نمر سعدي - سعدي يوسف.. الضلِّيلُ الأخيرُ وجوَّابُ آفاق الشِعر والمنافي

في عامه الأخير على هذه الأرض أو قبل ذلك بقليل، ترك لي سعدي يوسف رسالة بريدي الخاص يقول فيها: "عزيزي نمر أنا بصدد تنزيل ديوانك "رمادُ الغواية" وطباعته على الورق لقراءته"، كنت سعيدا برسالته ورسائل أخرى يطلب مني زيارته في مغتربه اللندني إذ ظنَّ للوهلة الأولى بأنني شاعر مغترب من أصل عراقي أقيم في حاضرة الإنجليز لندن، بعدها انقطعت مراسلاتنا لانشغاله بمرضه، وسريعا ما تدهورت صحَّة الشاعر إلى أن رحل عن هذه الدنيا في حزيران من عام 2021.
تتمثَّل إشكالية الشاعر العراقي المبدع سعدي يوسف (1934-2021) في كونه شخصية جدلية مركبة تداخلت فيها الريادة الشعرية الفذة مع التحولات السياسية الحادة والمواقف الفكرية الصادمة التي أثارت خصومات واسعة في أواخر حياته. يمكن تفكيك هذه الإشكالية إلى ثلاثة أبعاد رئيسية
أولها الإشكالية السياسية والفكرية المتمثلة في الصدام والتحولات والانقلاب على الأيديولوجيا إذ عُرف سعدي تاريخياً بأنه "آخر الشيوعيين العراقيين" وعاش عقوداً في المنفى دفاعاً عن مبادئه. لكنه في سنواته الأخيرة صدم النخبة الثقافية بمواقف وصفت بالانعطافات الحادة والمتناقضة. ويأتي بعد ذلك الهجوم الضاري والشرس والعنيف على الرموز الثقافية والدينية والسياسية. فقد أثارت كتاباته المتأخرة هجوماً عنيفاً ضد رموز دينية وسياسية وقومية، مثل قصيدته الجدلية عن كردستان العراق (التي أسماها "قردستان") ومواقفه التي اعتبرها البعض مسيئة للإسلام وللهوية العراقية الحديثة.
وأخيرا لا نغفل تأثير عزلة المنفى الأخير على حياة الشاعر ونفسيته، فقد تحول سعدي من رمز للثورة واليسار إلى شخصية محاصرة بالخصومات الأيديولوجية والشعرية والأدبية، لدرجة أن مرضه الأخير ورحيله في لندن مطلع صيف 2021 أحدثا انقساماً شعبياً وسياسياً حاداً في العراق حول أحقيته بالتكريم أو النعي الرسمي.
حملت تجربة سعدي معاني الاغتراب ودلالات الحزن ورفض قبح الواقع وازدواجية المعايير الأدبية ضمن إشكالية جمالية وشعرية طوَّرت قصيدة النثر واليومي بصورة عميقة وذكيَّة ومرهفة.
فمن صخب البحور الشعرية إلى الايقاعات الخفيفة والنبرات الهادئة، إذ تمثلت طريقته الفنية في الخروج من "الخطابة والنمطية السياسية" السائدة في عصره نحو "شعرية التفاصيل اليومية والعادية".
وتشتبك في تجربته جدلية النثر والتفعيلة فقد خاض النقد العربي الحديث في إشكالية الإيقاع البديل لديه؛ حيث زاوج بسلاسة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر بمهارة عالية، متخلياً عن الصور المبهرة المتشظية لصالح لغة شفافة وبسيطة ومفعمة بالمائية تُشبه كلام الناس، وهو ما اعتبره البعض انخفاضاً بمنسوب الشعرية واعتبره آخرون قمة النضج والذكاء الشعري.
ونلاحظ في دواوين سعدي إشكالية الهوية والمكان عبر الاغتراب الدائم وقناع "الأخضر بن يوسف" الذي ابتكره سعدي فكانت هذه الشخصية القناعية في شعره لتعبِّر عن أزمة المثقف المغترب والتائه بين العواصم العربية والغربية (بغداد، الجزائر، بيروت، عدن، ولندن، ونيويورك).
وتحمل قصيدته ثنائية المركز والهامش عبر تمحور تجربته حول إشكالية "الأنا والآخر"، وفقدان المكان الأول (العراق)، والعيش في برزخ الهوية، حيث يرى وطنه يتفتت أمامه دون القدرة على إنقاذه أو استعادته.
سعدي يوسف من أكثر الشعراء الذي يذكرونني بامرئ القيس، جده الشعري الأول، فلسعدي ديوان بعنوان "حفيد امرئ القيس"، وروحه فيها الكثير من تقلبات ومزاج وحرائق أمير الشعر العربي القديم أو الملك الضلِّيل.
تتقاطع كلمة "الضليل" في عالم الشاعر العراقي سعدي يوسف عبر محورين أساسيين في قصائده وكتاباته منها الاستدعاء الرمزي لامرئ القيس (الملك الضليل) كرمز للغربة والترحال، واقتباس اللفظ في قصائد معينة مثل قصيدة "خريف مكتمل".
تبرز كلمة "الضليل" كرمز وتناص (الملك الضليل امرؤ القيس)، فكثيرا ما ِيرتبط اسم "الضلِّيل" عند سعدي يوسف ارتباطاً وثيقاً بجدِّه الشعري الأول امرئ القيس (الملك الضليل).
ويعلن ديوان "حفيد امرئ القيس" انتسابه الرمزي لجموح وحرية الشاعر الجاهلي المغترب والممهور بالوجع الوجودي والقلق الإنساني.
وتأتي رمزية الترحال والغربة في شِعر سعدي الذي يرى في "الضلِّيل" المعادل الموضوعي للمثقف والشاعر العربي المعاصر المحكوم بالنفي والغربة والحزن، والتائه بين العواصم والمنافي دون استقرار.
وأتذكَّر الآن قصيدة "شكراً لامرئ القيس" التي استدعى فيها الشاعر لـقـب "الملك الضلِّيل" ليعبِّر من خلاله عن الضجر الفاجع والملل من الواقع الحاضر.
سعدي بنظري جوَّاب آفاق القصيدة العربية الحديثة وامرؤ القيس العصري الثائر والرافض والمتمرِّد والحزين. لغته تعانق لغة امرئ القيس وكثيرا ما ذكره بكل إعجاب وتقدير ويعترف بكل انبهار بتفوُّق الشِعر الجاهلي وفرادته خصوصا تجربة امرئ القيس.
وردت كلمة "الضلِّيل" في شِعر سعدي بشكل مباشر في المقطع الافتتاحي لقصيدته الشهيرة "خريف مكتمل" (التي تصدَّرت غلاف كتابه الشعري) حيث يقول:
"لستَ أبا تمامَ، كي يحبسَكَ الثلجُ
ولستَ الضِّلِّيلَ، طويلَ الليلِ، بدَمّونَ
ولا ريلْكةَ في حصنِ دْوينو
أو هاملتَ في سجنِ الدانيماركِ
ولستَ... ولستَ...ولكنكَ تأبى أن تخرجَ هذا اليومَ..."
يشير هنا إلى ليل امرئ القيس الطويل الشهير "ولست الضلِّيل، طويلَ الليل" لمقارنة حالته الشخصية والنفسية في المنفى بحالات كبار الشعراء والرموز التاريخية.
***

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...