هاتف الثلج - مكاشفة الدكتور ياس خضير البياتي... احتلال العقول بالمعرفة لا بالدعاية

شكرا للزميل هاتف الثلج على مقالته التي نشرها على صفحته
و على هذا النص الذي لم يكتفِ بأن يكتب سيرة، بل كتب قراءةً وفاءً ومعرفةً في آنٍ واحد.
لقد منحتَني في مقالك أكثر مما يستحقه المرء من التقدير، إذ جعلت من التجربة الأكاديمية والإعلامية شهادةً على قيمة المعرفة حين تتحول إلى أثر، وعلى معنى الرسالة حين تتجاوز حدود الوظيفة إلى خدمة الإنسان والفكرة.
وأجدني أمام هذا المقال مدينًا لك بمضاعفة الشكر؛ لأنك لم تنظر إلى الجهد بوصفه أرقامًا مناصب أو تواريخ، بل بوصفه رحلة وعيٍ وممارسةٍ ومسؤولية، وهذا بالضبط ما يمنح الكتابة معناها الأعمق.
لقد كتبتَ بروح الصحفي الذي يعرف كيف يضيء السيرة، وبقلم المبدع الذي يحول التقدير إلى نصٍّ نابض بالحياة.






ليست الأعمار هي التي تقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأفكار التي تتركها في وجدان الناس، فهناك من يعبر الحياة كغيمة صيف عابرة، وهناك من يغرس في كل محطة من عمره شجرة معرفة يستظل بها القادمون من بعده. والعلم الحقيقي لا يكتفي بأن يملأ رفوف المكتبات بالكتب، بل يملأ العقول بأسئلة جديدة، ويمنح الأجيال القدرة على رؤية العالم بعيون أكثر اتساعًا. لذلك فإن الأمم التي تحفظ أسماء علمائها لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، وإنما لأنها تدرك أن الحضارة تبدأ بفكرة، وأن الفكرة تحتاج إلى عقل يحملها، وأن العقل يحتاج إلى إنسان يؤمن بأن رسالته لا تنتهي بانتهاء المحاضرة أو بإغلاق باب الجامعة، وإنما تستمر ما دام هناك طالب علم يقرأ، أو باحث يقتبس، أو إعلامي يبحث عن الحقيقة وسط ضجيج الأخبار.ومن بين تلك الأسماء التي صنعت حضورها بالعلم والبحث والتجربة، يبرز الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي بوصفه واحدًا من أبرز الأكاديميين والإعلاميين العرب الذين جمعوا بين التنظير العلمي والممارسة المهنية، حتى غدت سيرته أشبه برحلة طويلة في صناعة الوعي أكثر من كونها رحلة في الوظائف والمناصب.حصل الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي على درجة الدكتوراه في سوسيولوجيا الإعلام عام 1985، وهو التخصص الذي مزج فيه بين علم الاجتماع والإعلام، فكان ينظر إلى وسائل الاتصال بوصفها قوة قادرة على تشكيل المجتمعات وصناعة الرأي العام. مارس التدريس في جامعات بغداد والأردن وليبيا والإمارات العربية المتحدة، وأسهم في إعداد أجيال من طلبة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، حتى نال لقب الأستاذية عام 1994 من جامعة بغداد، وأشرف على عدد كبير من الرسائل والأطاريح العلمية، مؤمنًا بأن المعرفة لا تكتمل إلا عندما تنتقل من عقل إلى آخر.وتولى رئاسة قسم الإعلام في جامعة بغداد وعدد من الجامعات العربية، كما عمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وترأس تحرير الصحف العراقية «فنون» و**«الإعلام»**و**«الجامعة»**، جامعًا بين الفكر الأكاديمي والخبرة الإعلامية الميدانية، وهي معادلة لا ينجح في تحقيقها إلا من أدرك أن النظرية لا تزدهر بعيدًا عن الواقع، وأن الممارسة تحتاج دائمًا إلى مرجعية علمية.ولم تقتصر مسيرته على التعليم والصحافة، بل تسلم إدارة عدد من المؤسسات والمراكز البحثية، منها مركز بحوث المستمعين والمشاهدين التابع لوزارة الثقافة والإعلام في العراق، وإدارة الاتصال في جامعة الدول العربية، كما قدم استشارات علمية ومهنية لمؤسسات وطنية وعربية ودولية في العراق وليبيا والإمارات العربية المتحدة، فضلًا عن تعاونه مع الأمم المتحدة واليونيسف في مجالات الإعلام والاتصال والتنمية الاجتماعية، واضعًا خبرته في خدمة الإنسان قبل المؤسسة.وكان حاضرًا كذلك في ميدان التدريب الإعلامي، إذ عمل مدربًا ومحاضرًا في العديد من المراكز الإعلامية، ومن أبرزها مركز تريم للتدريب والتطوير الإعلامي التابع لصحيفة «البيان» الإماراتية، وأسهم بمقالاته ودراساته في عدد كبير من الصحف العربية، ليبقى صوته حاضرًا في النقاشات الفكرية والإعلامية العربية.أما نتاجه العلمي، فقد شكّل مكتبة متخصصة في الإعلام والاتصال وعلم الاجتماع، إذ نشر عشرات البحوث العلمية، ونال لقب أفضل باحث في العراق عام 1994 في «يوم العلم» الذي تقيمه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، كما حصل على جائزة أفضل بحث في الوطن العربي عامي 2005 و2007 من جامعة الدول العربية، وشارك في العديد من المؤتمرات العربية والدولية، مؤكدًا أن البحث العلمي رسالة مستمرة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا.ومن أبرز مؤلفاته: «الإعلام الجديد: تسونامي الثورات وجمهورية الفيسبوك»، و**«مقدمة في الصحافة»، و«مقدمة في العلاقات العامة والإعلان»، و«تاريخ الفكر الاجتماعي: من عصر الحكمة إلى عصر العلم»، و«نظريات اجتماعية»، و«بوراتيوم الإعلام: حروب الأعصاب بالتقنيات الرقمية»، و«الاتصال الدولي والعربي: مجتمع المعلومات ومجتمع الورق»، و«مناهج البحث الإعلامي»، و«علم النفس الاجتماعي»، و«احتلال العقول»، و«دراسات معاصرة في الإعلام والدعاية»، و«بحوث المستمعين والمشاهدين – منهج تحليل المضمون»**، وهي مؤلفات تكشف اتساع اهتماماته الفكرية بين الإعلام وعلم الاجتماع والاتصال والدعاية والبحث العلمي.وشغل كذلك منصب وكيل عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، مواصلًا مشروعه الأكاديمي في إعداد الكفاءات الإعلامية العربية، مؤمنًا بأن الإعلام لا يُبنى بالأجهزة الحديثة وحدها، بل بالعقول التي تعرف كيف تستخدمها لخدمة الحقيقة.إن سيرة الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي ليست مجرد قائمة بالشهادات والمناصب والجوائز، وإنما هي شهادة على قدرة الإنسان العربي على أن يصنع أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان. فالعالم الحقيقي لا يترك خلفه مباني شاهقة، بل يترك أفكارًا تنبض في الكتب، وعقولًا استنارت بما علّم، وأجيالًا تحمل شيئًا من روحه العلمية. وهكذا يبقى اسمه شاهدًا على أن المعرفة هي الثروة الوحيدة التي كلما أنفقها صاحبها ازدادت اتساعًا، وأن الرسالة الأكاديمية الصادقة لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ من اللحظة التي يفتح فيها طالبٌ كتابًا من كتبهم، أو يقتبس باحثٌ فكرةً من أفكارهم، لتستمر رحلة النور جيلاً بعد جيل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...