غانية ملحيس - حين تُختبر الفرضيات: مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية وإدارة التباين داخل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي

ملخص تنفيذي



ينطلق هذا المقال من فرضية طُرحت في مقال سابق، مفادها أن العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية تشهد تحولا تدريجيا من منطق “التطابق الاستراتيجي” إلى منطق “إدارة التباين”. وينقل النقاش من مستوى البناء النظري لهذه الفرضية إلى مستوى الاختبار العملي، مستندا إلى بنود “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية (15/6/2026). ويسعى التحليل إلى تفكيك بنود المذكرة الـ 14 عبر أربع حزم وظيفية، بهدف استكشاف ما إذا كانت تعكس تحولا بنيويا في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، أم مجرد ترتيب ظرفي مؤقت.



تكشف قراءة البنود عن انزياح في المقاربة الأمريكية من منطق “إزالة التهديد والحسم العسكري” الذي ينسجم تاريخيا مع المقاربة الإسرائيلية، إلى منطق “مأسسة التهديد وتسييله تفاوضيا”، عبر ضبط العتبة النووية فنيا بدلا من تفكيكها، ومأسسة خفض التصعيد الإقليمي، وإدارة مسارات وقف التوتر في أكثر من ساحة.



وتشكل الحزمة الثالثة ذروة هذا التحول، إذ تعكس مقايضة أمريكية بين الأمن والسياسة والاقتصاد، من خلال طرح خطة لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار ورفع العقوبات، بما يشير إلى انتقال من استراتيجية “الخنق والعزل” إلى “الدمج المشروط”، وهو ما يخلق تباينا مباشرا مع العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية، وقد يدفعها إلى إعادة التكيف مع أولويات واشنطن.



يخلص المقال إلى أن الأهمية الأساسية للمذكرة، سواء كُتب لها النجاح أو جرى الانقلاب عليها، لا تكمن في مضمونها المباشر، بل في كونها تكشف عن نوع الترتيبات التي باتت قابلة للطرح داخل النظام الإقليمي. فهي تقدم نموذجا لشرق أوسط منخفض الحسم، يُدار لا بالتحالفات الصلبة أو الاصطفافات الثنائية، بل بمنطق ضبط التوازنات وإدارة التباينات، حيث يتراجع التحالف الأمريكي - الإسرائيلي من كونه مرجعية موحدة لتعريف العدو، إلى كونه أداة وظيفية مرنة، ضمن شبكة إقليمية ودولية أكثر تعقيدا.







المقال الكامل : حين تُختبر الفرضيات: مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية وإدارة التباين داخل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي





أولا: من النظرية إلى الاختبار

إذا كان المقال السابق «من التحالف المتطابق إلى إدارة التباين: التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية 21/6/2026» قد سعى إلى بلورة إطار تحليلي لفهم التحول البنيوي في التحالف الأمريكي - الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023، فإن هذا المقال ينقل النقاش من مستوى البناء النظري للمفهوم إلى مستوى الاختبار العملي.

فالمفاهيم في العلاقات الدولية لا تكتسب قوتها التفسيرية من اتساقها الداخلي فحسب، بل من قدرتها على الصمود أمام حالات تجريبية ضاغطة، تكشف حدودها، وتعيد تعريف نطاق صلاحيتها.

ومن هنا، لا يُنظر إلى التحالف الأمريكي - الإسرائيلي بوصفه حالة مستقرة تُقرأ نظريا، بل بوصفه بنية ديناميكية تُختبر باستمرار عبر الأزمات والتحولات الإقليمية.



في هذا السياق، تبرز مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية الموقعة في 15/6/2023 ، التي نشرتها CNN في 17/6/2026 تحت عنوان" مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية"، والتي لا تختلف عما نشرته وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرسمية، والمكوّنة من 14 بندا باعتبارها لحظة اختبار نوعية، ليس لأنها تعيد ترتيب العلاقة بين واشنطن وطهران فحسب، بل لأنها تمثل تدخلا مباشرا في بنية إدراك التهديدات التي تشكل أحد الأعمدة التأسيسية للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي.

فإذا كان التحالف قد تأسس تاريخيا على درجة عالية من التطابق في تعريف إيران كتهديد مركزي، فإن أي إعادة صياغة أمريكية لهذا التعريف، ولو جزئيا أو تدريجيا، يمكن قراءتها كمؤشر على احتمال إعادة توزيع داخل “هندسة التهديد” نفسها، بما يكشف بداية انتقال من منطق الاصطفاف الحاد إلى منطق الاحتواء وإدارة المخاطر، وينعكس على طبيعة التحالف ووظائفه.

وعليه، لا يطرح المقال سؤال “ماذا تتضمن المذكرة؟” فقط،

بل يطرح سؤالا أكثر بنيوية: هل تعكس هذه المذكرة انتقالا في بنية الاستراتيجية الأمريكية نفسها، إذا ما نجحت الأطراف المعنية في تحويل هذه التفاهمات إلى ترتيبات مستدامة، بما يعزز فرضية الانتقال من التطابق الاستراتيجي إلى “إدارة التباين” داخل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي؟

أم أنها ستشكل استثناء ظرفيا وإعادة ترتيب مؤقت داخل بنية ما تزال قائمة على التطابق القديم؟

ولا تكمن أهمية ذلك في مضمون العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران فقط، بل في أثرها على البيئة الاستراتيجية التي تشكل أساس الحسابات الإسرائيلية



ثانيا: البنية المعيارية للمذكرة الأمريكية - الإيرانية: قراءة في منطق الأربعة عشر بندا



يمكن قراءة بنود مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية بوصفها بنية تفاوضية متعددة المستويات، لا تهدف إلى إنتاج تسوية نهائية، بقدر ما تهدف إلى إعادة تنظيم التهديد داخل نظام قابل للإدارة. ومن هذا المنظور، لا تُفهم البنود كإجراءات تقنية منفصلة، بل كأربعة حزم وظيفية، تعكس انتقالا تدريجيا في منطق السياسة الأمريكية تجاه إيران، بما ينعكس مباشرة على موقع التحالف مع إسرائيل.



الحزمة الأولى: إعادة تعريف طبيعة التهديد (البنود 1-3)

تعمل هذه المجموعة من البنود على إعادة صياغة إيران من “تهديد استراتيجي مفتوح” إلى “تهديد مُقيد بإطار تفاوضي مستمر”.

البند (1): وقف الحرب وعدم الاعتداء

لا يُغلق النزاع، بل ينقله إلى بنية دائمة من التفاوض، ما يعني تحويل التهديد من حالة استثنائية، إلى حالة إدارية دائمة.

دلالته: الانتقال من “إزالة التهديد” إلى “ تسييل التهديد داخل مؤسسات إدارة”.

البند (2): مأسسة عدم الاعتداء واحترام السيادة

إدخال قواعد غير معلنة لتقييد التفاعل العسكري وضبط الردود المتبادلة.

البند (3): تثبيت إطار التفاوض وآليات فض النزاع

تحويل الخلافات إلى إجراءات مؤسساتية قابلة للاحتواء. وهذا يرسّخ فكرة أن الصراع لم يعد سياسيا فقط، بل إداريا - بيروقراطيا.



الخلاصة التحليلية لهذه الحزمة: التراجع بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عن خيار حسم الصراع الإقليمي إلى إدارته

هذه البنود لا تستهدف بالضرورة إزالة التهديد، بل تعيد صياغته ضمن إطار قابل للإدارة، وهو ما قد يمثل نقطة انزياح عن منطق إسرائيلي تقليدي يميل إلى التعامل مع التهديد من زاوية المنع المسبق. إلى محاولة ضبطه داخل حدود مؤسساتية وسياسية قابلة للاحتواء.



الحزمة الثانية: هندسة سلوك التصعيد (البنود 4-5)

البند (4): ضبط الردود المتبادلة

إدخال قواعد غير معلنة لتقييد التفاعل العسكري غير المباشر، أي الانتقال من ردع مباشر إلى ردع مُدار.

البند (5): آليات خفض التصعيد الإقليمي

ربط السلوك الإيراني بسقف إقليمي عام، وتتحول الولايات المتحدة إلى “مدير سرعة الصراع”.



الخلاصة التحليلية لهذه الحزمة: منع الإنزلاق إلى حرب إقليمية شاملة

هذه البنود لا تتعامل مع طبيعة التهديد، بل مع إيقاعه وسلوكه، وهو ما يخلق فجوة مع إسرائيل التي تعتمد منطق “منع التهديد قبل تبلوره”.

لا تسمح المذكرة وحدها بالجزم بحدوث تحول مكتمل في بنية النظام الإقليمي، إلا أنها توفر مؤشرات تستحق التوقف عندها عند قراءتها في سياق التحولات التي شهدتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

فالقيمة التفسيرية للوثيقة لا تنبع من بنودها منفردة، بل من تلاقيها مع سلسلة أوسع من التطورات التي تشير إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية، وتصاعد منطق إدارة المخاطر والتوازنات، على حساب منطق الحسم وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بالقوة.



الحزمة الثالثة: الصفقة: مقايضة أمنية - جيوسياسية شاملة

(6-11)

تتوفر مؤشرات على انتقال نسبي في السياسة الأمريكية من التركيز على ردع إيران فقط، إلى محاولة تنظيم سلوكها ضمن سقوف محددة.

البند (6) الاقتصاد: تتعهد أمريكا مع شركائها الاقليميين بخطة إعادة إعمار لإيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وبمنح التراخيص والإعفاءات اللازمة ذات الصلة.

البند (7) العقوبات: إنهاء كافة العقوبات المفروضة على إيران (الأحادية والأممية وبنك الخزانة)، وإطلاق الأموال المجمدة وفقا لجدول زمني يتفق عليه الطرفان.

البند (8): ادارة الملف النووي تفاوضيا

ا. التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي،

ب. تسوية وضع مخزون المواد المخصبة وفقا لآلية يتم الاتفاق عليها بين الطرفين،

ج. خفض مستوى التخصيب داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية،

د. مناقشة مسألة التخصيب المتعلقة باحتياجات إيران النووية للأغراض السلمية، في إطار عمل مرض للطرفين يتم الاتفاق عليه ضمن الاتفاق النهائي.

البند (9) إلتزام الطرفين بالتهدئة خلال مرحلة التفاوض

الحفاظ الإيراني على الوضع الحالي للبرنامج النووي، وعدم فرض الولايات المتحدة أي عقوبات جديدة على إيران، وعدم نشر قوات إضافية في المنطقة.

البند (10) اتخاذ تدابير فورية بإصدار إعفاءات من العقوبات

السماح بتصدير النفط الخام والمنتجات البترولية الإيرانية ومشتقاتها، وكافة الخدمات المرتبطة بها، بما في ذلك المعاملات المصرفية، والتأمين، والنقل، وغيرها.

البند (11) تعهد امريكي بإتاحة استخدام الأموال والأصول الإيرانية المجمدة بالكامل

الالتزام الامريكي، عند تنفيذ مذكرة التفاهم، بإتاحة استخدام الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، عبر القنوات والآليات التي يحددها البنك المركزي الإيراني، والاتفاق على القضايا الإجرائية المتعلقة بذلك أثناء المفاوضات.



الخلاصة التحليلية لهذه الحزمة: تسوية الخلافات الامريكية الإيرانية تفاوضيا

تشير بنود هذه الحزمة إلى انتقال متزايد من محاولة تغيير السلوك الإيراني عبر الضغوط والعقوبات والتهديد العسكري، إلى محاولة تنظيم العلاقة معها من خلال ترتيبات تفاوضية. ويمكن قراءة هذا التحول باعتباره انعكاسا لتراجع فاعلية أدوات الإكراه التقليدية، وارتفاع كلفة خيارات الحسم العسكري مقارنة بالعقود السابقة.

فالحزمة الثالثة تشير إلى احتمال انتقال واشنطن في إدارة الملف الإيراني، من التركيز على استراتيجية إنهاك الخصم وعزله، التي شكلت إحدى الركائز الأساسية للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي خلال العقود الخمسة الماضية لتعذر الحسم وارتفاع كلفة المواجهة، إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على احتواء إيران عبر إدماجها المشروط داخل ترتيبات اقتصادية وأمنية إقليمية. وهو ما يتعارض مع مقاربة أمنية إسرائيلية تقليدية تعاملت مع إيران بوصفها تهديدا وجوديا يستوجب المنع المسبق، وتقويض القدرات الإيرانية. ما قد يضطر إسرائيل إلى التكيف مع تباين المصالح والأولويات الأمريكية.



الحزمة الرابعة: إنتاج سقف استراتيجي للصراع (البنود 13-14)

البند (13): وضع خطوط حمراء ضمنية للتصعيد

لا تعلن الخطوط صراحة، لكنها تعمل كسقف غير مرئي. السياسة تتحول إلى إدارة حدود، لا إدارة حلول.

البند (14): ربط الاستقرار الإقليمي بالمصالح الأمريكية الكبرى

يمكن أن يُقرأ البند باعتباره مؤشرا على ربط الملف الإيراني باعتبارات تتجاوز الإقليم. وهذا يعني أن الشرق الأوسط لم يعد مركزيا، بل تابعا لأولويات النظام الدولي الأوسع.



الخلاصة التحليلية لهذه الحزمة: إدارة التوازنات بين الفواعل الإقليمية

قد تعكس هذه البنود ميلا أمريكيا متزايدا إلى ضبط التفاعلات بين الفاعلين الإقليميين ضمن سقوف محددة، بما ينسجم مع أولويات أوسع تتعلق بإدارة الاستقرار الإقليمي وتقليل احتمالات التصعيد. في إطار رؤية أوسع لإدارة النظام العالمي، وهو ما يقلص قدرة إسرائيل على تعريف التهديد وتحديد أولويات السياسة الاقليمية بشكل منفرد.

قد يُنظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية من زاوية مختلفة، ليس بوصفها مؤشرا على تحول بنيوي في العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية، أو في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران،

بل باعتبارها محاولة ظرفية لإدارة أزمة إقليمية مرتفعة الكلفة، دون المساس بالأسس العميقة للتحالف القائم.

ووفق هذه القراءة، فإن الهدف من مذكرة التفاهم ليس إعادة تعريف إيران أو إعادة ترتيب أولويات التحالف، بل تخفيض احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، ومنح الولايات المتحدة مساحة أكبر للتركيز على أولوياتها الدولية الأخرى، مع الإبقاء على البنية الأساسية للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي دون تغيير جوهري.

غير أن أهمية المذكرة لا تكمن فقط في احتمال نجاحها أو فشلها، بل في طبيعة الترتيبات التي أصبحت قابلة للطرح والتفاوض. فالبنود المتعلقة بوقف الحرب، ورفع العقوبات، وإعادة دمج إيران اقتصاديا، وإدارة الملف النووي تفاوضيا، تشير إلى أن أدوات إدارة الصراع نفسها تشهد تحولا تدريجيا.

لا تسمح المذكرة وحدها بالجزم بحدوث تحول مكتمل في بنية النظام الاقليمي، فالقيمة التفسيرية للوثيقة لا تنبع من بنودها منفردة، بل من تلاقيها مع سلسلة أوسع من التطورات التي شهدتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/ اكتوبر 2023، والتي تشير إلى إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية، وتصاعد منطق إدارة المخاطر والتوازنات على حساب منطق الحسم وإعادة تشكيل البيئة الاقليمية بالقوة.



ثالثا : من التحالف إلى هندسة النظام الإقليمي - إعادة تركيب بنية “إدارة التباين”

لا تُختتم دلالة مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية عند حدود اختبار فرضية “إدارة التباين” داخل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، بل تتجاوزها إلى مستوى أعمق، يتعلق بإعادة تشكيل البنية العامة للنظام الإقليمي نفسه.

فما تكشفه المعطيات المتراكمة في هذا المقال، من التحول في العقيدة الأمريكية، إلى إعادة تعريف التهديد الإيراني واعادة ترتيب الأولويات في سياق عالمي، وصولا إلى إعادة تموضع التحالف الأمريكي - الإسرائيلي. هو أن الشرق الأوسط يميل تدريجيا إلى ألا يُدار بمنطق الاصطفافات الثنائية، بل بمنطق هندسة التوازنات داخل فضاء متعدد الأزمات منخفض الحسم.

1. التحالف كجزء من بنية لا كمرجعية لها

في هذا السياق، لا يعود التحالف الأمريكي - الإسرائيلي وحدة تفسير مستقلة بذاتها، بل يصبح أحد مكونات بنية إدارة أوسع، تعمل فيها الولايات المتحدة الأمريكية على ضبط ثلاثة مستويات في آن واحد:

· مستوى التهديدات (إيران، الفواعل غير الدولتية، الحروب الإقليمية)

· مستوى الحلفاء (إسرائيل، الشركاء العرب، منظومات التطبيع)

· مستوى المخاطر البنيوية (الطاقة، الممرات، التنافس مع الصين)

وهذا لا يعني تراجع أهمية التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، أو خروجه من مركز الحسابات الأمريكية. بل يشير إلى تغير موقعه الوظيفي داخل عملية صنع القرار. إذ لم يعد بالضرورة الإطار الوحيد لتعريف التهديدات والأولويات، بل أصبح أحد العناصر التي تتفاعل مع اعتبارات أخرى، مثل إدارة المنافسة الدولية، والاستقرار الإقليمي، ومنع التصعيد.

2. من منطق تطابق الرؤى إلى منطق إدارة الاختلاف

ما يظهر في البنية الجديدة ليس تفكك التحالفات، بل تحول وظيفتها.

فالتحالفات لم تعد تُنتج بالضرورة اصطفافا موحدا، بل أصبحت تعمل كآليات لإدارة التباينات داخل شبكة علاقات غير متكافئة.

وبهذا المعنى، يتحول التحالف الأمريكي - الإسرائيلي من: أداة لتوحيد تعريف التهديد، إلى أداة لإدارة اختلاف تعريف التهديد نفسه.

وهنا تتجسد فرضية “إدارة التباين” في أعلى مستوياتها التفسيرية:

لم تعد المشكلة في وجود اختلاف، بل في كيفية تنظيم هذا الاختلاف داخل بنية قابلة للاستمرار.

3. إعادة تعريف السيادة الإقليمية: من الفعل إلى الضبط

يُظهر هذا التحول أيضا أن مفهوم السيادة في الإقليم لم يعد يُمارس كقدرة على الفعل المستقل، بل كقدرة على التأثير ضمن منظومة ضبط متعددة المستويات.

إسرائيل، رغم تفوقها العملياتي، تواجه قيودا متزايدة مرتبطة باعتمادها على المظلة الأمريكية، وبحسابات واشنطن الأوسع.

إيران، رغم تموضعها كخصم، تُعاد صياغتها داخل منظومة احتواء مشروط.

الولايات المتحدة، رغم مركزيتها، لا تدير النظام كفاعل مهيمن مباشر، بل "كضابط توازنات” ومنسق بين مستويات متعارضة. وهذا يؤشر إلى حدود القوة ويعيد تعريف طبيعتها: من قوة حسم إلى قوة إدارة.



رابعا: من التحالفات إلى أنظمة إدارة التباين

في ضوء ذلك، يمكن القول إن التحول الأعمق الذي تكشفه مذكرة التفاهم، إن كتب لها الاستمرار ولم يتم الانقلاب عليها إسرائيليا وأمريكيا، لا يتعلق بإسرائيل أو إيران أو حتى الولايات المتحدة كفاعلين منفردين، بل يتعلق ببنية النظام الإقليمي ذاته.

فالتحالفات لم تعد وحدات صلبة تُنتج نظاما دوليا، بل أصبحت عناصر داخل نظام أوسع يقوم على إدارة التباينات بدلا من إلغائها.

وبهذا المعنى، فإن “إدارة التباين” ليست مجرد وصف للتحالف الأمريكي - الإسرائيلي، بل هي:

· منطق تشغيل النظام الإقليمي نفسه،

· وأسلوب إدارة التناقضات داخله،

· وإطار إعادة إنتاج الاستقرار في بيئة لا تسمح بالحسم.



وعليه، فإن المذكرة الأمريكية - الإيرانية لا تُختبر داخل حدودها الثنائية، بل داخل هذا التحول البنيوي الأوسع، حيث لا يصبح السؤال المركزي: هل يتغير التحالف الأمريكي - الإسرائيلي؟

بل: كيف يُعاد تعريف وظيفته داخل نظام لم يعد يقوم على التطابق، بل على إدارة التباين؟

وعليه، فإن الأهميه الحقيقية للمذكرة تكمن في أنها تكشف انتقالا أعمق في طريقة إدارة الولايات المتحدة للصراعات الإقليمية. فالبنود الأربعة عشر لا تقوم على إزالة الخصومة، بل على تحويلها إلى علاقة منظمة بقواعد وضوابط وآليات تنفيذ.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الوثيقة مجرد إطار اتفاق محتمل مع إيران، بل نموذجا مصغرا لمنطق أوسع يتزايد حضوره في السياسة الأمريكية: إدارة الخصوم والحلفاء معا داخل بنية واحدة من الضبط والتوازن، بدلا من السعي إلى الحسم أو التطابق الكامل.


غانية ملحيس
24/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...