أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - التّعلّم وفق القرائن والمجموعات

لعلّنا مررنا جميعاً بتجربة ليّ التعلّم،وكسره عندما تعلّمنا لغة ثانية في صغرنا،كالانجليزية أو الفرنسية أو غيرها من اللغات،حيث تعلّمناها قسراً بطريقة القوائم الصّماء؛فكان المعلم أو المعلّمة يحبسنا طوال العام مع دفتر عملاق مرقوم بمئات الكلمات الجديدة،ويجعلنا نسمّيه"دفتر المعاني" ثم نخرّقه حفظاً ونسخاً وإعادة وجهلاً،ونتفاجأ في الامتحان بأنّنا لا نتذكّر من هذه القوائم العتيدة من الكلمات إلاّ النّزر القليل المشوّش،عندئذٍ نلوم أنفسنا أو نلعن النسيان،وسيان الأمران،إذ كنا نخرج في نهاية المطاف خالي الوفاض من الكلمات،فبعد الامتحان تهجرنا تلك الكلمات الدّخيلة عن ذواكرنا التي ماعدنا نذكر منها شيئاً،ولا نوظّفها في أيّ سياق أو استخدام.
وما كنا لنعرف حينها أنّنا معذورون في خسارتنا؛فما هكذا يكون التعليم،فالتعليم المعجمي يكون عبر الإلحاح على استخدام الكلمات في سياقات كثيرة ومتنوعة ومكرورة،حتى يتأتّى لعقل الطالب أن يحفظ هذه الكلمة في عقله عبر الطريقة العلمية للتذكّر والحفظ في الدّماغ،وهي الحفظ عن طريق المجموعات والقرائن.
فالعقل البشري كما تذكر الأبحاث العلمية المستفيضة لا يدّخر المعلومات آحاداً وفرادى،بل زمراً ومجموعات يختزلها في قرائن ظاهرة أو خفيّة.
فمثلاً عندما ترى ربطة عنق خضراء في السّوق،تتذكّر والدك ؛لأنّك أهديته ربطة عنق مشابهة في عيد ميلاده الماضي،كما تتذّكر عيد ميلاد رئيسك في العمل الذي كان البارحة،كذلك تتذكر أحمد زميلك في العمل الذي أحضر هدية للرئيس بمناسبة عيد ميلاده. والسبب في هذا التذكّر المتداعي أنّ عقلك قد خزّن في مجموعة واحدة المعلومات عن عيد ميلاد والدك،وربطة عنقه الخضراء،وعيد ميلاد رئيسك في العمل،وعن هدية أحمد،وربطها سويّاً بقرائن وفق شروطه الداخلية،ومجرّد استدعاء أيّ كلمة من هذه الكلمات عند الحاجة إليها،تُستدعى باقي الكلمات الأخرى بما يصاحبها من مشاعر وانفعالات وحالات نفسية مرافقة لها.
ولذلك علينا أن نستثمر المفردات في سياقات تكاملية استدعائية قادرة على تأمين تذكّر أكبر عدد من الكلمات ضمن دوائر سياقية واحدة مفترضة مثل: الوطن،الجمال،السعادة،التضحية،الدفاع،التعاون المحبة،الجنود،المواطنون،السلطة.وهي كلمات يجب أن تكون في منظومة واحدة. كذلك يجوز أن نضع في منظومة واحدة كلمة: أمي،أبي، الأولاد، البيت،الأمن،الاستقرار، المعيشة،اللقاء،الاجتماع.وهكذا دواليك.
يُشاع في أوساط المعلمين لا المتعلّمين فقط أنّ اللغة العربية كثيرة المترادفات للدلالة على ذوات واحدة،وهذا القول خطأ شائع ،فالعربية لغة دقيقة إلى درجة متناهية،وغنية في آن بالكلمات،وإنّما ما يسمّى بالمترادفات هو حقيقة كلمات تنتمي إلى حقول دلالية واحدة.فمثلاً: الأسد،وأسامة،وقسورة،وحيدرة،والليث،والشّبل،والهزبر،ليست جميعاً أسماء للأسد ذاته،أو رديفة واحدة للكلمة عينها،بل هي كلمات تدلّ على نوع الأسد،ووفقاً لذلك فالأسد مختلف في بعض صفاته الخَلقيّة عن قسورة ،أو عن حيدرة،أو عن الليث.ولذلك علينا أن نميّز بينها،أو نترك ذلك إلى حين قد يطول وقد يقصر،وننتخب حتى ذلك الوقت أسهل الكلمات الدالة وأشهرها،وهي كلمة الأسد بدل التورّط في عشرات التسميات له،وبذلك نتتخب كلمة حبّ من مجموعة كلمات حقل الحبّ العملاقة،ونختار كلمة سيف من مجموعة حقل دلالة سيف بما يضمّ من كلمات كقاطع وبتّار وحسام وباتر وغيرها.
وبذلك يتوسّع معجم الطالب أفقياً،وهو الأجدى،بدل أن يتوسّع رأسياً،وهو الأقل جدوى في عملية التعليم،وله أن يكمل بعد ذلك التوسّع بشكل رأسي ومأمون إذا ما أمسك بأوّل زمام اللغة،وهجر ركن القطيعة مع لغته الأم.
وفي هذا الشأن على المعلّم أن يقبل بالكلمات الفصيحة الدّنيا،لأنّها امتداد حقيقي للفصحى،وعليه كذلك أن لا يعاملها على أنّها عامية؛لأنّها ليست أبداً كذلك،مثل كلمة شاف بمعنى رأى،وبس بمعنى فقط أو يكفي،وحكى وسلف وهرج بمعنى قال،بل إنّ من واجب المعلّم أن يبيّن للطالب أنّها كلمات فصيحة لا عامية،وأن يعرّفه أن استخدامه لها هو فصاحة لا انحراف نحو العامية على حساب الفصحى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...