حسين عبروس - قراءة في كتاب "أدب الأطفال" من الحكي الإبداعي إلى الذكاء الإصطناعي.."

لم يعد أدب الأطفال اليوم حقلًا أدبيًا هامشيًا، بل أصبح مقياسًا لتحضر الأمم ووعيها بأهمية الاستثمار في الإنسان منذ طفولته. فالأطفال الذين كانوا بالأمس ينصتون إلى حكايات الجدات حول مواقد البيوت، باتوا اليوم يتفاعلون مع القصص الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في مشهد يعكس التحولات الكبرى التي عرفها هذا الأدب عبر الزمن. وبين أصالة الحكاية الشعبية وآفاق التكنولوجيا الحديثة، تبرز الحاجة إلى دراسات تعيد قراءة هذا المسار وتستشرف مستقبله، وهو ما يسعى إليه كتاب «أدب الأطفال: من الحكي الإبداعي إلى الذكاء الاصطناعي» الصادر عن دار الحضارة سنة 2026.
- يشكل كتاب أدب الأطفال: من الحكي الإبداعي إلى الذكاء الاصطناعي»، الصادر عن - دار الحضارة للنشر والتوزيع سنة 2026، إضافة علمية جديدة إلى المكتبة الجزائرية والعربية في مجال أدب الأطفال ويقع الكتاب على امتداد مساحة ورقية من 222 صفحة موزعة على خمسة فصول. - - مفهوم الطفولة في علم النفس والقانون - أدب الأطفال مفهومه وخصائصه وأهدافه - أدب الأطفال عند العرب والغرب - أدب الأطفال في الجزائر - واقع أدب الأطفال في الجزائر. - يقدم من خلالها مؤلفه رؤية متكاملة تجمع بين التأصيل النظري، والقراءة النقدية، واستشراف مستقبل أدب الأطفال في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن أدب الأطفال لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح ركيزة في بناء شخصية الطفل وتنمية وعيه وخياله، وهو ما يفرض تطوير الخطاب الأدبي بما يواكب التحولات العلمية والتكنولوجية مع الحفاظ على الهوية الثقافية والقيم الإنسانية.
ويتناول المؤلف مفهوم أدب الأطفال وخصائصه، مؤكدًا أنه أدب مستقل له لغته وأدواته الفنية، يقوم على مراعاة الخصائص النفسية والعمرية للطفل، ويعتمد على التشويق والخيال والحوار، بعيدًا عن المباشرة والتلقين. كما يبرز أهدافه في تنمية التفكير والإبداع، وغرس القيم، وبناء
شخصية متوازنة قادرة على التفاعل مع المجتمع ،وتتجاوز معالجة الكتاب الجانب الأدبي إلى مناقشة قضايا -نفسية وقانونية وفنية وتاريخية- ترتبط بثقافة الطفل، فيبرز دور الأدب في النمو النفسي، ويؤكد أهمية احترام حقوق الطفل الثقافية، كما يتناول عناصر البناء الفني للنص الموجه للأطفال، ويستعرض تطور هذا الأدب عربيًا وعالميًا، مع إبراز جهود رواده والتحديات
التي واجهت مسيرته.ويخصص المؤلف مساحة مهمة لقراءة واقع أدب الأطفال في الوطن العربي، مشيرًا إلى ما حققه من تطور، لكنه لا يخفي ما يواجهه من معوقات، مثل ضعف الإنتاج المتخصص، وقلة الدراسات النقدية، ومحدودية الاهتمام المؤسسي، في مقابل التوسع
المتسارع لوسائل الإعلام الرقمية.وتبرز خصوصية الكتاب في تناوله قضية الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالإبداع الأدبي. إذ يطرح رؤية متوازنة ترى أن هذه التقنيات تمثل أدوات مساعدة يمكن توظيفها في خدمة الكاتب والناشر، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الخيال الإنساني أو الحس الجمالي الذي يقوم عليه الأدب الحقيقي،مما يجعل العلاقة بين الإبداع والذكاء الإصطناعي علاقة تكامل .
ويتميز الكتاب بمنهج علمي واضح ولغة تجمع بين الرصانة الأكاديمية والأسلوب السلس، الأمر الذي يجعله مرجعًا مفيدًا للباحثين وطلبة الجامعات وكتّاب الأطفال والمربين، كما يفتح
آفاقًا جديدة للتفكير في مستقبل ثقافة الطفل في العصر الرقمي،وفي المجمل، يقدم «أدب الأطفال: من الحكي الإبداعي إلى الذكاء الاصطناعي»
ويكتسب عنوان الكتاب دلالته من الربط بين الحكي الإبداعي، بوصفه الجذور الأولى لأدب الأطفال، والذكاء الاصطناعي باعتباره أحد مظاهر المستقبل. فالحكي الإبداعي يبدأ من زمن الجدات، حين كانت الحكاية الشعبية الشفوية تُروى في البيوت والساحات، وتنقل من جيل إلى آخر، حاملةً القيم والخبرات والخيال الجمعي. ومن هذه الحكايات الشفوية تشكلت البدايات الأولى لأدب الأطفال، قبل أن ينتقل إلى الكتاب المطبوع ثم إلى الوسائط الرقمية والتطبيقات الذكية. وهكذا يرصد الكتاب مسار هذا الأدب من الرواية الشفوية إلى السرد الرقمي، مؤكدًا أن جوهر الحكاية الإبداعية يظل ثابتًا، وإن تغيرت وسائل تقديمها.
-ويبقى هذا الكتاب شاهدًا على رحلة أدب الأطفال عبر الزمن؛ من الحكاية التي نسجتها الجدات بخيوط الخيال والقيم، إلى النصوص التي تتفاعل اليوم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبين هاتين المحطتين يؤكد المؤلف أن الأدب الحقيقي لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما يصنعه الإنسان بخياله ورؤيته وإيمانه بالطفل بوصفه صانع المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، بوصفه إسهامًا فكريًا يثري المكتبة العربية، ويفتح آفاقًا جديدة للحوار حول مستقبل أدب الأطفال في القرن الحادي والعشرين.
* مختص في أدب وثقافة الطفل-الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...