بديعة الراضي - هل طال نسيان القصيبة... مدرسة الأمراء

عندما كنا صغارا، كنا نبحث عن أمكنة ندفن فيها زمننا الثالث؛ ذلك الزمن الذي لم يكن يجد أمامه ملاعب تحتضن أحلامه، ولا دور سينما تفتح له نوافذ الخيال، ولا قاعات مسرح تصقل ذائقته، ولا دور شباب تؤويه من فراغ المدينة. لم يكن أمامنا سوى الأزقة والأسوار العتيقة، نلجأ إليها كما يلجأ الغريق إلى آخر قطعة خشب تطفو فوق الماء.
كنا نتوجه إلى الاحتماء بالأسوار القديمة، نتبادل عندها الأحاديث الهامسة، والضحكات الخجولة، وربما أولى القبل التي كانت تسرق خلسة من أعين القصيبة المنسية. حتى الكلاب الضالة اعتادت انزياحاتنا، واستأنست بجنوننا الطفولي، فلم تعد تنبح في وجوهنا، وكأنها أدركت أن المكان لم يعد يسكنه إلا المنسيون قبل ان ندرك أننا في حضن مدرسة الأمراء المهملة حد تآكل أسوارها فما بالك بملامح الجمال فيها ، بل لم نكن نعي، ونحن نغادر المكان وقد علقت ذرات غباره الأحمر بثيابنا، أن ذلك السور لم يكن مجرد أطلال عابرة، بل كان شاهدا على زمن آخر، زمن كانت فيه مدرسة الأمراء فضاء لتعليم أبناء الدولة فنون الفروسية، والرماية، وأصول القيادة، بل لم نكن ندرك أننا نستند إلى جدار يختزن صفحات من تاريخ المغرب، وأن الغبار الذي يلون قمصاننا هو بقايا ذاكرة وطن.
اليوم.
وبعد أن تآكلت أسوار مدرسة الأمراء بالقصيبة الشماعية، ارتفعت أصوات الغيورين مطالبة بإنقاذ هذا المعلم الأثري من الاندثار. لكن ما حدث كان أشبه بمحاولة إخفاء المرض بدل علاجه؛ فقد أحيطت الأسوار بصور إسمنتية تحجب الخراب عن الأنظار، وكأن المطلوب ليس إنقاذ الذاكرة، بل إخفاء ملامح موتها.
وهكذا، صار الزائر يرى جدارا جديدا يخفي وراءه جدارا يحتضر. اختفى الأثر، ولم يختف الخراب. وغابت الحقيقة خلف الإسمنت، بينما بقي التاريخ يئن في صمت، ينتظر من يمد إليه يد الترميم لا يد التغطية.
إن التراث لا يصان بالتجميل المؤقت، ولا بإقامة حواجز تحجب التشققات عن العيون. فالأثر ليس ديكورا عمرانيا، بل وثيقة حية تختزن ذاكرة الناس، وتحكي للأجيال كيف كانت المدن تبنى، وكيف كانت الدول تصنع رجالها. وكل حجر يسقط من مدرسة الأمراء لا يعني فقدان جزء من بناء فحسب، بل يعني ضياع صفحة من السردية الوطنية.
ربما لم نكن، ونحن أطفال، نعرف قيمة ذلك السور، لكننا كنا نحبه بالفطرة. أما اليوم، وقد عرفنا قصته، فإن الصمت لم يعد براءة، بل صار مشاركة في اندثار ذاكرة جماعية تستحق أن تروى، وأن ترمم، وأن تبقى شاهدة على زمن صنع رجال الدولة، قبل أن تتحول هي نفسها إلى أثر يكاد يدفن في طي النسيان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...