ليلى تباني - في ذكرى عاشوراء

نَجَوْنا مِنْ بَحْرِ فِرْعون وما زِلْنا غَرْقى في أَوْهامِنا

شقُّ البحر كان معجزةَ الأمس، وشقُّ الأوهام معجزةُ العقل في كلِّ عصر

تمرُّ ذكرى عاشوراء كلّ عام فيتّجِه كثير من الناس إلى استحضار مشهد البحر وهو ينشقّ أمام نبيّ الله موسى عليه السلام وقومه، وإلى استذكار نهاية فرعون الذي ظنّ أن ملكه خالد وأن سلطانه فوق سنن التاريخ. غير أنّ الوقوف عند حدود الحدث التاريخي وحده يحرمنا من معناه الأعمق، فالعبرة ليست في الماء الذي انشق ذات زمن ، بل في الرسالة التي بقيت حيّة بعد أن عاد البحر إلى طبيعته. لقد كان البحر في ذلك الزمن حاجزا ماديا يفصل المستضعفين عن نجاتهم، أما بحار عصرنا فليست من ماء، وإنّما من أوهام وخرافات ومخاوف وعادات وأفكار جامدة تحاصر العقول وتمنعها من الوصول إلى شاطئ الحرية.

لقد انقضى زمن انتظار المعجزات الخارقة، لكنّ الله لم يترك الإنسان أعزل أمام تحدياته، بل وهبه العقل ليكون نوره في الظلمات وسلاحه في مواجهة الوهم. وإذا كان البحر قد انشق بعصا موسى، فإنّ أوهام هذا العصر لا يشقّها إلا عقل يقظ لا يخشى السؤال ولا يستسلم للتقليد . فالعقل ليس مجرّد أداة للتفكير، بل هو فعل تحرّر دائم من كل ما يحاول أن يصادر إرادة الإنسان أو يفرض عليه رؤية جاهزة للعالم.

لقد كان فرعون الأمس واضح الملامح، يُعلِن استبداده ويجاهر بطغيانه، أما فرعون اليوم فكثيرا ما يرتدي أقنعة متعدّدة ... فقد يختبئ خلف خطاب جميل أو شعار جذّاب أو فكرة رائجة أو خوف جماعي أو عادة توارثتها الأجيال حتّى ظنّت أنّها حقيقة مقدسة وهي في عمقها لا تعدو أن تكون جهلا مقدّسا . ولذلك لم يعد تحرير الإنسان يبدأ من كسر القيود التي في يديه، بل من كسر القيود التي في عقله.

إن أخطر أنواع الطغيان ليس ذلك الذي يجبر الناس على الصمت، بل ذلك الذي يجعلهم يظنون أنّهم يفكّرون بينما هم يكرّرون ما سمعوه من غيرهم. وحين تتحوّل الجماهير إلى صدى لما يقال لها، يصبح الوهم أقوى من الحقيقة، ويصبح الاستبداد قادرا على البقاء دون حاجة إلى السلاح. فالطاغية لا يعيش بقوّته وحدها، بل يعيش أيضا داخل العقول التي استسلمت له دون أن تشعر.

ومن هنا تصبح معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الآخر فحسب، بل مع نفسه أيضا. إنّها معركة ضدّ الخوف الذي يمنعه من السؤال، وضدّ الكسل الذي يدفعه إلى التقليد، وضدّ الراحة التي تجعله يكتفي بما يفكّر فيه الجميع. فكم من إنسان عاش عمره كلّه وهو يردد أفكارا لم يخترها بنفسه، ويسلك طرقا لم يرسمها بنفسه، ويحلم أحلاما صاغها له غيره ثم أقنعوه بأنّها أحلامه الخاصة. بيد أن الاستقلال الفكري لا يعني العزلة عن الناس ولا التعالي عليهم. فالحكمة ليست في أن نهرب من الجماعة، بل في أن نعيش بينها دون أن نفقد هويتنا . فالإنسان الحرّ ليس من يخالف الجميع ، بل من يمتلك الشجاعة الكافية ليوافق حين يقتنع، ويعترض حين يرى ضرورة الاعتراض، ويظلّ وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للجموع.

وفي هذا المعنى تكتسب عاشوراء دلالتها المتجدّدة. فهي ليست مجرد ذكرى انتصار على طاغية مضى، بل دعوة مستمرة إلى مقاومة كل أشكال الاستعباد التي تتجدّد في كل عصر. إنّها تذكير بأنّ لكلّ زمن بحره الخاص، وأنّ لكل جيل أوهامه التي يجب أن يشقها ليصل إلى الضفة الأخرى. وما دام الإنسان قادرا على التفكير، فإنّه قادر على العبور.

ولعلّ أعظم ما يمكن أن نتعلّمه من هذه الذكرى أن النجاة لا تبدأ عندما يتغيّر العالم من حولنا، بل عندما يتغير شيء في داخلنا. فعندما يتحرّر العقل من الخوف، وتتحرّر الإرادة من التبعية، وتتحرر الروح من الوهم، يبدأ البحر بالانشقاق من جديد، لا في الطبيعة هذه المرة، بل في الوعي الإنساني نفسه.

لعلّ شقّ البحر كان معجزة الأمس، أمّا اليوم ، فإنّ المعجزة التي ننتظرها ليست خارجنا، بل فينا. إنها قدرة العقل على رؤية ما وراء الظواهر، وقدرة الإنسان على أن يكون سيد أفكاره لا أسيرها. فكم من غريق وسط اليابسة أنشأته الأوهام، وكم من ناج وسط العواصف أنقذه العقل.

فاعتبروا يا أولي الأبصار، وشقّوا أوهامكم كما شُقَّ البحر، فإنّ طريق النجاة لا يُفتح دائما بالعصا، فعساه يُفتح بفكرة حرّة ، وعقل يقظ، وإرادة لا ترضى أن تعيش أسيرة للخوف أو التقليد.



ليلى تبّاني ـــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...