د. أحمد الحطاب - هل المستوى الثقافي والعلمي لعلماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، واسعٌ أم محدود؟

بالنسبة لعلماء وفقهاء الدين، القدامى، الجواب هو لا، ثم لا، ولاشيءَ غير لا، لسببٍ بسيط، هو أن العلوم، بالمفهوم الدنيوي، لم تكن، في الفترة التي عاش فيها هؤلاء العلماء والفقهاء، القدامى، متطوِّرة ومتقدمة، كما هو الشأن اليوم. علماً أن الإنتاج العلمي المُمَنهج، أي المبني على منهجية عقلانية basé sur une méthodologie rationnelle، لم يبدأ، فعلياً وعملياً إلا خلال القرن السابع عشر.

أما بالنسبة لعلماء وفقهاء الدين، الحاليين، فقلة قليلة هي التي تتوفَّر على آفاق ثقافية وعلميه لا بأسَ بها. والباقي من علماء وفقهاء الدين، الحاليين، آفاقُهم الثقافية والعلمية محدودة، وتكاد تنحصر فيما يُسمُّونه العلوم الدينية.

والآن، دعوني أُوضِّح للقارئ لماذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، "هل المستوى الثقافي والعلمي لعلماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، واسع أم محدود؟". وبعبارةٍ أخرى، ماذا أقصِد ب"الآفاق الثقافية والعلمية؟

ما أقصده ب"الآفاق الثقافية"، هو مراكمة المعارف التي لها علاقة بأحوال الناس في حياتهم اليومية بأبعادها الاجتماعية، الاقتصادية، العلمية والتكنولوجية… وهل هؤلاء العلماء والفقهاء وَاعُون بالفوارق الشاسعة بين المستوى الثقافي ونوعية المجتمع الذي عاش فيه علماء وفقهاء الدين، القدامى، والمستوى الثقافي لعلماء وفقهاء الدين، الحاليين، ونوعية المجتمع الذي يعيشون فيه حاليا.

أما ما أقصده ب"الآفاق العلمية"، فهو التقدم الحاصل في مختلَف مجالات الحياة، الفردية والجماعِية. وحتى إن تعمَّدوا عدم الاهتِمام بنوعية المجتمع، فلا يمكنهم، على الإطلاق، التغاضى عن التقدُّم العلمي والتكنولوجي الحاصل داخل المجتمع. لماذا؟ لسببٍ بسيط يتمثَّل في تطبيق جوانب كثيرة من هذا التقدم، في حياتِهم اليومية والعملية. وهذا التقدم واضح وملموسٌ في جميع مناطق العالم التي ألغت وسائلُ التواصلِ الاجتماعي حدودَ بلدانِه، وألغت، كذلك، المسافات التي كانت ولا تزال تفصل بين بلدٍ وآخر.

بعد هذه التوضيحات المهمة، أنا شخصيا أجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "هل المستوى الثقافي والعلمي لعلماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، واسعٌ أم محدود؟، أقول، بالنسبة للقدامى، لقد أجبتُ على هذا السؤال أعلاه. أما، بالنسبة للحاليين، إن مستواهم محدود لعدة أسباب، أذكر من بينها ما يلي :

1.بعضَ علماء وفقهاء الدين يخافون من زعزعةِ العقيدة le dogme أو la doctrine، وكذلك، حفاظا على سمو وعلو النص الديني أمامَ الفكر النقدي pour une protection du texte religieux transcendant toute pensée critique. والأهم، في هذا الشأن، هو أن تضيعَ منهم، أي من علماء وفقهاء الدين، الحاليين، السلطةُ الروحيةُ التي يمارسونها على المجتمع.

2.كيف يتصرف علماء وفقهاء الدين، الحاليون، أمام بعض آيات القرآن الكريم التي تتطلب أن يكونوا على علمٍ بكيفية اشتغال بعض الظواهر الطبيعية، المُشار إليها في القرآن الكريم. وهنا، سأعطي بعض الأمثلة من القرآن الكريم :

-قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 7 من سورة الرحمان : "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ". هذه الآية تتطلَّب من مفسِّرِ النص القرآني أن تكونَ له معلومات في علم البيئة l'écologie. بمعنى أن اللهَ، سبحانه وتعالى، بنى السماء فوق الأرض، "وَوَضَعَ الْمِيزَانَ". والميزان، هنا، ليس هو الوسيلة التي نتعرَّف، بواسطتها، على وزن poids الأشياء. الميزان، في هذه الآية الكريمة، يُقصَد به أن الأشياء، المادية، على الخصوص، التي بثَّها، سبحانه وتعالى، في الأرض، وضعها، آخِذاً بعين الاعتبار، نِسبَها التي، بإمكانها، إحداث توازن بين الأشياء. وهذا التوازن هو الذي، من المفروض، أن يمنعَ طغيان أحد هذه الأشياء على الأشياء الآخرى.
مثلا، الغازات الطبيعية التي يتكون منها الغلافُ الجوي l'atmosphère موجودة فيه بنسَبٍ معينة. والغرض من هذه النِّسب، هو إحداث توازنٍ بينها، كي لا يطغى أحد الغازات على الغازات الأخرى. وهنا، لا بد من إظهار أهمية هذا التوازن. مثلا، لو ارتفعت، مثلاً، نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي، يصبح كل شيءٍ موجودٍ على سطح الأرض، وخصوصا، المواد العضوية les substances organiques، قابلاً للاحتراق la combustion. وإذا ارتفعت نسبة ثاني أكسيد الكربون، ارتفاعا شديدا، تختنق كل الكائنات الحية التي تعتمِد في تنفُّسِها على الأكسجين.
-قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رشقم 5 من سورة الرحمان : "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ". هذه الآية الكريمة تتطلَّب من مُفسِّر النص القرآني، أن تكونَ له معارف في علمِ الفلك، وبالضبط، في الفيزياء الفلكية l'astrophysique. "بِحُسْبَانٍ", تعني أن المسافة بين الشمس والقمر ليست عبثية arbitraire، بل محسوبة. والمعروف، علميا، أن الأجرام السماوية les corps célestes تُمارس على بعضها البعض جذبا une attraction، والمسافة الفاصِلة بينها تُحدِثُ توازنا بين قوات الجذب créent un équilibre entre les forces d'attraction، وهو الشيءُ الذي يجعل أن الأجرام السماوية تبقى ثابتةً في مقراتِها.
-قال ويقول، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 22 من سورة الحجر : "وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ…". هذه الآية الكريمة تتطلَّب من مُفسِّر النص القرآني أن تكون له معارف في علم النباتات la botanique، وبالضبط، معارف حول التلقيح la pollinisation، علما أن اللقاحَ le pollen خفيف الوزن الذي يُسهِّل نقلَه من طرف الرياح.
وإذا نظرنا إلى تفاسير القرآن المتاحة كتفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي… نجد أن هذه التفاسير يغلب عليها الطابع الديني أو تكون سطحيةً des explications superficielles. لماذا؟
لأن تفسيرَ النصوص الدينية القرآنية، لا يجب، على الإطلاق، أن تكون فرديةً. بمعنى أن هذا التفسيرَ يجب أن يكونَ جماعيا، لفتح الباب أمام جميع التَّخصُّصات لتشترك فيه. والمقصود من "فتح الباب أمام جميع التخصصات"، هو أن تشترك فيه العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية والدقيقة. وما دام القرآن موجها لجميع الناس، فتفسيره الفردي، مهما بلغ من الدقة والتّمحيص والتحليل، فإنه يبقى وفيًّا لذاتية subjectivité صاحبه وللخلفيات الفكرية والثقافية التي اكتسبها أثناءَ عيشِه في مجتمعٍ معينٍ.
فما هو موقف المفسر الفردي، عندما يجد نفسَه أمام أيات قرآنية كثيرة، يوجد في نصها أجزاء من قبيل "يخلق ما يشاء" و"إلا أممٌ أمثالُكم" و"أنبتنا فيها من كل زوج كريم" و"أنبتنا فيها من كل زوج بهيج"...
المفسِّر الفردي، إن لم يكن له إلمام بجميع العلوم، وهذا هو الواقع، فإنه سيغلب على تفسيره الطابع الديني. وهذا هو ما حدث فعلا في التفاسير الفردية القديمة. إذن، لا مفرَّ من التفسير الجماعي الذي تشترك فيه جميع التخصصات، بكيفية تجعل كل مُتدخِّلٍ يدلو بدلوِه في مهمة التفسير.
وفي هذا الصدد، لا تفوتني الفرصةُ لأشيدَ بالتنوريين، أي أتباع حركة التنوير الفكرية، والجهود التي يبذلونها لتنوير الناس حول بعض قضايا المجتمع، وخصوصا، الدينية منها dans le but de jeter la lumièr ou d'éclaircir certaines questions, en particulier, religieuses، وتوعيتهم بها. فهذه البروفيلات les profils لها خلفيات فكرية وثقافية واسِعة، وهي التي نحن في حاجةٍ لها لتحليل وتفسير النصوص الدينية، بالنسبة لعصرنا الحاضر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...