيليون ف " قويت عينهم أولاد الميتة " كما سمع العبارة من خاله .
ينزع الرجال عن رؤوسهم الحطة والعقال ، ويلبس بعضهم " البرانيط " وبعضهم يظل " مفرع " مكشوف الرأس " لكن جميعهم يخفون عقلهم العربية بين ملابسهم أو يدفنونها عميقا بين حاجاتهم التي يحملونها في صرر ، أما أبو العبد / السائق فقد كان يهتم بتغيير المحطة إلى إذاعة تنطق باللغة العبرية " .
- لماذا يخلعون الحطات والعقل ويلبسون " البرانيط " ؟
يسأل وليد أمه ويضيف :
- يمه ليش ما تشلحي الخرقة ، وتلبسي برنيطة ؟
لقد كانت نساء القرية يرتدين كامل زيهن الفلاحي المزركش والمطرز .
كان الرجال يقومون بما يقومون به لكي يخفوا هويتهم القومية في بلد انشيء على أنقاض شعب آخر ؛ بلد يشعر فيه سكانه الجدد القادمون من أوروبا بالتعالي ، ولكن الإخفاء الذي قد ينجزه الرجال العرب لا تقدم عليه النسوة القرويات ، فثيابهن كلها تمنحهن هويتهن المختلفة ، وفي عيادة الطبيب يميز اليهود وليد وأمه وينفرون منهما كما لو أنهما مرض .
لقد لاحظ وليد هذا فصار ، كلما ذهب إلى المدينة مع أمه ،يبتعد عنها ولا يلازمها في المشي . أي اغتراب هو هذا الاغتراب ؟
مرة راقب وليد طفلا تعلم الخطو سار نحوه من مقعد يرتدي البرانيط ، فما كان من أم الطفل إلا أن قامت " وانتزعته من منتصف الطريق وجذبته لصدرها مذعورة .. فأذعرتتي " .
منذ الحادثة السابقة تعلم وليد تجنب السير إلى جانب أمه . هل بدأ يخشاها أم يخجل من ملابسها وما تستدعيه من توتر أعصابه " كنت كلما ذهبنا لمراجعة الطبيب في المدينة اليهودية ، أبتكر وسائل جديدة للابتعاد عنها ، إما التأخر بالتلهي في النظر إلى واجهات المحال والكارمات ووجوه المارة ، وإما بالسير بخطى سريعة تاركا إياها ورائي بعيدة ."
في القرية هي أمه وفي المدينة اليهودية هي ظله أو هو ظلها .
خربشات عادل الأسطة
٢ حزيران ٢٠٢٦
بعد إدراج منشوري " وليد دقة : تذاكر الأيام 2 " أدرج الكاتب والدارس عدنان طرابشة في خانة التعليقات قصيدة له/ أي لعدنان ، تختصر الفصل الثاني ، وهذا نصها :
[ تبديلُ الأسمال
(وليدُ دقّة: هوامشُ على طريقِ الخُضيرة)
في الطريقِ إلى الخُضيرة
كان يخلعُ اسمَهُ
كما تُخلَعُ الحطّاتُ عن رؤوسِ الرّجال
كان يسمعُ في الصمتِ وصيّةً خفيّة:
اخفوا اللغةَ…
فاللغةُ هنا تُفتَّشُ عند الحواجز
والرجالُ…
يُبدّلون العقالَ بقبّعةٍ غريبة،
ويستعيرون وجوهًا
تُشبهُ الدجّال
وكان يُراقبُ أمَّهُ، بثوبِها المطرّز،
تمشي كقريةٍ كاملة،
لا تعرفُ كيف تُخفي نفسها… محال
قال لها:
يا أمّي… لماذا لا ترتدين "برنيطة"؟
لماذا لا تصيرينَ كالخيال؟
أليست نجاتُنا بتبديلِ الأسمال؟
لم تُجِبْ.
ظلّت تمشي في أرضٍ
تعرفُ أقمشتَها المطرّزة
منذ أجيال
في عيادةِ الطبيب
نظروا إليهِ وإليها
كما لو كانا مرضًا
يحتاجُ إلى اعتزال
رأى طفلًا يمشي نحوهُ
بخطوتِه الأولى،
فانتزعته أمّه
كأنّهُ على حافّةِ هاوية،
فخاف… ومال
ومنذ ذلك اليوم
صار يبتعدُ عن أمّه
قليلًا… قليلًا…
يؤخّر خطوَهُ،
يراقبُ واجهاتِ المدينة،
يُسرعُ حينًا،
ويتركها خلفَهُ
تنوءُ بأحزانها كالجِمال
في القريةِ
كانتْ أمُّه،
وفي المدينةِ
كان هو ظلَّها،
أو
كانتْ ظلَّهُ الذي يخشاهُ
كالزّيتونِ
والْبُرتُقال
أيُّ اغترابٍ هذا
الذي يجعلُ الطفلَ
يختبئُ من أمٍّ
في وجهِها إرثٌ بهذا الجمال؟
وأيُّ مدينةٍ هذه
التي تُعلّمه
أن يخلعَ وجهَهُ
كي ينجو
من موروثِ الحطّةِ والعقال؟ ]
جزيل الشكر والتقد
**************
وليد دقة " بائع التذاكر " 3 :
لاجيء في وطنه
يكتب وليد في فصل عنوانه " أرض عطا " ، وهي أرض امتدت على شاطيء المتوسط ، جنوب غرب وادي الحوارث ، عن زواج أبيه من أمه فريدة وتشارك أبيه مع أبيها علي في ضمان أرض عطا من شلومو فرانك " مالكها الجديد " .
كما لو أننا نقرأ عن رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ١٩٠٢ ، مع فارق ، فرشيد بك باع أرضه بإرادته لليهود ليستأجرها منهم ، فيثرى ، أما جد وليد ووالده فقد فقدا الأرض بسبب حرب ١٩٤٨ ، ليغدوا لاجئين في وطنهما .
ولد وليد في العام ١٩٦١ وتعلم العبرية وأتقنها وصار يكتب بها فصارت له مثل زوجة الأب، فيما كانت لغته العربيةاللغة الأم ، ومع ذلك أتقن لغة زوجة الأب أكثر ، حتى إنه عندما سجن وأخذ يشارك في النقاش السياسي كان يفكر بها ويحكي بالعربية ، ما اضطره أحيانا إلى مضاعفة قراءاته بالعربية ليتمكن منها ، وهذه قضية ذات حضور في السيرة . " متسلحا بلسان العبرية التي أجدتها مبكرا قبل العربية ، أو بالتوازي معها " .
ومع ما سبق لم يحب لغة زوجة الأب . لقد كانت علاقته بها قاسية تراوحت بين الانجذاب والنفور ، بين الإعجاب والكراهية . ( ٢٤ ).
يحكي وليد عن قهر الفلسطيني الباقي في أرضه في علاقته مع اليهودي ، وليس أمامه إلا أن ينفذ .
كان جده بعد أن فك الشراكة مع أبيه يزرع أرضه بالبطيخ ، وذات يوم جاءه إسرائيلي وطلب منه ، مقابل مبلغ من المال ، إتلاف محصوله ، للحفاظ على أسعار المنتجات الزراعية الخاصة بالمستوطنات في ظل الكساد الاقتصادي بعد حرب سنة ١٩٦٧ .
كيف سيتصرف وليد إزاء ما رأى ؟
بكى لمشهد جده الحزين الغاضب الحائر بين القبول بالأوراق النقدية ومقاومة إبادة المحصول ، وركض بأقصى سرعة نحو بركة شلومو فرانك وتبول فيها " منذ ذلك الحين ، ومنذ أن صار لي لسان ولدولتهم عيون وآذان ، تعلمت التبول في بركهم سرا " . ( ٢٧ )
أطرف ما قرأته في هذا الفصل هو أنه حين شاهد في طفولته الإسرائيليين العسكريين المنتشين بالنصر يستحمون عراة جلس القرفصاء يشاهدهم ، فإذا بجده علي يصرخ في وجهه غاضبا يسأله عما يفعل .
" قلت ببراءة وصدمة : " بدور على عشوش " . أفلتني ، وانفجر ضاحكا وهو يقول :" أي عشوش منهم يا عرص " .
لقد ذكرني المشهد السابق بكتاب مالك المصري " نابلسيات " وصيد العصافير في الحمامات العامة ، ودال العصفور هنا ذو مدلول مجازي ، واسألوا كبار السن في نابلس وابحثوا عنه في أغانيهم الفولكولورية ، ورحم الله الشاعر علي الخليلي .
خربشات عادل الأسطة