في نصها المركًّب بين ماض ٍ يُستدعى إلى الذاكرة، وتتم تسميته، وحاضر ينسكن به، وغد يعزز ما وبما يسمّي شخصيتها، تتشكل صورة " ماريا تيريزا ليوزو ، في كتابتها النثرية" وهيهجاءٌ عبْر إيقاعات أغنية الأطفال "لا أتعامل مع الشيطان" والمنشورة في موقع الأنطولوجيا ، بالفرنسية:
SATIRE À TRAVERS LA MÉTRIQUE DE LA COMPTINE JE NE TRAITE PAS AVEC LE DIABLE par MARIA TERESA LIUZZO
إنها شذرات تمنح لنفسها الفرصة في الخروج على حدود الكتابة ومتخيلها، والدخول في اللامتناهي منها، مشاهد تتقارب وتتباعد، حدود تتداخل، وتتخارج، معاني تتفاعل مع بعضها بعضاً، وتتمايز بالمقابل.
بالمختصر المفيد، إن جاز التعبير، سخرية مرة، رغبة في حلو مشتهى جرّاء واقع مرصود.
لا أكتب بداية: ماالذي تريد ليوز قوله، فهذا غاير جائز، كما لو أنني أقرأ الخفي المعتّم عليه داخلها، وإنما ماالذي يتردد في شبكة مشاهدها، أكثر مما هو مقروء، أي ما يعايَن في مقروء المقروء لديها؟
تنبيه إلى مجهول الاسم
أستطيع القول أن ليوزو تتحرك في منطقة الشيطان إن جاز التعبير، لأن الهجاء نفسه منسوبٌ شيطاني، أو يصلنا به، حيث الشيطان يتلبسنا ظاهراً وباطناً، وسعي الكاتبة إلى سلوك الاتجاه المعاكس، ضربٌ من المبالغة، ومحاولة نفي الكتابة المعهودة، إشهاراً لكتابة أخرى، تكون نعياً للسابقة، وفي الوقت نفسه، اعترافاً بالمجهود المبذول في هذا المضمار، في لعبة المفارقات التي تتسلسل نثرياً دون إخفاء الشعري توصيفاً.
بدءاً من الاستهلال، كما في المقتبس من هيغو" تبدأ الحرية بالسخرية " لأن هناك حدوداً خفية تنفتح، وفي السخرية إقلاق لخاصية الرصانة وأنفة التراتبية.
تكثيف العلاقات بصورها في عبارات متجاورة، إمعان في التعبير عن أن هناك ما يمكن قوله، لم يجر قوله، وتجاوز لسياج النص الشائك بمتنه المحروس، وقواعد الكتابة في حقله. كما في :
( مصنوعٌ تاجٌ وهميٌّ من التفوق، من الثوم والقراص، مهيمناً على رعاياه المصابين بمتلازمة ستوكهولم.)
ثمة التداخل في الصور، أعني محاولة التأكيد على تجذّر المركَّب في الحياة ، في الطبيعة، في الكون.
ماذا يعني قول كهذا:
( بين الشتائم واللعنات، تبددَ صوته.)
سوى الدخول في البورصة الحياتية التي تنذر بالخطر، سوى تعرية المشهد ونعي محتواه ؟
وما يخص العلاقة الشرطية، وصفة الغرابة في المشهد التالي ذي المنسوج أقصوصياً:
( صرخ في وجه الضحية وهو يؤدي واجبه، مضايقاً إياه قائلاً:
"عليك أن تعطيني كل ما تملك من مال، والمنزل، والمعاش التقاعدي، وليس قليلاً فقط."
على الأقل جنيهًا واحدًا، أطعني وإلا سأوبخكِ.")
هناك اهتزازات لصمت المعلوم وفي صلابته، تعبيراً عن مجهول لا يمكن التغافل عنه، فهو يختبرنا دائماً، عن أن اللغة في نسيجها أكبر مما هي عليه، وليست كما يشار بها إليها، حين أقرأ مثلاً:
( ضحكات شيطانية وسط الضباب.)
يجري سماع الصدى متردداً هنا وهناك، لكن الضباب ذا الرطوبة يخفي ما يجري السؤال عنه، عن حقيقة المسموع، عن مصدره. الضباب ليس ماء، إنه إعاقة الحركة، بلبلة المشهد، ووجوب تقصي قاعه.
ليوزو، تنطلق من المفارقات في الرؤية، ونسجها باعتبارها شاهدة على المتشابهات في آن، فلا غرابة أن تمد بمتخيلها ذي النسب الواقعي المختلف، بحدسها الشاعري والأنثوي، وأقول الأنثوي تعبيراً عن مركّب هندسي يحتفظ للمرأة بمناقبية القار وراء المرئي المباشر، حيث السؤال يستبطن الجواب، أو الحيرة تتلبس المعروض مقروءاً، كما لو أنه عين حقيقته، والجاري واقعاً ليس هو المتعامل باسمه واقعاً:
كالشوك، كانتا شفتاه شاحبتين وزبدان يخرجان من فمه.
إن لم تخشَ المصائب، فأشبع حاجاتي..
"لا أقبل بالبدائل»، كرر الرجل المنحني الآن،غاضبًا، منهكًا، ومهزومًا...
" لكن لماذا لا تجيبني؟ أين أنت؟"
" أي فن، أي ثقافة، لن نكون زوجين أبدًاأنا لا أتعامل مع الشيطان..."
وتوسلت بإلحاح وإزعاج شديدين طالبةً عفوًا زائفًا...
" يا إلهي، يا لها من كارثة، أي عظم أختار؟"
"أنا أفقد ريشي وقوتي، ماذا أفعل، أيتها الفتاة البائسة؟"
...
ليس من جواب قطعيّ، أو يُطمأن إليه، ولا سؤال يقطع الطريق على الجواب. ثمة لعبة تديرها ليوزو أو باسمها في أكثر من اتجاه، حيث الصورة لا تثبت على وجه واحد، ولا الزمن الذي تتحرك به العبارة، وإن كان معلوماً بنوعه، ولكنه لا يثبت في مضمار المسطور. إن الوقوف عند أي مثال سرعان ما يشد النظر إلى الأمثلة الأخرى، تأكيداً على تشعب المعنى الواحد، في متشعب المتخيل عينه، في منتثر الدلالة للجملة ذاتها، والشذرة مشهود لها بمثل هذا الإقلاق لراحة الكاتب والقارىء معاً .
أتراها، أي ليوزو ، هي عينها في بنية ما سطرته هنا؟ أم إنها ليست هي نفسها بعد كتابتها، أي تنخرط في لعبتها كما لو أنها متعددة، بوليفونية الروح بالمقابل، في شواش كوني على وجه التحديد هنا ؟
لاحظ هذه الكوكبة الأخرى من شذراتها:
بعد أن استعدت للجلوس على الكرسي، نزلت إلى المقصورة
لترسم الخطم المعوج و"تجاعيد رجْل الغراب"
"الآن أنا جميلة!" هكذا هتف متابعوحظائر الدجاج
ورفرفوا بأجنحتهم، مفضلين هذا على مشهد الميلاد...
ظنّ شجيرة الكستناء ثمرةً سمينةً
وبـ"الماء المقدس، كانت الأرض رطبة"، لكن لم ينبت أي قربان...
كل شذرة تضيء وجهاً لها ، في مشهد يمكن تفعيل صورته المركّبة تخيلياً. لا شيء يمكن أن يطمئن إلى نفسه، ولا حتى إلى كاتبته بالذات، لأن اللغة تكون متجاوزة لها، فلا تكون وصية على ما تقول، طالما أن هناك معاناة تعبير، معاناة حالة تمد بخيوطها الرفيعة" الشعيراتية " عنكبوتياً هنا وهناك، باحثة عن المعنى في اللامعنى، عن مجهول الاسم في المعتبر معطلاً أو خواء أو فراغاً، وجرْم هذا التسطيح للمسطور.
هل ثمة معاكسة نسوية للموضوع الشاهد على معضل مدمن بالمقابل، معاكسة تضيء ما هو معتم، حيث نكون إزاء اللاتناغم الكوني، الحياتي، المجتمعي، أو الإنساني عموماً؟ الانسجام المزكّى بامتياز، والذي يوضع عالمنا في نطاقه توهم ثقافي مأخوذ به دون إسناد أو توثيق، والجاري هو الشاهد، ثمة اللاتناغم المتناغم ، إن جاز التعبير، أكثر من وجهين لعملة واحدة، تمثّل فكراً، نقداً، قولاً ما...إلخ.
أورد الشذرات الأربع في النهاية، أو كما أراها شذرات:
يجب أن أنضم إلى الطبقة؛ صداقتك لا تكفيني."
استكشفت ذبابةٌ ناقدةٌ حنجرتها
على الأوتار المتأرجحة، هكذا كان التشخيص.
ثم، وقد قرفتْ من الغطرسة المحيطة بالروث، عادت.
يفقد الاسم الواحد نباهة المسمى فيه، ومصداقية المردود المنسوب إليه كذلك، حيث لا تطابق بينهما. تُرى، مَن يمكنه الحوار مع أي مثال في الوارد ذكره آنفاً، دون أن يشعر بتوتر نفسي، وهو يواجه ثنيّات متباينة للمقروء؟
ليوزو، توسّع دائرة المعنى، لوجود تحدّ، يتمثل في الواقع المتصدع، في كل ما يمكن تسميته أيضاً.
لا يمكنني في كتابة تدخل في حوار عن بعد مع نص مركَّب، يطرح نفسه، ليعرف نفسه، وليُعلِم كاتبته كذلك بما هو مستجد في ضوء رد أو ردود فعل، ممن يعرفون الشيطان ونسابته، مذ أشيرَ إليه بمرجعيات شتى.
أرى أن الذي يقرأ نصها، لن يقف مرتاح البال كترجيح مقاربة، وإنما يضحك في عبّه، محاولاً ضبط نفسه. لماذا؟ لئلا يسخر منه الشيطان، وهو يراه في نومه ويقظته، ويرد إليه صاع المختَلف عليه صاعين!!