فاتن صبحي - ما لدى الشعراء غير وجيعة؟ قراءة في قصيدة "عجز القريض" للشاعر الدكتور/ سلطان إبراهيم

يفتتح الشاعر الدكتور/ سلطان إبراهيم قصيدته "عجز القريض" من ديوان "على جبين الملثم" بقوله: "عجز القريض عن الوفاء". ومنذ هذا المطلع لا يعلن عجز القصيدة فحسب بل يضع القارئ أمام مفارقة مؤلمة: فكيف يعترف شاعر عُرف بعطائه الأدبي الغزير وصدرت له عدة من الدواوين منها أمواج الغربة وأودية المستحيل ووجه الأمان بأن الشعر نفسه قد أصبح عاجزًا؟ إنها لحظة ينهزم فيها الحرف أمام هول المأساة ويتحول الشعر إلى شاهد على زمن استُبيحت فيه الدماء.
تبدأ القصيدة:
"نضبت بحور الشعر جف الماء
لما استبيحت في الربوع دماء"
ولا يقصد الشاعر الجفاف الفني او البلاغي وإنما يجعل من جفاف الماء صورة لموت الكلمة نفسها فحين تُستباح الدماء تعجز اللغة عن أداء رسالتها ويصبح الصمت أبلغ من الكلام.
ثم تتجلى الأزمة النفسية في :
"عجز القريض عن الوفاء وقد بدت
أوجاع ليلى واشتكت أسماء"
ويستدعي الشاعر شخصيتي ليلى وأسماء بوصفهما رمزين لا يقتصران على معناهما التراثي.
فليلى هي ليلى العامرية التي ارتبطت في الذاكرة العربية بالحب العذري والألم الرومانسي الشفيف تتحول إلى رمز للألم الإنساني وأسماء هي أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين) التي عرفت بالصبر والثبات تصبح رمز لصبر استُنزف حتى تحول إلى شكوى. وهكذا تنتقل الشخصيتان من المجال العاطفي إلى المجال الوطني والإنساني لتصبحا صورتين للمرأة والوطن الجريح بينما يعترف الشاعر بعجزه عن الوفاء لما يحمله هذا الجرح من فداحة.
ويتعمق الإحساس بالعجز في :
"الحرف أصبح شوكة في الحلق لم يخرج
وكل قصائدي بكماء"
فالحرف لم يعد وسيلة للتعبير بل عائق يخنق صاحبه والقصائد فقدت صوتها في صورة تجسد أقصى درجات الاختناق النفسي حين يصبح الألم أكبر من ان تصفه الكلمات .
ولا يقف هذا العجز عند حدود الذات بل يمتد إلى واقع الأمة كلها فيتساءل:
"نار الحوادث ألهبت روحي فهل
يجدي الأنين وأمتي صماء؟"
إنه سؤال وجودي يحمل مرارة الإحساس بعدم جدوى الصرخة في واقع لا يسمع الأنين ولا يستجيب له.
ومن هنا ينتقل الشاعر إلى تصوير انهيار رموز القوة العربية فيقول:
"بالأمس كان لنا الصهيل مجلجلًا
واليوم كل خيولنا عجماء"
فالصهيل رمز البطولة والحماسة يتحول إلى صمت والخيل التي كانت عنوان العزة أصبحت عاجزة حتى عن إطلاق صوتها في دلالة على انكسار الإرادة.
ثم تكشف القصيدة أن مصدر الخطر ليس العدو وحده بل الخيانة الداخلية أيضًا:
"حراسنا عقروا الخيول وأشعلوا
نار العداوة فاكتوت أرجاء"
وهنا يوجه الشاعر نقده إلى الداخل حيث يتحول الحارس إلى سبب للهزيمة فتصبح الخيانة أقسى ألمًا من العدو نفسه.
ويتسع المشهد ليصور انهيار أدوات الدفاع كلها:
"لا سيف يصدق في الوقائع ضربه
لا جيش يحمي إن دعت هيجاء"
ثم يرسم صورة لوطن يُساق إلى طاحونة الموت بينما يخذله الأقربون بصمتهم ويعاني أطفاله الجوع وتُهدم مستشفياته ويقف أبناؤه في طوابير الموت حتى يصبح البقاء نفسه أمنية بعيدة.
ولا يكتفي الشاعر برصد آثار الحرب بل يكشف كذلك عن الحرب الفكرية التي تستهدف الوعي حين تُقدم المقاومة على أنها عبث ويُصور الصمود على أنه ضرب من الغباء في إشارة إلى محاولات تزييف الوعي وتشويه القيم.

وفي ذروة القصيدة يطرح الشاعر سؤاله الأكثرألمًا:
"ما لدى الشعراء غير وجيعة
تبكي لها الألف وتشكو الياء"
فحتى الحروف تشارك في الحداد وكأن اللغة كلها دخلت في مأتم طويل ولم يعد الشعر يملك سوى أن يحمل الوجع ويشهد عليه.
وتتوالى صور الوطن المحترق فالحقول تلتهمها النيران والظلال تغيب والإعياء ينهك الشعب ثم تنتهي القصيدة بمشهد بالغ القسوة:
"تحت الركام صدى أنين واهن
وسؤال جرحى: هل من أحياء؟"
إنه سؤال يتخطى حدود القصيدة ليصبح سؤالًا وجوديًا عن مصير الإنسان والوطن معًا.
ويختم الشاعر :
"فوق الخيال طغت هنا مأساتنا
ليحول ما بين القصيد حياء"
وفي هذه الخاتمة تبلغ القصيدة ذروتها الفكرية فالمأساة تتخطى قدرة الخيال على تجسيد الفاجعة فالمأساة اكبر من أن تصفها قصيدة فالكلمات عاجزة عن احتواء هذا الكم الهائل من الألم.
وهكذا يثبت الدكتور سلطان/ إبراهيم أن "عجز القريض" ليس عجز فني أو ضعف في أدوات الشعر وإنما هو عجز أخلاقي وجمالي أمام فاجعة تفوق قدرة اللغة على التعبير والوصف . لذلك لا تنتهي القصيدة بإجابة بل تترك القارئ أمام سؤال مفتوح يتردد بين الأنقاض: هل من أحياء؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...