محمد محضار - على سبيل التقديم - أنين في مرايا الروح لحسن ميري

حسن ميري زجال أريب ممسك بنواصي القوافي، عميق في تدبير ميزان نصوصه الزجلية وسبكها بشكل يشد القارئ والمستمع في نفس الوقت، فقيمة الزجل تتجلى في مدى قدرة الشاعر على شَدّ انتباه المستمعين إليه عند إلقاء نصوصه متوسلا بالنطق السليم واتقان إخراج الحروف بشكل يحترم صفاتها ومخارجها بحيث تستطيع أذن السامع تمييز الاختلافات بينها، وهذا لعمري من الأشياء التي نلمسها في شاعرنا حسن ميري الذي يتميز بطريقة إلقاء تتماهى مع شعرية النص مانحة إياه تجليا وعمقا يجعله محسوسا وملموسا، نسوق هذه المقدمة ونحن نتصفح مجموعته الشعرية “ أنين في مرايا الروح” التي اختار من خلالها أن يقتحم مجال الشعر الفصيح، متسلحا بما راكمه خلال السنوات الأخيرة من إطلاع على الموروث الشعري العربي القديم، وكذلك نهمه الزائد واهتمامه بالشعر المعاصر سواء كان عموديا أو شعر التفعيلة، أو القصيدة النثريةالحديثة، هذا الاقتحام الجميل لمجال الشعر أفرز نصوصا تتراوح بين الشعر الحر الذي لا يلتزم بوزن أو قافية، وقصيدة النثر التي تصفها الناقدة الفرنسيىة سوزان برنار بكونها قطعة نثرية واحدة مختصرة ومضغوطة إلى حدّ يجعلها كأنها حجر بلور متحررة من القوافي والأوزان والشعر، مبنية على الاختصار والتكثيف، واعتماد الانزياحات التي تغني صورها بجمالية في التركيب والمعنى.

وشاعرنا الموهوب حسن ميري شاعر وجدان بامتياز، يحس قارئ شعره بأنه ينهل من يَمّ العاطفة والمشاعر بعفوية موصولة بثراء معرفي وثقافة لا تتوفر للكثير من أدعياء الشعر، ولا أجانب الصواب إن قلت بأنه شاعر بالفطرة، يجري الشعر على لسانه كهبة نسيم عطرة، إن حدث وتأتيه نواصيه على غير ميعاد.



يقول الشاعر حسن ميري في قصيدة شقوق القصائد

أنت… أيها العابر بين السطور، إياك أعني.

هب أنّ المباغتة أطاحت بك

وساقتْك إلى عالمٍ

لا ينهض فيه زمن

ولا تُقاس المسافة فيه بمكان.



هناك

تمتد صحيفة بين يديك

تكشف ما ظننته غبارًا تلاشى

قصائد محروقة

كلمات مرمية في سلّة الورق

مسودّات كنت تخفيها عن عينك

كلّها تنهض الآن

لتشهد أنّك كتبتها



فتشتهي رجعة

تصلح بها شقوق القصائد

وترمّم بها العقائد…
قراءة هذه القصيدة تكشف لنا عن رؤية عميقة للشاعر في اختيار حقوله المفاهمية وارتباطة القوي بانتقاء لغته من سلة الحداثة المدثرة بإيهاب التراث العربي القديم، كما أن التأمل في مقاطع هذا النص يكشف لنا عن حضور البعد الفلسفي والوجداني في أسلوب شاعرنا، وهذا ما نلمسه في ديوانه أنين في مرايا الروح الذي شرفني بكتابة مقدمته فنصوصه مجتمعة تعكس قدرة الشاعر على خلق فضاء شعوري يربط بين الفرد والمجتمع، بين الماضي والحاضر، بين الألم الشخصي والألم الجماعي، لتصبح شهادة صادقة عن الإنسان الذي يحيا بين العيش والحياة، وبين الحلم والواقع، وفي خضم الزمن الذي لا يرحم، والتجربة التي تتكرر ومن خلالها يتكرر خطاب دلالي يرتبط بسياقات انسانية ترتبط بدورها بشبكة معقدة من العلاقات المؤسسية المنتجة لإشارات زمنية ومكانية تعزز الانسجام التداولي بين الذات القارئة ونصوص الديوان، وتستدرجها للانصهار في هذه التجربة العميقة.

وختاما لا يسعني إلا أن أؤكد أن ديوان أنين في مرايا الروح هو ديوان جميل ينضاف إلى مكتبتنا الشعرية، وأنا موقن أن القارئ سيجد فيه المتاع الفني كله...والجمال

محمد محضار الدرالبيضاء : 14يناير 2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...