علجية عيش.. بين تاجماعت TAJMA3T و البرلمان اليوم



في تاجماعت كانت كلمة الشيخ مسموعة

ارتبطت المشيخة ارتباطا وثيقا بالذهنية القبلية، فزعيم القبيلة أو العشيرة أو القرية هو من يكون الأكبر سِنًّا والأكثر تعقلا، يتعايش مع كل الأزمات والمواقف، فهو العقل المدبر والعقل الجامع بين أفراد القبيلة أو القرية وهو الحاكم والآمر والناهي فيها، والكل يأتمر بأوامره، وكلمته مسموعة لأنه الوجيه بالقول والفعل، فصلاحيته تشمل مختلف جوانب الحياة، ولذا يلقبونه بــ:” الشيخ” ، فالشيخ هو المسئول الأول على القبيلة أو العشيرة ومع الدولة المركزية وهو الوحيد المطالب بالحفاظ على العلاقات الإجتماعية، أو كما يسمى عندنا بــ: ”تاجماعت” في منطقة القبائل بالجزائر، يأتي هذا المقال و الجزائر تستعد لإجراء الإنتخابات التشريعية بدءًا من المجلس الشعبي الوطني ( الغرفة السفلى) و التي حدد إجراؤها يوم 02 جويلية 2026 و التي تبسق بيومين عن الإحتفال بعيد الإستقلال و الشباب

كان أعيان المنطقة وأبناؤها يمتثلون لكل القرارات التي تصدر عن تاجماعت و يُعدُّ الدكتور غسان الخالد و هو لبناني مختص في العلوم الإجتماعية من بين الباحثين الذي سلطوا الضوء على ظاهرة المشيخة، حيث ارتكزت بحوثه على التحليل الاجتماعي بالتركيز على النظريات الخلدونية نسبة إلى المؤرخ وعالم الاجتماع عبد الرحمان ابن خلدون، إذ يقول أن مفهوم المشيخة أو الشيخ أنيطت بها مسؤوليات لابد على أن يتحلى بها، أول هذه المسؤوليات هي حل الخلافات داخل العشيرة وذلك للمحافظة على عملية الضبط الداخلي، أي تجنب الوقوع في الفوضى التي من شأنها أن تؤدي إلى اشتباكات بين أفراد العشيرة، أي نبذ الاندفاعية والتهور في الممارسة واتخاذ القرارات من أجل إحلال السلام، حل الخلافات مع العشائر الأخرى أو إقرار التحالفات معه ، والشيخ هو ممثل العشيرة في حالة الإعلان عن الحرب أو التفاوض، إلا أنه في هذه الحالات يشترط على الشيخ استشارة شيوخ الأفخاذ و وجهاء العشيرة (الأعيان) في إطار احترام مبدأ الشورى قبل اتخاذ أي قرار، كما أن هناك صلاحيات أخرى لها علاقة بالزواج والعلاقات بين الأفراد وغيرها من الصلاحيات التي لا تحق إلا لهذا الشيخ الذي يملك ما لا يملكه أبناء العشيرة من الحكمة والفِراسة والسياسة والتدبر والتعقل والمثالية ما تجعله يحافظ على أمن واستقرار العشيرة أو القبيلة، فلا يكون هناك عنف ولا تطرف ولا فوضى، فهذه الصفات لا تتوفر إلا في رجل يدرك معنى القيادة والمسؤولية، وبالتالي يستحق وصفه بالزعيم.

فالزعامة لها معاييرها وقوانينها وقواعدها، والزعيم وحده الذي يجعل الأفراد أكثر انضباطا، يمشون في صف واحد ويخضعون للقوانين الداخلية فلا يميلون مع الرياح والعواصف مهما كانت قوتها، وهو وحده الذي يصلح العود المعوج دون كسره، ونظرا لأهمية المشيخة في حياة الأفراد والجماعات عرف هذا المفهوم تطورا، وأعطيت له صبغة سياسية، جعلته يخرج من الإطار الاجتماعي التقليدي إلى الإطار السياسي، فظهر ما يسمى بـ: “التيار المشيخي” وتيارات أخرى، أخرجت مفهوم المشيخة من قالبه الأصلي، واختلفت هذه التيارات في توظيف المصطلحات كالشرعية والديمقراطية والحكامة والعدالة كما اختلفت في تحديد العلاقات بين الناس، وقد ساهمت التكنولوجيا الحديثة وظهور مواقع التواصل الاجتماعي في تشويه صورة «الشيخ»، وإعطائه أبعادا أخرى باسم الحرية في الكلام والحركة وتحت شعارات مختلفة لا تخدم مصلحة الجماعة، شعارات حولوها إلى (عقيدة الولاء و البراء)

لقد كانت تاجماعت المجلس الوحيد الذي لهع سلطة اتخاذ القرار، لكن بعد مرور سنوات بعد الثورة الجزائرية زهر ما يسمى بالبرلمان، و يعود تاريخ تاسيسه إلى شهرين من استقلال الجزائر أي في سبتمبر 1962 ، و كان أول مجحلي يُنتخب لعهدة لا تتجاوز مدتها سنة واحدة، و كانت مهمته الأساسية صياغة أول دستور للبلاد، وترأسه حينها فرحات عباس، و عرف البرلمان الجزائري في فترة ما اهتزازات و تحولات جذرية بسبب الصراعات السياسية في الجزائر ، فيما عرف بالتصحيح الثوري عام 1965 ، و استمر إلى حين تم حله في بداية التسعينية التي شهدت فيها الجزائر حربا أهلية بين النظام و جبهة الإنقاذ الإسلامية، و لم يعد البرلمان له الصورة الحقيقية التي كان تاجماعت يحملها، خاصة بعد دخول الجزائر التعددية السياسية، حيث اصبح كل متحزب له الحق في الترشح للبرلمان، وغالبا ما يتم اختيار العضو في البرلمان على المحاباة و المحسوبية ، حتى لو كانت لا تتوفر فيه الشروط لذلك، و يكون الصندوق مجرد درّ الرّماد في العين، و البرلمان الجزائري مشكل اليوم من غرفتين، الغرفة السفلى وهي المجلس الشعبي الوطني و الغرفة العليا و هي مجلس الأمّة ، و هذه الأخيرة تتمم بنفس الطريقة إلى أن رئيس الجمهورية يخصص ثلث 1/3 الأعضاء من اختياره هو.

فنحن نرى اليوم كل تيار يرى نفسه هو الزعيم ووجب على الجماعة أن تطيعه ولا تناقشه، تمتثل لأوامره بعينين معصوبتان، ومن يعترض فهو خارج عن الجماعة ووجب إقامة عليه الحد، أو كما قال الحديث: من خرج عن الطاعة وخالف الجماعة مات ميتة الجاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة.. إلى أن يقول ومن خرج عن أمّتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي ذا عهد عهده فلي سمني ولست منه (فيما معناه)، هو ما يحدث الآن بين السلطة والمعارضة والتطورات المجتمعية المختلفة، دون أن يولي كل واحد منهما أولوية القضايا المطروحة اهتماما فوقع الشرخ، لأن كل واحد يرى نفسه على صواب وأنه هو صاحب الحق وله الشرعية.​

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...