يحيى بركات - حين يطرق المستقبل الباب... ولا يفت.ح له أحد

في السينما، هناك لقطة تتكرر كثيرًا.
يدق أحدهم الباب. يبقى الجالس في الداخل صامتًا، ويظن أن الطرق سيتوقف. لكن الأبواب التي يطرقها التاريخ لا تنتظر طويلًا. إما أن تُفتح... أو تُكسر.

هذا بالضبط ما يحدث اليوم.
منذ بدأت حرب الإبادة على غزة، لم يتغير الفلسطيني وحده.

العالم نفسه تغيّر.
لم يعد التضامن مع فلسطين تهمة كما كان لعقود.
صار، عند ملايين البشر، موقفًا أخلاقيًا.
لم تعد غزة مجرد مكان محاصر.
أصبحت رمزًا عالميًا لمقاومة الإبادة، وللدفاع عن الأطفال، وعن العدالة، وعن الكرامة الإنسانية.

ولهذا لم يعد غريبًا أن تعلن أريانا غراندي أن تكون أول منحة لمؤسستها الخيرية الجديدة مخصصة لأطفال غزة وعائلاتهم عبر منظمة "أنقذوا الأطفال". كان بإمكانها أن تبدأ بأي عنوان إنساني آخر؛ بأطفال أمريكا، أو بالفقر، أو بالصحة النفسية، أو بالكوارث الطبيعية، لكنها اختارت غزة. لم تكن قيمة المنحة هي الرسالة، بل وجهتها، وكأن غزة أصبحت الصفحة الأولى في سجل الضمير الإنساني الجديد.

ولم تعد أريانا غراندي استثناءً.
في عالم السينما، وقع آلاف الممثلين والمخرجين والعاملين في الصناعة على تعهد بمقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية المتورطة في التغطية على الاحتلال أو تبييض صورته. أسماء مثل مارك رافالو، وتيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وأوليفيا كولمان، وآفا دوفيرناي، وغيرهم، لم يعودوا يتحدثون همسًا. صاروا يقولون علنًا إن الفن لا يستطيع أن يبقى محايدًا أمام الإبادة.

وفي الموسيقى، خرجت كيلاني بالكوفية والعلم الفلسطيني وهي تعرف أن الثمن سيكون باهظًا. ألغيت حفلات، وتعرضت لحملات، لكنها لم تتراجع. وفي غلاستنبري، أحد أكبر المهرجانات الموسيقية في بريطانيا، لم تعد فلسطين هامشًا بين الأغاني، بل أصبحت هتافًا من فوق المسرح. لم يخرج الصوت من سفارة، ولا من وزارة خارجية، ولا من حزب، بل خرج من الجمهور. وهذا ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي شيء آخر؛ جمهور لا يمكن استدعاؤه إلى السفارات، ولا تهديده بقطع التمويل، ولا إسكاته ببيان رسمي.

حتى في الإعلام الغربي، الذي ظل لعقود طويلة غرفة عمليات للرواية الإسرائيلية، بدأت الشقوق تظهر. صحفيون داخل CNN تحدثوا عن انحياز مؤسستهم للرواية الإسرائيلية، وأكثر من ألف وخمسمئة صحفي من مؤسسات أمريكية وقعوا رسالة تنتقد تغطية الحرب على غزة. لم يعد السؤال داخل غرف الأخبار: كيف نحمي إسرائيل من الصورة؟ بل صار: كيف نبرر لأنفسنا أننا نخفي الصورة؟ وهذه لحظة خطيرة في عمر أي رواية استعمارية؛ حين يبدأ العاملون في ماكينة الرواية نفسها بالسؤال عن أخلاق الماكينة.

ثم جاءت الجامعات.
لم تبدأ الحكاية بخطاب.
بدأت بخيمة.
ظنت الإدارات أنها ستختفي في الصباح، لكن الصباح جاء ومعه خيام أخرى، ثم ساحات كاملة، ثم اعتقالات، ثم فصل، ثم تهديد. ومع ذلك بقيت الجملة نفسها تتردد: "لا نريد أن تكون جامعاتنا شريكة في الحرب."

كولومبيا.
هارفارد.
ستانفورد.
براون.
جامعات أوروبا.

لم تعد مجرد مؤسسات أكاديمية، بل تحولت إلى مسرح يختبر فيه الغرب ضميره. وحين يخرج طالب أمريكي من قاعة محاضراته ليخاطر بمستقبله دفاعًا عن طفل في غزة، تعرف أن المسافة بين غزة والعالم قد انهارت، وأن فلسطين لم تعد قضية بعيدة، بل سؤالًا أخلاقيًا داخل البيت الغربي نفسه.

ثم تتحرك الكاميرا مرة أخرى.
إلى ملعب كرة قدم.
العشب أخضر.
الجمهور جاء ليشاهد مباراة.

لكن فجأة يرتفع علم فلسطين.
ثم آخر.
ثم يبدأ الهتاف.
مشجع اسكتلندي يرفعه.
شاب إسباني يصفق.
جمهور لاتيني يردده.

لا لغة واحدة تجمعهم، ولا تاريخ واحد، لكن صورة واحدة جمعتهم جميعًا؛ صورة طفل خرج من تحت الركام.

فجأة يصبح الملعب أكبر من الرياضة، وتتحول المدرجات إلى شاشة عملاقة لا تستطيع أي حكومة أن تطفئها.

لم يعد التضامن مع فلسطين تضامنًا عربيًا فقط.
أصبح تضامنًا شعبيًا عالميًا.
وصار المشجع، مثل الطالب، مثل الفنان، مثل الصحفي، يكتب فصلًا جديدًا في الرواية التي ظنت إسرائيل أنها احتكرتها إلى الأبد.

ثم دخلت فلسطين صندوق الاقتراع.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق.

في نيويورك، لم يعد الحديث عن غزة ترفًا أخلاقيًا أو ملفًا خارجيًا بعيدًا، بل أصبح جزءًا من المنافسة الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي. مرشحون تقدميون فازوا وهم ينتقدون الحرب على غزة، ويرفضون النفوذ غير المشروط لأيباك، ويتحدثون عن حقوق الفلسطينيين بوصفها جزءًا من برنامجهم السياسي والأخلاقي.

قبل سنوات، كان يكفي أن يُتهم مرشح أمريكي بأنه قريب من الفلسطينيين كي تبدأ نهايته.

اليوم، في بعض الدوائر، صار القرب من أيباك عبئًا.
وصار الصمت على غزة سؤالًا انتخابيًا.

ليست هذه نهاية النفوذ الإسرائيلي في واشنطن.
ولا ينبغي أن نخدع أنفسنا.
لكنها بداية اهتزاز الاحتكار.
فلسطين لم تعد ملفًا في وزارة الخارجية فقط.

دخلت الجامعات.
دخلت الفن.
دخلت الإعلام.
دخلت الملاعب.
ودخلت الانتخابات.

وهذا هو المعنى الحقيقي للتحول.
أما الرأي العام، فقد قال كلمته بالأرقام لا بالعواطف.

استطلاعات أمريكية كبرى أظهرت أن صورة إسرائيل تتدهور، خصوصًا بين الشباب والديمقراطيين.

هذه ليست منشورات فيسبوك.
هذه مؤشرات المجتمع الأمريكي نفسه.
الأرض التي وقفت عليها إسرائيل لعقود لم تعد صلبة كما كانت.

حتى داخل اليمين الأمريكي، الذي كان يُظن أنه خزان دعم لا ينضب لإسرائيل، ظهرت شقوق جديدة.

ليس لأن هذا اليمين أصبح إنسانيًا فجأة.
ولا لأنه اكتشف عدالة القضية الفلسطينية كما نريدها نحن.

بل لأن جزءًا منه بدأ يرى إسرائيل عبئًا على "أمريكا أولًا".
تكررت الأسئلة داخل معسكر ترامب نفسه:

لماذا ندفع؟
لماذا نحارب؟
لماذا نغرق في حروب نتنياهو؟
وهذا التحول، حتى لو جاء من منطلقات لا تشبهنا، مهم.

لأنه يعني أن إسرائيل لم تعد تجمع الغرب كما كانت.
بل بدأت تفرقه.
وحين تتحول إسرائيل من أصل استراتيجي إلى عبء سياسي وأخلاقي، يبدأ التاريخ بتغيير اتجاهه.

حتى دونالد ترامب، الذي منح إسرائيل كل ما أرادت تقريبًا، وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا.

كلما التصق أكثر بنتنياهو، ازدادت صعوبة تقديم نفسه كرجل سلام.

وكلما غرق في حروب المنطقة، بدا كأنه يلبس ثوبًا لم يعد يناسب ناخبيه.

يريد أن يظهر كصانع صفقات.
لكن نتنياهو يجره إلى صورة رجل حرب.

يريد أن يبيع نفسه كمنهي الحروب.
لكن غزة ولبنان وإيران تلاحقه كظلال طويلة على جدار البيت الأبيض.

وهنا تقع المفارقة الفلسطينية القاتلة.
بينما يبدو الرسمي الفلسطيني وكأنه يراقب كل ذلك من خلف زجاج سميك.

وكأن الزمن توقف.
وكأن ما يجري في العالم مجرد ضجيج عابر.
وكأن غزة لم تفتح في الوعي العالمي بابًا لم يُفتح منذ عقود.
هذه أخطر لحظة يمكن أن يعيشها شعب.
أن يعمل التاريخ لصالحه...
ولا يجد من يلتقط اللحظة.
أن يفتح العالم نافذة...
فيغلق الرسمي الفلسطيني الستائر.

أن يتعلم الشارع الغربي كلمة فلسطين...
فيصمت الخطاب الرسمي الفلسطيني أو يتلعثم.

أن تدخل فلسطين الانتخابات الأمريكية...
بينما تغادر السياسة الفلسطينية معناها.

المشكلة ليست أن العالم لم يسمعنا.
العالم بدأ يسمع.

المشكلة أن من يفترض أن يحول هذا السماع إلى قوة سياسية ما زال يتصرف كأنه يعيش في زمن قديم.

زمن البيانات الباردة.
واللقاءات المغلقة.
والانتظار.
والخوف من أن يقال عنه إنه حرّض.
أو بالغ.
أو خرج عن النص.
لكن النص نفسه تغيّر.
والخشبة تغيّرت.
والجمهور تغيّر.
والكاميرا صارت في يد العالم كله.

ولو عاد الفلسطينيون إلى تاريخهم، لاكتشفوا أن أكبر خسائرهم لم تكن دائمًا بسبب قوة خصومهم.
بل بسبب تأخرهم في قراءة اللحظة المناسبة.
التاريخ لا يكافئ من يملك الحق فقط.

بل يكافئ من يعرف متى يحول هذا الحق إلى قوة سياسية، وكيف يحول التعاطف إلى سياسة، والغضب العالمي إلى عزلة للمحتل، وصورة الطفل الشهيد إلى ملف قانوني، وهتاف الملعب إلى حملة دولية، وتوقيع الفنان إلى ضغط ثقافي، وصوت الطالب إلى ميزان انتخابي.

غزة، رغم الدم والركام، صنعت تحولًا عالميًا لم تستطع عشرات المؤتمرات أن تصنعه.

لكن هذا التحول لن يبقى مفتوحًا إلى الأبد.

فاللحظات التاريخية، مثل اللقطات السينمائية، لها ضوء محدد.
ولها زاوية محددة.
ولها زمن محدد.
إذا تأخرت الكاميرا...
ضاع المشهد.
والسؤال الآن ليس:
هل تغيّر العالم؟
العالم تغيّر.

السؤال هو:
هل يملك الفلسطينيون قيادة ترى هذا التغيير؟
هل يملكون مشروعًا يلتقطه؟
هل يملكون شجاعة الخروج من قاعة الانتظار؟
أم سنظل نشاهد المستقبل وهو يطرق الباب...
ولا نفتح له؟

في السياسة، كما في السينما، هناك مشاهد لا تُعاد.
ومن يترك الكاميرا مطفأة في اللحظة الحاسمة...
لن يستطيع تصوير النهاية بعد ذلك.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26/6/2026




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...