أمين الزاوي - اللغة العربية في الجامعة: ما بين ظاهرة "المالطية" و"الكريولة"La créolisation

حين تسمع حوارات الطلبة في الجامعة وهم يتكلمون بالعربية، تشعر وكأنك في سوق من أسواق مالطا، حيث اللغة الوطنية المالطية تتقاطعها ذاكرة من اللغات العربية بلهجتيها التونسية والمصرية والإيطالية والتركية واليونانية والقبرصية والفرنسية وغيرها. وهذا ليس تقليلاً من أهمية اللغة المالطية بقدر ما هو توصيف لحال لغة تشكلت تاريخياً وثقافياً من هجنة متوسطية كبرى. بالتالي، فإن الخطاب الجامعي اليومي المعاصر أصبح عبارة عن هجين لغوي، حتى أنه تحول إلى ظاهرة سوسيو-لسانية تحتاج بالفعل إلى دراسة ميدانية لسانية دقيقة.

يكتب الطالب بحثه بالعربية الفصحى المعيارية إلى حد ما، وحين يعلق عليه يستعمل لغة موازية تجد صداها ورأسمالها القاموسي في لسان الحارة أو في لغة وسائل التواصل الاجتماعي، أو في أحاديث جلسات أولاد الحي بعد منتصف الليل وقد سخنت الرؤوس.

هذه المقاربة لا تعني بالمطلق إطلاق أحكام قيمية على هذه الظاهرة اللسانية الجامعية الجديدة، ولكنها تنبه إلى أن خطاباً جامعياً جديداً بدأ يتأسس مع هذا الجيل الذي وُلد في عصر الإنترنت ووسائل الاتصالات الرقمية التكنولوجية المقعدة والمتطورة، والتي انتفت أمامها الحدود الجغرافية التقليدية. بالتالي، تقاطعت وتناسخت وتوالدت اللغات والمفاهيم وطرق الخطاب ومضمونه على شاشة هاتف، وفي فقرة واحدة.

من أين يا ترى جاءت هذه الخلطة اللغوية المالطية في اللغة الجامعية؟

يرغب الطالب في الحديث بالعربية التي يعتز بها، من موقع الحس الانتمائي القومي والديني خصوصاً، ولكن حين يتحدث بها تشعر بأن لسانه الذي يعتقد أنه عربي سليم تعبره وبصورة واضحة اللهجة السورية القادمة من المسلسلات التركية المدبلجة بهذه اللهجة، التي تكتسح الخطاب بوضوح.

حدثني أحد الأصدقاء مستغرباً حال أمه، قائلاً "إن أمي التي تقيم في قرية قبائلية معزولة في آخر سفح جبال جرجرة لا تعرف من اللغات سوى اللغة الأمازيغية، لكنها حين يحين موعد المسلسل التركي تجلس أمام التلفزيون وتتابع بتركيز الأحداث التي تُروى بلهجة سورية".

وإذا كانت اللهجة السورية هي الأكثر وضوحاً في الخطاب الجامعي بالعربية، فإن هذا لا يلغي حضور اللهجة المصرية القادمة من الأفلام ومن الغناء، وإن كانت قد بدأت تنحسر أكثر فأكثر عند هذا الجيل مقارنة مع جيل الستينيات والسبعينيات، وعلينا أن نسجل أيضاً صعود ظاهرة اللهجة الخليجية بصورة عامة داخل الأسرة الجزائرية، ومنها إلى الخطاب الجامعي، وهي لهجة أملاها الحضور القوي لوسائل الإعلام التلفزيونية الخليجية ببرامجها المتصلة أساساً بالفن والغناء والمسابقات الترفيهية المتنوعة.

وطوراً تظهر داخل الخطاب الجامعي لمسات اللهجة العاصمية، جامعة "الجزائر"، هذه اللهجة التي تنقرض يوماً بعد يوم أمام هذا الزحف المريع للهجات الأجنبية، وهي التي كانت إلى وقت غير بعيد لهجة رقيقة بها تناغم جميل، شأنها شأن اللهجة التلمسانية والبجاوية والقسنطينية وغيرها.

الملاحظة الأولى

يوماً بعد آخر تبتعد اللغة العربية الفصحى من مدرجات الجامعة أي من الخطاب الجامعي اليومي، لتكتفي بموقعها الرسمي في الإدارة والكتابة، وتتنازل عن سلطتها كلغة ثقافية أو اجتماعية.

لقد بدأنا نشعر بأن النقاشات والحوارات الجامعية بين الطلبة وبين الأساتذة ذات الصلة بالموضوعات العميقة والفلسفية والنقدية والفكرية، تقترب يوماً بعد آخر من لغة أحاديث "أولاد الحارة" بعد منتصف الليل.

يتحدث الطالب باللغة الفرنسية التي يلقاها ويتعلمها من وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المرئي والمسموع وفي الإعلانات التجارية، من دون أدنى دراية بقواعد وأصول هذه اللغة، يتحدث بها داخل لغة أخرى هي العربية الفصحى أو الدارجة، ولأنه لا يتقنها فهو يلونها كما يريد حتى تخرج الكلمة عن معناها، حتى تصبح حاملة لمعنى آخر قد يكون عكس المعنى الأصلي للكلمة المرادة أو المقصودة، ويعود سبب هذا الحضور المثير للغة فرنسية معطوبة في الخطاب الجامعي الجديد إلى النتائج الكارثية لتدريس هذه اللغة في المدرسة الجزائرية، حيث تعاني كسوراً في كل شيء، في النطق والتركيب والنحو والصرف والإملاء وإدراك المعنى.

الملاحظة الثانية

تموقع لغة فرنسية مكسورة في الخطاب الجامعي، لغة فرنسية غير قادرة على حمل المفاهيم الفلسفية والفكرية ولا التعبير عنها ولا ترجمتها الصحيحة إلى اللغة العربية، ومع ذلك يستمر هذا الاختراق والتموقع، واللغة الإنجليزية على الطريق.

من اللغة الجامعية إلى "الهدرة"
لقد زحفت لغة وسائل التواصل الإجتماعي بكل حمولاتها على لغة الجامعة، ويوماً بعد آخر تهزمها، فتتقلص مساحة الخطاب الجامعي بمفاهيمه لمصلحة خطاب "الهدرة"، حتى أضحينا نلاحظ أساتذة جامعيين وطلبة دكتوراه وماستر في اللغة العربية وآدابها وفي مجمل تخصصات العلوم الإنسانية الأخرى يتحدثون، بل ويكتبون منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بلغة "أولاد الحارة" بعد منتصف الليل.

ما نورده في هذة المقالة ليس أحكاماً قيمية، لكنه وقفة أمام ظاهرة خطابية وأسلوبية جامعية جديدة تحتاج منا إلى تأمل نقدي جريء وصادق.

عودة "الشارابيا" إلى الكتابة الجامعية

كان الجيل الذي تخرج في المدرسة الفرنسية، لا يعرف لا الكتابة ولا القراءة بالعربية، لا يعرف الأبجدية العربية. وحين جاءت مرحلة التعريب، وجد بعضهم أنفسهم مضطرين ربما للحفاظ على منصب مهم يتولونه، إلى أن يخطبوا في الاجتماع الرسمي بالعربية، فكان عليهم أن يكتبوا مداخلتهم بالعربية لكن بحروف لاتينية فرنسية. والأمر ليس مقتصراً على النخب السياسية بل هو حال كثير من السينمائيين والمسرحيين أيضاً، الذين يكتبون نصوصهم وسيناريوهاتهم بـ"الشارابيا" أي بالحرف اللاتيني الفرنسي لرسم نص بالعربية العامية عادة. اليوم، وبعدما كادت تختفي هذه الظاهرة، ها هي "الشرابيا" تعود وبصورة غريبة داخل الجامعة، إذ نلاحظ من يكتب الفرنسية بالحرف العربي، وهناك من يكتب العربية بالحروف الفرنسية. ولكن في الحالتين، فاللغة التي تُكتب هي لغة أخرى، لا هي تلك الدارجة التي كانت تحيل إلى مدينة أو منطقة ولكنها "هدرة" فيها كل شيء ولا شيء.

صحيح أن اللغة الحية في نهاية الأمر هي تلك التي يعيش بها مستعملها في حياته الاجتماعية والعاطفية والسياسية والدينية، لكن ما يحدث يحيرني شخصياً، حتى لتبدو لي هذه "الهدرة" أصبحت تركيباً منقطع الجذور وفاقداً للسلالة.

صحيح أن اللغة العربية عليها أن تتكئ على الدارجة وتأخذ منها كي لا تموت، وكي تتحرر من النخبوية القاتلة، لكن يبدو لي اليوم أن العربية لا تستند ولا تتكئ على الدارجة لتتحرر من نخبويتها، ولكنها ترهن جوهرها لتيار غريب يدفع بها إلى الانقراض، إلى حالة من "المالطية" الجديدة.

في الأخير نتساءل، هل ما نشاهده اليوم في واقع اللغة العربية، من حيث الممارسة الجامعية والاجتماعية هو حالة من الكريوليزازيون "الكريولة"créolisation، ومرة أخرى ليست هذه الهجنة أو "الكريولة" ظاهرة سلبية، لكنها مسألة ثقافية لغوية تدفعنا إلى التساؤل عن مصير هذا الخطاب الجامعي المعاصر الجديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى